ارشيف من :أخبار لبنانية
فضيحة الغني وجنازة الفقير
سليمان تقي الدين - صحيفة السفير
وضع وزراء «المعارضة» اليد على ملفين من أهم الملفات المتعلقة بالفساد وإهدار المال العام ونهبه، وباستباحة العدو الإسرائيلي لشبكات الاتصالات. في الملف الأول تقرّر إنشاء لجنة تحقيق، وفي الملف الثاني تقرّرت توصية بالادعاء على الاختراق الأمني الإسرائيلي لدى مجلس الأمن بشهادة هيئات دولية. هذا إنجاز مهم في مواجهة بعض وجوه الفساد المقترن بكشف البلد أمنياً، والتراخي والاستهتار في التعامل مع التحدي الإسرائيلي. نتحدث هنا عن وقائع ملموسة ثابتة مكشوفة لا عن اتهام سياسي. تؤكد هذه الوقائع على الترابط العضوي بين السياسات المالية والاقتصادية والإدارية وبين فهم مسألة السيادة. خلال العقود الثلاثة الأخيرة وقع فصل كامل بين الإدارة الداخلية للبلد وبين مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب.
تلك المعادلة تعرّضت إلى مراجعة في العام /2000/ بعد التحرير. بدأت منذ ذاك الوقت محاولة إدماج الجنوب في المعادلة الداخلية والعودة إلى سياسة المهادنة مع إسرائيل. في هذا السياق أتى القرار 1559 فـي العام 2004 وتـداعياته. العصـب الممسك بالنظام السياسي والاقتصادي وبخيراته لا يريد أن يساهم بأية كلفة في الدفاع عن الوطن. بعد تحرير الأرض بالمقاومة والتضحيات عاد يتحدث عن «حماية المجتمع الدولي».
لم تقتصر سياسة هذا الفريق على إعلان الرغبة في ذلك وإدارة الحوار الوطني حول سياسة لبنان الدفاعية والخارجية، بل ذهب في اختيار طريق المواجهة مع سلاح المقاومة. يكرّر هذا الفريق التجارب نفسها. هو مستعد لدفع ثمن المواجهة الداخلية، وهي الأخطر، على سياسة الانخراط في المسؤولية الوطنية العامة دفاعاً عن الحدود.
«بدنا نعيش» و«ثقافة الحياة في مواجهة ثقافة الموت» هما التعبير الشعبي لكي يصير البلد مجرّد مشروع استثمار اقتصادي، لا هوية له ولا ثقافة وطنية ولا اعتبارات تتعلق بمواطنيه ومناطقه المحرمة وفئاته الشعبية المتروكة بلا ضمانات في الاقتصاد التجاري والريعي. لأكثر من سبب تستطيع هذه الخيارات أن تحظى بشعبية ما. اليمين الشعبي تعبير عن الفاشية الطائفية. لا تخدع هذه الطبقة أحداً بسياساتها الاجتماعية بل بواسطة منظومة العلاقات الطائفية. الطائفية بوصفها وسيلة لاقتطاع الخدمات والمصالح والامتيازات والرشى والفساد، والطائفية بوصفها رابطة ثقافية مشوّهة عن الإيمان الديني.
يعرف اللبنانيون حجم الفساد الهائل، ويعرفون أن السلطة هي إحدى أهم وسائل نهب مواردهم. تعاظمت الضرائب وتعاظم الدين العام من دون مقابل جدي في تطوير الخدمات. هناك سرقة موصوفة كانت تجري أمامهم، في المجالس والصناديق وصفقات الأشغال، وفوائد المصارف وأرباحها وثروات المسؤولين والمال السياسي. لكن هذه السياسة جرى تسويقها بواسطة شراء النخب الثقافية واستيعابها داخل منظومة الفساد هذه. «بدنا نعيش» هو الشعار الجذاب الذي ينطوي على خديعة، على وهم إمكان العيش المرفّه وإغراءات هذا الوهم التي يقدّمها بعض المحظيين. يمكن أن تعيش كما يعيش غيرك من المنخرطين في ثقافة النظام. النظام هنا ليس الدولة وحدها. النظام هو أحزاب الدولة ومؤسساتها وهيئات المجتمع المدني وكل ما يمكن أن يؤمّن الوظيفة بالقليل من بذل الجهد والعمل. في النظام المعولم الآن تتسع وظائف الفئات الطفيلية والهامشية. يكفي الإعلام وحده ومؤسساته المتنوعة لاستهلاك جيش من «الإعلاميين» أي من الحكواتيين وممَن يعتبرون أنفسهم مثقفي العصر الحديث.
ليست هذه المرة الأولى طبعاً التي يظهر النظام فساده ولو أنها الأكبر والأبشع. فساد مالي ارتبط أيضاً بمشاريع لا تراعي ضوابط الأمن. التعديات الأمنية هنا على أمن الوطن وعلى حرية المواطن وخصوصيته. لكن ما مصير هذه الملفات وهذه الفضائح؟ قد تجد متابعة وقد تجد حلولاً وخواتيم. وقد تنطوي مع الصفقة السياسية الكبرى وتحصل المقايضات المعروفة. لكن المؤكّد أن المعالجات الجذرية لا يمكن أن تتم من دون سياسات إصلاحية. يدمج الفريق الحاكم بين الاقتصاد والموقف الوطني. لا معنى لمعارضة لا تدمج هي أيضاً الاقتصاد بالموقف الوطني. لا معنى لمعارضة لا تقترح على البلد إصلاحات سياسية تضع قواعد لإدارة الدولة والمجتمع فيها كل الضمانات للحقوق. قد تكون الأزمة مفتوحة الآن بالتسويات الظرفية أو من دونها مؤشراً قوياً على استحالة بناء الاستقرار والثقة بين الأطراف والتكافؤ في الواجبات من دون صياغة جديدة للنظام.
هناك خطر حقيقي أن تجري التسوية على أساس اقتسام الملفات. سياسات «وطنية» تجاه الخارج، وسياسات اقتصادية داخلية لا وطنية. في الظرف الراهن للتسوية هذا المعنى بين متنازعين طائفيين لكل منهما قضيته المنفصلة عن الأخرى. غير أن هذا الاحتمال ليس إلا هدنة بين حربين مقبلتين للاستيلاء على الدولة التي لا ركائز وطنية لها بعد. إلى متى نظل في معادلة إطفاء «فضيحة الغني وجنازة الفقير»!؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018