ارشيف من :أخبار لبنانية

مسوّدة تسوية خطّية بين أيدي عبد الله والأسد ونجل الملك

مسوّدة تسوية خطّية بين أيدي عبد الله والأسد ونجل الملك

نقولا ناصيف، الأخبار

أيهما يسبق الآخر، التسوية التي تبرمها الرياض ودمشق أم القرار الظني الذي تعتزم المحكمة الدولية إصداره؟ عامل الوقت، وحده، يجعل سباقهما مدخلاً إلى الحلّ أو إلى المواجهة. لكن ما يدور بين العاصمتين يوحي بالخيار الأول


حتى الأيام القليلة المنصرمة، كانت المعطيات المحيطة بالجهود السعودية ـــــ السورية لحلّ الأزمة اللبنانية، أفضت إلى الآتي:

1 ـ أنجزت الرياض ودمشق مسوّدة خطية لتسوية سياسية لم يطّلع على مضمونها سوى الملك السعودي عبد الله والرئيس السوري بشّار الأسد ومستشار الملك ونجله الأمير عبد العزيز. وأحيطت المسوّدة بكتمان بالغ في بنودها وتفاصيلها حتى في الأوساط الوثيقة الصلة بعبد الله والأسد ومعاونيهما الذين لم يطّلعوا عليها.

2 ـ بتكليف من عبد الله، وضع عبد العزيز رئيس الحكومة سعد الحريري في أجواء مسوّدة التسوية، لكن من دون إطلاعه على مضمونها الحرفي.

3 ـ استقبل الرئيس السوري المعاون السياسي للأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله الحاج حسين الخليل، وأطلعه بدوره على أجواء المسوّدة دون نصّها. حملها الخليل إلى نصر الله، ثم عاد إلى دمشق حاملاً الجواب، ومفاده أنه قد تكون لحزب الله بعض الملاحظات الشكلية عليها. كان تعقيب الأسد أن هذه الملاحظات تعالج في الوقت المناسب. بذلك، عبّر الرئيس السوري عن رضاه عن الحلّ المقترح، ولم يرَ فيه حزب الله مصدراً لإقلاقه على مقاومته.
اقترنت هذه المعطيات بالمساعي التي أجرتها العاصمتان حتى قبل مرض الملك. إلا أنّ الاتصالات شبه الدائمة بينهما مذ ذاك عزّزت هذه الجهود. سرعان ما وصلت أصداء المسوّدة إلى رئيس الجمهورية ميشال سليمان.

الأحد الماضي (28 تشرين الثاني)، أجرى الرئيس اتصاله الدوري بنظيره السوري وناقش معه الأوضاع، فأبدى له الأسد ارتياحه إلى الحوار المتقدّم بينه وبين العاهل السعودي. كان سليمان قد عبّر للرئيس السوري عن قلقه من الانقسام الداخلي وشلّ السلطة الإجرائية، وتزايد الضغوط المتبادلة بين قوى 8 و14 آذار، فضلاً عن جدل وحملات إعلامية عالية النبرة. فأبرَز له الرئيس السوري انطباعات عبّرت بدورها عن ارتياحه النفسي والواقعي إلى مسار الاتصالات الدائرة مع الملك، الآيلة حتماً ـــــ بحسب الأسد ـــــ إلى تسوية سياسية. حضّه أيضاً على أن يكون مطمئناً إلى النتائج المتوخاة من الاتصالات ولو تطلّبت بعض الوقت، وأنّ التأخير في حال كهذه لا يعود مهمّاً ما دام سيفضي إلى حلّ للأزمة. أخطره الأسد بأن الوضع في لبنان لا يبعث على قلقه، وهو تحت سيطرة الحوار السعودي ـــــ السوري.

كان ما باحه الرئيس السوري مصدر التفاؤل والارتياح الذي أبداه، في الأيام الأخيرة، رئيس الجمهورية في أحاديثه إلى زواره، وعكس فيه استمرار الرهان على الدور السعودي ـــــ السوري، مع إصراره على اضطلاع الأفرقاء اللبنانيين بدور مواز. إلا أن الحريري الذي التزم كتمان ما اطلع عليه، لم يفصح لسليمان عن مناخ التسوية الذي أحاطه عبد العزيز علماً به، أضف عدم إلمامه ببنودها.


إلى هذا، كان الوزير غازي العريضي، موفد رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط إلى دمشق، قد أبلغ السبت الماضي (27 تشرين الثاني) معاون نائب الرئيس السوري اللواء محمد ناصيف أنه أمضى الليلة السابقة مع الحريري، عشية سفر الأخير إلى طهران، واستمع منه إلى موقف متقدّم من المحكمة الدولية والقرار الظني، مفاده أنه مستعدّ للذهاب في أي تسوية تتفق عليها الرياض ودمشق في شأنها، وأنه يحتاج إلى غطاء سعودي كامل في هذا الخيار. كان الأسد قد سمع العبارات نفسها من سليمان عندما أسرّ إليه موقف الحريري في القمّة التي جمعتهما في 16 تشرين الثاني في دمشق. وسمع ناصيف قبل ذلك من جنبلاط الموقف نفسه في 9 تشرين الثاني.

بذلك بات الخيار الذي ينتظر رئيس الحكومة، وهو الخروج من القرار الظني بادئ بدء ومن ثم من المحكمة الدولية، حتمياً، ويتركز على الآتي:
1 ـ تقدّم جهود التسوية السياسية على ما عداها من احتمالات شتى للمواجهة، بدأ الحريري يستعد لها، سواء بتأكيده أكثر من مرة أنه لن يقبل بأن يصبح دم والده الراحل الرئيس رفيق الحريري سبباً لفتنة داخلية، أو بتأكيد التزامه ما تقرّره السعودية. وبات أقرب من أي وقت مضى إلى إجراء مراجعة مختلفة لمعادلة كان قد طرحها وتصلّب في التمسّك بها، وأصبح الآن في حاجة إلى مبرّرات التخلص منها، هي اقتران الاستقرار بالعدالة. واقع الأمر أن التسوية المتوقعة تفصل كلياً بين الاستقرار والعدالة، وتغلّب الأول على الثانية.

2 ـ لا يعدو الإصرار اللافت للأمين العام لحزب الله على الإشادة بالدور السعودي ـــــ السوري، للمرة الثانية في 11 تشرين الثاني بعد أولى في 28 تشرين الأول، إلا صدىً لرهان الرئيس السوري على الملك عبد الله، وعلى التقدّم الذي أحرزه الحوار الدائر بينهما. في الحصيلة لم يفسح هذا الحوار لأي من الدول الواسعة النفوذ ـــــ ولو بتفاوت ـــــ في لبنان، الدخول شريكاً فيه مع الرياض ودمشق. فاتخذ كل منها، كإيران وتركيا وفرنسا وقطر، دور الداعم لمساعي التسوية، والبقاء على مسافة مشتركة من طرفي النزاع.

فاوضت السعودية نيابة عن الحريري، لأنها الأقدر على اتخاذ قرار بات يتطابق مع مصالحها مع سوريا، ولأنها الأقدر على إلزامه إياه. وفاوضت سوريا باسم حزب الله كي توفر ضماناً إضافياً لسلاحه، من غير أن ترغمه على تقديم أي تنازل موجع كالذي سيقدم عليه رئيس الحكومة.

3 ـ لا اجتماع لمجلس الوزراء قبل صدور القرار الظني، ولا اجتماع له قبل التسوية. بيد أن مجلس الوزراء ينعقد في حال محتملة واحدة، هي إدانته القرار الظني إذا سارع المدعي العام للمحكمة الدولية القاضي دانيال بلمار إلى إصداره في وقت قريب، قبل تسليم رئيس الحكومة بالتسوية. في ظلّ القرار الظني، لن يجلس الحريري قبالة وزيرين ينتميان إلى حزب اتهم القرار الظني ضمناً أعضاء فيه باغتيال والده الرئيس الأسبق للحكومة. ولن يجلس أيضاً وزيرا حزب الله ووزراء المعارضة مع رئيس حكومة التزم الصمت حيال القرار الظني نفسه ولم يُدنه للفور.



2010-12-03