ارشيف من :أخبار لبنانية
جولة الحريري انتظار... للقرار الاتهامي الدولي ؟
سركيس نعوم، النهار
المعلومات - الشائعات تملأ البلاد وتنتشر في غالبية الأوساط السياسية والشعبية والطائفية والمذهبية. ومعظمها يركّز على موعد صدور القرار الاتهامي (او الظني) في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري عن المدعي العام في "المحكمة الخاصة بلبنان" دانيال بيلمار. وأحدثُها يشير الى ان هذا الموعد صار قريباً جداً. ويرجّح ان يكون صدوره خلال ايام. ويستند هذا "التحديد" المعلوماتي - الشائعاتي الى اتصال او أكثر من اتصال أجراه رئيس الحكومة سعد الحريري اثناء وجوده اخيرا في باريس مع قريبين منه في بيروت.
وينطلق اصحاب هذه المعلومة - الشائعة منها للاعتقاد بأن الجولة الخارجية للحريري التي بدأها بايران الاسبوع الماضي، والتي شملت حتى الآن فرنسا والتي يُفترض ان تشمل تركيا وعُمان اواخر الاسبوع، وربما الولايات المتحدة على ما تردد في بعض الاروقة الاعلامية، بغية الاطمئنان الى صحة العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز والتشاور معه في الموقف النهائي الذي يُفترض فيه ان يتخذه كرئيس حكومة من "المحكمة الدولية" - كما تسمى في لبنان - وملف شهود الزور وكل الملفات الاخرى المتعلقة بها، ينطلقون من المعلومة - الشائعة المذكورة اعلاه للاعتقاد ان الهدف من الجولة الخارجية الطويلة هذه قد يكون انتظار صدور القرار الاتهامي (او الظني) الدولي وهو خارج لبنان، ربما تلافياً لمواجهة إحراجات وإرباكات ومواقف وربما قرارات قد تفرضها عليه ردود الفعل السلبية على القرار التي يتوقع كثيرون حصولها من الجهة او الجهات المتضررة منه او المتأذية منه، محلية كانت او خارجية.
علماً ان الهدف من الجولة الطويلة قد يكون ايضاً الحرص في حال صدور القرار على "الانوجاد" في الخارج، الامر الذي يتيح له حرية الحركة لاحتواء المضاعفات اللبنانية والاقليمية ومحاولة ايجاد تسويات للمشكلة. وطبيعي ان تكون هذه الحركة للاتصال بالمسؤولين الكبار في العالم العربي والعالم الأوسع، وكذلك للاجتماع بالبعض منهم اذا استوجبت الحال في لبنان ذلك.
هل لهذه المعلومة - الشائعة اي اساس من الصحة؟
الجواب المباشر عن هذا السؤال ليس متيسراً لأحد، لأن المُدَّعي العام الدولي لا يزال يعتصم بالصمت حيال موعد صدور القرار الاتهامي (او الظني). ولأن رئيس "المحكمة الدولية" والمسؤولين الكبار فيها لا يفصحون عن معلوماتهم في هذا الشأن، او يتذرعون بعدم حيازتهم اي منها، بصرف النظر عما اذا كانت ذريعتهم صحيحة ام لا. لكن التسريبات عن مضمون القرار المذكور التي تكررت اخيراً اعطت التوقعات بصدوره قريباً بعضاً من الصدقية، وخصوصاً اذا كان مضمونها جزءاً لا يتجزأ منه. لكن ما يمكن قوله في هذا المجال، وهو قد يكون جواباً غير مباشر عن السؤال المطروح اعلاه هو ان المعلومة - الشائعة المفصلة اعلاه، لم تأت من فراغ.
ويقول بعض العارفين ان هناك ادلة تقنية عليها تؤكد ان مضمونها قيل، سواء كان صحيحاً او خاطئاً. وهذه الادلة لا يقتصر وجودها على فريق دون آخر من افرقاء النزاع في لبنان ومن خارجه. ويقول ايضاً ان الجهات المعنية بهذا الامر سلباً، كما المعنية به ايجاباً، قد اتخذت كل الاحتياطات لمواجهته وتداعياته في حال صحته، او "لمواكبته".
طبعاً حرص هذا البعض من العارفين على عدم الخوض في تفاصيل كل ذلك ليس فقط لأنه قد لا يكون ملمّاً بها او مطلعاً عليها، بل ايضاً لأنه يعتقد ان إمكان إعادة النظر في موعد اصدار القرار الاتهامي (او الظني)، في حال كان الموعد المعلوماتي - الشائعاتي صحيحاً، لا يزال متوافراً. لا بل ان قسماً من المعلومات المتوافرة عند مصادر ديبلوماسية غربية يشير الى ان الاتصالات التي أجريت في الاسبوعين الاخيرين، وخصوصاً منذ بدء الجولة الخارجية للرئيس سعد الحريري، من اكثر من جهة مع عدد من الدول الكبرى والفاعلة، بعد المراجعات التي تلقتها من المعنيين بصدور القرار الدولي او بعدم صدوره او بتأخير صدوره، هذه المعلومات تشير الى ان قراراً بإرجاء الصدور قد اتخذ من المدعي العام او من المحكمة في حال كان القرار احيل على القاضي المختص وربما على رئيس المحكمة لاجازة صدوره بعد التأكد من صلابة الأدلة الواردة فيه. إلا ان احداً لا يعرف مدة تأجيل الصدور، لكن ما صار يعرفه الجميع في الداخل والخارج ان فرص التراجع عن إصدار القرار وإن أُرجىء موعده اشهراً قد لا تكون كثيرة، فهي صارت معدومة او بالأحرى شبه معدومة، لاعتبارات لا تتعلق بالحرص على العدالة ومنع الافلات من العقاب، بمقدار ما تتعلق بالمواجهة الكبيرة الدائرة في الشرق الاوسط بين محور ايران الاسلامية وسوريا و"حزب الله" و"حماس" من جهة ومحور عرب الاعتدال او عرب اميركا واميركا واسرائيل والمجتمع الدولي او بعضه من جهة اخرى.
وهذه الفرص صارت معدومة ايضاً او شبه معدومة، لأن "التفاوض" او بالأحرى "تبادل الكلام" بين اطراف اساسيين من فريقي المواجهة جار وفي جدية كبيرة، ولا شيء يمنع توصله الى نتائج. وفي الحالين، اي المواجهة او التفاوض والتسوية، فان المحكمة بالاطراف الذين قد يشملهم تقريرها الاتهامي بالتورط في اغتيال الحريري ستبقى ضرورية للجميع. والفرص اياها صارت معدومة ايضاً او شبه معدومة، لأن المعنيين ايجاباً من اللبنانيين بالقرار نجحوا في كسب الوقت للوصول الى مرحلة وضع التقرير بعد صدوره الناسَ كلهم امام واقع لا مفر من مواجهته، ولأن بعض المعنيين سلباً به قد لا يمانعون في صدوره وإن سريعاً، وخصوصاً اذا كان من شأنه مساعدتهم في جعل حلفاء لهم في لبنان اكثر طواعية ربما مما هم عليه الآن.
في اختصار يمكن القول ان الجميع على تناقضهم صاروا على استعداد. وذلك واضح، ولكن ما ليس واضحاً هو انهم صاروا على استعداد لفعل ماذا؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018