ارشيف من :ترجمات ودراسات

أسئلة برسم المحكمة لو أجابت عليها لما أجرت تعديلاتها: المحاكمة الغيابية لا تطمئن.. والإفادة الخطيّة دليل ضعف

أسئلة برسم المحكمة لو أجابت عليها لما أجرت تعديلاتها: المحاكمة الغيابية لا تطمئن.. والإفادة الخطيّة دليل ضعف
كتب علي الموسوي
لم تثر أيّة محكمة دولية منذ قيام المحاكم الدولية بدءاً من محكمة نورمبرغ "لمحاكمة النازيين الألمان" في العام 1945، ضجيجاً حول نظامها وقانونها وقواعد إجراءاتها وإثباتها، كما فعلت المحكمة الخاصة بلبنان التي ولدت بطريقة ملتبسة غير مصادق عليها بحسب الأصول الدستورية اللبنانية، وأحدثت التعديلات والتغييرات المقصودة على إجراءاتها، الكثير من الشكوك حول الغاية القانونية من حصول هذا التبديل النوعي، خصوصاً وأنّ عمر المحكمة منذ انطلاقتها الإدارية في الأوّل من شهر آذار/ مارس 2009، لم يتجاوز السنة ونصف السنة، وقد بلغت التعديلات ثلاثاً طوال هذه المدّة الزمنية القصيرة، فيما قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني بنسختيه القديمة والجديدة المنقّحة، والذي تستمدّ هذه المحكمة الكثير من مواده، تعرّض للتعديل مرّات عديدة منذ تشريعه ووضعه قيد التداول للمرّة الأولى في العام 1943 وصولاً إلى تعديل القانون الجديد في 16 آب/ أغسطس من العام 2001.
ويشير قضاة لبنانيون بالبنان إلى وقوف زميلهم السابق القاضي رالف رياشي وراء هذه "الخروق" القانونية والتعديلات، وهو الذي شارك في إعداد نظام المحكمة الخاصة بلبنان وقواعدها مع الدائرة القانونية في الأمم المتحدة، ثمّ تابعها من خلال منصبه كنائب لرئيس المحكمة، وكرئيس فعلي لغرفة الاستئناف فيها في حال غياب رئيسها الإيطالي أنطونيو كاسيزي.
وقد أقّرت الهيئة العامة لقضاة المحكمة خلال اجتماعها بين 8 و11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2010، جملة تعديلات طاولت عدداً حسّاساً من قواعد الإجراءات والإثبات بغية " تعزيز فعالية إجراءات المحكمة وسلامتها بعد الاستماع إلى حجج مكتب المدعي العام ومكتب الدفاع وقلم المحكمة... وضمان اضطلاع المحكمة بالمهمّة المسندة إليها من خلال محاكمات عادلة وسريعة" بحسب البيان الصادر عن المحكمة بعد انفضاض الاجتماع والانتهاء من التعديلات بفترة زمنية قاربت الثمانية أيّام، وتحديداً في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2010.
وتستدعي هذه التعديلات قراءة قانونية للوقوف على الصحيح منها والإشارة إلى الخطأ، بغية تصحيحه وتعديله لئلا يبقى عالة على محكمة دولية يفترض أن تتمتّع بقدر عال من المسؤولية القانونية تحقيقاً للعدالة المنشودة، وإلاّ فإنّ إبقاءه بالصيغة التي ورد فيها، يضرّ بسمعة المحكمة ويعرّضه للطعن وعدم القبول من مرجعيات قانونية كبرى مشهود لها بالكفاءة العلمية.
لا بدّ من الإقرار في البدء، بأنّ تعديل قواعد الإجراءات والإثبات يقع في صلب مهام الهيئة العامة للمحكمة عند الاقتضاء بحسب ما تنصّ المادة 28 من النظام الأساسي للمحكمة، والقول بأنّ ذلك مخالف لمبدأ فصل السلطات ويجب أن يخضع للسلطة التشريعية اللبنانية، فهو غير صحيح، لأنّ المحكمة مستقلّة عن سلطة الدولة اللبنانية وإنْ كانت تحمل اسم لبنان وتنظر في قضية وقعت على أراضيه، ولكنّ إنشاء المحكمة صدر عن مجلس الأمن وتحت الفصل السابع، بناء لرغبة حكومة الرئيس فؤاد السنيورة التي أثير كلام كثير عن عدم دستوريتها بعد خروج ستّة وزراء منها هم خمسة من الطائفة الشيعية وواحد من الطائفة الأرثوذكسية في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2006، وبالتالي، فإنّه لا علاقة لأيّ سلطة في لبنان في أن تنظر في ما تفعله المحكمة من الناحية القانونية، ويقتصر الأمر على تأمين المساهمة المالية الإلزامية والمقدّرة بـ 49% من الميزانية العامة للمحكمة، ولو كانت هذه المحكمة تابعة للقضاء اللبناني وتعمل تحت سلطته لوجب مرور أيّ تشريع قانوني طارئ وجديد عبر السلطة التشريعية ممثّلة بالمجلس النيابي.
وما دامت المحكمة منبثقة عن قرار صادر عن مجلس الأمن، فإنّ ذلك بحدّ ذاته، مقلق ومثير للريبة والشكوك، لأنّ هذا المجلس لم يصدر طوال مسيرته، قراراً واحداً يدين فيه إسرائيل برغم كلّ المذابح والجرائم والاعتداءات التي ارتكبتها بحقّ العرب والمسلمين في غير دولة، وفي طليعتها فلسطين ولبنان.
وطاولت التعديلات الجديدة مسألتين في غاية الأهمية والتعقيد هما: المحاكمات الغيابية وقبول الإفادات الخطيّة للشهود الذين "تحول أسباب وجيهة دون حضورهم للإدلاء بشهادتهم" بحسب العذر المقدّم من هيئة العامة.
فبالنسبة إلى المحاكمات الغيابية التي تهدف إلى الحؤول دون توقّف أعمال المحكمة، فإنّ ورودها في قواعد المحكمة الخاصة بلبنان يعتبر سابقة غير مطمئنة، لأنّ كلّ المحاكم الدولية الأخرى سواء أكانت موجودة وعاملة، أو مقفلة ومنتهية الصلاحية، لم تلحظ هذه المحاكمات في سياق قواعدها الخاصة بها، خصوصاً وأنّ هذه المحاكمات الغيابية تتعارض بشكل جذري مع القانون الدولي الإنساني الذي يشدّد على وجوب أن تكون المحاكمة وجاهية كمبدأ أساسي مقدّس مثل مبدأ حياد القاضي ومبدأ الدفاع، ولا يمكن التهاون إزاءه مهما كانت الإغراءات.
وإنْ كانت المحاكمة الغيابية مطبّقة في المحاكم اللبنانية وواردة في قانون أصول المحاكمات الجزائية الذي تتكئ قواعد الإجراءات والإثبات في المحكمة الخاصة بلبنان على عدد لا بأس به من مواده، ويسترشد قضاة المحكمة الخاصة بلبنان به حسب الاقتضاء، كما تقول الفقرة الثانية من المادة 28 من النظام الأساسي، إلاّ أنّ الغاية السياسية من إمكانية استعمال المحاكمة الغيابية في القضايا الكبرى ولاسيّما الجرائم السياسية الفردية والإرهابية، مؤكّدة بدليل استخدام هذه المحاكمة في غير قضيّة، سيفاً مسلّطاً على المطلوب رأسه لملاحقته أينما توجّه وكيفما تنفّس إنفاذاً لرغبات سياسية واضحة.
أمّا بالنسبة لقبول إفادات الشهود الخطّية، فإنّ الأمر يطرح سلسلة أسئلة لم يعرف ما إذا كانت المحكمة قد ألقتها على نفسها وأجابت عليها قبل أن تقرّها، أم أنّها نأت بنفسها عنها.
إنّ استبدال حضور الشاهد أمام المحكمة بإفادة خطّية يرسلها لها، مخالف للقانون للأسباب التالية:
أوّلاً: من يؤكّد بأنّ الإفادة المرسلة من هذا الشاهد صحيحة حتّى ولو حملت توقيعه؟ ثمّ كيف يمكن للمحكمة أن تركن إلى إفادة شاهد لم تراه وتنظر في عينيه خلال سماعه لمعرفة كيف يتصرّف وما إذا كان يكذب، أم يقول الصواب؟، وكيف تتحقّق المحكمة من صحّة كتابتها بخطّ يد صاحبها ما لم يحضر أمامها؟ وإذا كانت مطبوعة فكيف يجري التأكّد من أنّ صاحبها كتبها بنفسه ولم تُمْلَ عليه ولم يقم أحد سواه بكتابتها بالنيابة عنه ودفع له مبلغاً من المال لكي يرسلها إلى المحكمة باسمه، أيّ أنّ دور شاهد الإفادة المكتوبة اقتصر على استخدام اسمه فقط، من دون أن يعرف مضمونها، وإن سمح له بمعرفته والإطلاع عليه، طلب منه، بالضرب أو من دون تعنيف، حفظها غيباً والاستعداد لتسميعها من جديد أمام المحكمة إذا ما استدعته، على غرار ما حصل في لجنة التحقيق الدولية في عهد القاضي الألماني ديتليف ميليس الذي كان أكبر منتج لشهود ظهر مع مرور الأيّام أنّهم مزوّرون ومفترون ولا يعتدّ لا بهم ولا بإفاداتهم؟.
ثانياً: إنّ تقديم الإفادة خطّياً دليل على ضعف صاحبها ومضمونها في وقت واحد، ولو كان متمكّناً من فحوى كلامه، لقدّم نفسه علناً أمام المحكمة، خصوصاً وأنّ حمايته مؤمّنة من خلال برنامج حماية الشهود، وبالتالي، فإنّ إخفاء وجهه ومعالمه وصوته وحركاته واسمه وشخصيته، من خلال تقديم إفادة خطيّة فقط، مؤشّر أكيد على أنّه شاهد غير واثق من شهادته، وأنّ إفادته غير قابلة للتصديق لافتقادها إلى عامل الجرأة في إدلائها بالدرجة الأولى، وهي ميزة مهمّة في سياق المحاكمات والقضيّة برمّتها، ومن ثمّ لافتقارها إلى ما يثبت صحّتها بالدرجة الثانية، وإلاّ ما معنى أن تكون الإفادة مكتوبة ومدوّنة؟.
ثالثاً: هل يؤمن قضاة المحكمة بالغيب والتنجيم، فيسمحون للشاهد بالفرار من أمامهم، ثمّ يقومون بتخمين ما يريد، وكيف تصدر الكلمات من فمه وكلّها إجراءات دقيقة وواجبة لمعرفة صدقه من كذبه؟.
رابعاً: كيف يمكن للمتهم ومحاميه أن يناقض هذا الشاهد المخفي، شفهياً ومباشرة في قاعة المحكمة؟ وربّما، إنْ لم نقل من المؤكّد، تكون لدى المتهم ومحاميه أسئلة، فكيف يجيب الشاهد عليها؟، فهل تنقل الأسئلة إليه عبر المراسلة ليجيب عليها؟ و أليست في هذا الأمر، على الرغم من تشويهه لأصول المحاكمات، إطالة مقصودة لأمد المحاكمات ترمي إلى المماطلة بعكس ما تقول المحكمة في بيانها الإعلامي، بأنّ التعديلات تضمن محاكمة سريعة، وهي عبارة وردت أيضاً في الفقرة الثانية من المادة 28 من النظام الأساسي؟.
خامساً: لماذا الإصرار على حماية هذا الشاهد، أو ذاك، بالاكتفاء بتلاوة إفادته الخطّية؟ وهل هذا الأمر هو استمرار لحماية شهود الزور ومنع كشفهم وفضحهم أمام الرأي العام؟ وإذا كانت إجابة المحكمة إيجابية، فإنّها بذلك تؤكّد بأنّها مسيّسة وطرف وخاضعة للعبة الأمم وليست مستقلّة، وهذا ما يتناقض ومبدأ العدالة الحقيقية والعادلة.
سادساً: كيف تستطيع المحكمة أن تحضر متهماً ما، أو تطلب من دولته، أو من دولة يقيم على أراضيها، تسليمه، ويعصى عليها إحضار شاهد يجب أن يكون متمكّناً من شهادته وقادراً على تقديمها بشجاعة؟.
سابعاً: ما دام الشهود المفترضون يخضعون لبرنامج حماية، فلماذا تكثيف الحماية لهم بالسماح لهم بعدم المثول أمام المحكمة، ثمّ إنّ هذا الإجراء يندرج تحت بند " تحقير المحكمة" الذي تعاقب عليه قواعد الإجراءات والإثبات في حال تبيّن أنّ الشاهد يكذب، فكيف تفعل المحكمة الشيء ونقيضه في آن معاً؟، وهل تتخلّى المحكمة عنه عند ثبوت تحقيره لها عبر الكذب والافتراء؟.
ثامناً: إنّ قانون أصول المحاكمات الجزائية المعمول به في لبنان، يفرض على المحكمة مهما علا شأنها وبدءاً من القاضي المنفرد الجزائي وصولاً إلى المجلس العدلي، ومروراً بمحكمتي الجنايات والتمييز، أن تكون المحاكمة وجاهية حيث يمثل المتهم بحضور وكيله ويحقّ لهما استنطاق الشاهد الماثل أمامهما بحضور المدعين المتضرّرين أو وكلائهم، فلماذا أغفلت المحكمة تنفيذ هذا الواجب القانوني ما دامت تسترشد بقانون أصول المحاكمات الجزائية، أم أنّها تقتبس ما يناسبها فقط؟.
وقالت المحكمة في بيانها إنّها اعتمدت التعديلات "بعد الاستماع إلى حجج مكتب المدعي العام ومكتب الدفاع وقلم المحكمة"، وهذا شيء مستغرب باعتبار أنّ المدعي العام هو طرف بغضّ النظر عمن سيكون المتهم، ولا يحقّ له أن يملي تعديلات تناسبه، أو اقتراح تغييرات تتوافق وسياسته ومنهجيته في مسار القضيّة، مثل قبول الإفادات الخطيّة للشهود، كما أنّ مكتب الدفاع هو أشبه بالمعونة القضائية في نقابة المحامين في لبنان ولكن بشكل أوسع حيث يستطيع الإسهام في تكليف محام يتولّى الدفاع عن متهم لم يعيّن أحداً لهذه المهمّة، أو تقديم استشارات قانونية للمحامين المولجين بالدفاع، فيما يقتصر دور قلم المحكمة على الأمور الإدارية البحتة حتّى ولو ترأسه قضاة، أو محامون، أو عاملون في الحقل الحقوقي.
والسؤال كيف يعطى هؤلاء الثلاثة أدواراً ليست لهم في التشريع، ولو على سبيل الاستئناس والمشورة، فيما هو يقع في صلب عمل المحكمة التي تحكم وتفصل في القضيّة؟.
2010-12-01