ارشيف من :أخبار لبنانية

ماذا يجري بين رئيس الجمهورية وعون ـ فرنجية؟

ماذا يجري بين رئيس الجمهورية وعون ـ فرنجية؟

عماد مرمل، السفير

يبدو ان العلاقة المتأرجحة أصلا بين رئيس الجمهورية ميشال سليمان والمعارضة المسيحية تشهد في هذه الآونة المزيد من التراجع. ويمكن القول استنادا الى شهادة العارفين ببواطن تلك العلاقة، انها باتت حاليا أكثر سوءا مما كانت عليه في السابق.

ولئن كانت المشاورات التي يجريها سليمان مع أقطاب هيئة الحوار قد أتاحت له تجديد التواصل المباشر مع كل من العماد ميشال عون والنائب سليمان فرنجية بعد فترة من الانقطاع، إلا ان الانطباعات التي تكونت لدى بعض المطلعين على مضمون الاجتماعين، أوحت بأن الامور قبلهما ربما كانت أفضل مما انتهت إليه بعدهما.

يسود المعارضة عموما، ولا سيما بين قادتها المسيحيين، شعور بان رئيس الجمهورية ذهب بعيدا في «رماديته» التي تحولت الى نهج قائم بحد ذاته، في حين ان هناك محطات مفصلية من غير المقبول التعامل معها على أساس «لا أبيض ولا أسود»، كما يردد قيادي مسيحي بارز يرى ان المشكلة لا تعود الى غياب الصلاحيات، بل الى تغييب القرار.

ويقر القيادي المذكور بان العلاقة بين سليمان وقطبي المعارضة المسيحية (عون وفرنجية) مصابة في المرحلة الراهنة بكل اعراض مرض «أزمة الثقة». يحوي كلامه ما يتجاوز حدود العتب واللوم، موحيا بان هناك خيبة أمل كبرى تسود هذين القطبين حيال النهج المعتمد من رئيس الجمهورية منذ انتخابه.
يتسع بيكار الانتقادات التي يعددها القيادي المسيحي المعارض، ليطال خلال استدارته مجموعة من الامور التي تمتزج فيها القضايا الاستراتيجية بالتفاصيل اليومية وحتى الطباع الشخصية، وليس ملف شهود الزور سوى واحدة من عينات متراكمة تختزن تضاريس التعقيدات التي تتحكم بتجربة رموز المعارضة المسيحية مع رئيس الجمهورية.

وفي هذا السياق، يشير القيادي المسيحي البارز في المعارضة الى انه يكاد يكون متيقنا من ان رئيس الجمهورية كان سيصوّت الى جانب الفريق الآخر، ضد إحالة قضية شهود الزور على المجلس العدلي لو انه اضطر الى اخضاعها للتصويت في مجلس الوزراء.

تضرب هذه النقطة على الوتر الحساس في جسم المعارضة، لأن المسألة هنا لا تتعلق ببند خلافي عادي، يحتمل ترف «التقدير الاستنسابي»، كما يقول المصدر القيادي الذي يعتبر ان الحياد الظاهر لرئيس الجمهورية في ملف شهود الزور على قاعدة الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، إنما يعبر في جوهره عن انحياز ضمني الى منطق قوى 14 آذار، أو أقله يصب في خدمته، لان هذا «الحياد السلبي» أدى عمليا الى تعطيل آلية المعالجة والمحاسبة التي تتلاءم وخطورة الجرم الذي ارتكبه شهود الزور.

وينطلق القيادي البارز في المعارضة المسيحية من هذه التجربة، ليستنتج ان سليمان ارتكب مؤخرا خطأ في ترتيب أولوياته، فقدّم المحكمة على المقاومة كما أوحى سلوكه، وخصوصا لجهة نمط تعاطيه مع ملف شهود الزور الذي كان يتطلب موقفا حاسما من رئاسة الجمهورية، باعتباره ملفا يتعلق بالامن القومي للبلد، إضافة الى كونه يشكل أحد مفاتيح الألغاز في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

ويلفت الانتباه الى ان سليمان سعى باستمرار الى التوفيق بين مقولتي ان المقاومة خط أحمر والمحكمة الدولية خط أحمر، لكن عندما حصل التصادم بين الخطين وجاء أوان المفاضلة وحسم الخيار من خلال «اختبار» شهود الزور، إذا به يتمسك بمعيار التوافق في التوقيت الخاطئ، ليتناغم بذلك مع مصلحة رئيس الحكومة الرافض خيار التصويت على إحالة الملف على المجلس العدلي.

ويرى القيادي ان عدم إشارة سليمان الى المقاومة في خطاب عيد الاستقلال، كان مؤشرا الى هذا المنحى، إذ ان إغفال التطرق اليها خلافا للعادة، في لحظة تشهد أخطر عملية استهداف لها من قبل المحكمة الدولية وقرارها الاتهامي، لا يمكن إدارجه في خانة «سقط سهوا»، بل هو يعكس في أحسن الحالات تقديرا خاطئا لاولويات المرحلة.

والمفارقة، بحسب القيادي، ان استبعاد المقاومة عن الخطاب الرئاسي جاء في مناسبة هي على صلة وثيقة بمعنى هذه المقاومة وإنجازاتها، إذ ان الاستقلال ما كان ليصبح ناجزا لو بقي الاحتلال الاسرائيلي جاثما على الاراضي اللبنانية ولم يتم تحرير معظمها عام 2000.

ومن نافذة ملف شهود الزور، يطل القيادي البارز في المعارضة المسيحية على علاقة سليمان بالرئيس سعد الحريري، معتبرا ان رئيس الجمهورية يبالغ في مراعاة حساسيات رئيس حكومته وحساباته، بينما المطلوب منه ان يكون أكثر حزما ووضوحا في إدارة علاقته معه، وبالتالي في إدارة شؤون الدولة، منعا لتعطيلها تحت شعار الحرص على التوافق في كل شاردة وواردة.

ويرى القيادي ان هناك حاجة أحيانا، بل ضرورة، كي يضرب رئيس الجمهورية بيده على الطاولة ويقول «كفى» لحالة الشلل التي تسود العديد من أجهزة الدولة، والتي تمعن في استنزاف العهد والبلد يوما بعد يوم، مشيرا الى انه لا يجوز ان يقبل سليمان بأن يبقى مجلس قيادة قوى الامن الداخلي على هذه الحال من الاهتراء من دون ان يحرك ساكنا لانه يخشى ان يصطدم مع الحريري، ولا يجوز ان يقبل باستمرار الشغور في مراكز إدارية حيوية من دون ان يبتكر مخارج مناسبة. وإذا كان إقرار التعيينات يتطلب اتفاقا بين القوى التي يتكون منها مجلس الوزراء، إلا ان ذلك لا يعني انه ليس بمقدور رئيس الجمهورية ان يُحدث، عبر موقف ما، صدمة سياسية تخترق الامر الواقع القائم وتدفع الآخرين الى تحمل مسؤولياتهم.

المهم بالنسبة الى القيادي البارز في المعارضة المسيحية، ان يستعيد رئيس الجمهورية المبادرة، وأن يملك الاستعداد لقول الكلمة الفصل عندما يستشعر ان المصلحة العليا تقتضي الادلاء بها، لأن الدولة لا تدار بالتراضي دائما ولا بتوزيع الالتزامات المتضاربة في هذا الاتجاه وذاك، ثم حين يأتي أوان تسديدها يحصل المأزق.


2010-12-03