ارشيف من :أخبار لبنانية
على من تتلو مزاميرك يا ويكيليكس؟
نصري الصايغ - صحيفة السفير
عرفنا من ويكيليكس ما كنا نعرفه، على طريقتنا.
عرفنا منه، ما جاء في وثائق مكتوبة، كنا قد عرفناها باللحم الحي.
أخبرنا، في الوجبة الاولى، من وثائقه المسرّبة، كيف انتهك العراق، وارتكبت فيه المجازر، وكنا من قبل، قد عرفنا ذلك، في سياقات المشهد العراقي الدامي، وفي معاينة الشعب العراقي، يُقاد إلى مسلخ الديموقراطية.
ثم أخبرنا، في سلسلة من الوجبات السريعة، ما كنا نعرفه على طريقتنا في لبنان. ما كنا بحاجة إلى من يدلنا. المشهد كان سافراً. جون بولتون، يُطوَّب في واشنطن، راعياً لثورة الأرز. جون بولتون يقف على يمين وزير الخارجية الاسرائيلي ليبرمان. جون بولتون يتمشى في أروقة الأمم المتحدة، بتأييد ملؤه الرجاء والتوسل الرسمي، لإصدار قرار من مجلس الأمن، يخنق أنفاس المقاومة الإسلامية في عدوان تموز.
لا جديد في ما عرفناه عن عاصمة لبنان في عوكر. فلقد رأى اللبنانيون، ما لم يأتِ على ذكره موقع ويكيليكس بعد. رأينا مائدة امتدت على عجل، كان «الراعي» جيفري فيلتمان قد أعدها، لمهندسة عدوان تموز، وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليسا رايس. لقد رأيناهم بالصورة، وسمعنا بالصوت أيضاً، ولو همساً أو تسريباً، أن أكثرية المجتمعين قد فركت أيديها فرحاً، بعد استطالة زمن الحرب، لأن حساب السلاح المقاوم، بات على قاب قوسين من التعب.
ويكيليكس، تخلّف عن مرويات عرفها اللبنانيون، بفريقيهم، ولا حاجة لإنكار، فتقبيل رايس، كان جائزة لنا، لأنها قبلت حجة الانتظار، بعدما كاد ينفد صبرها من تلكؤ بعض قيادات 14 آذار.
ولا جديد في ويكيليكس على المستوى الاقليمي: السعودية ضد ايران، بكل ما أوتيت من فعالية، براً وبحراً وجواً. والقصف السياسي، يطال ايران، حتى في لبنان، إلى أن جذب لبنان الطرفين، إلى هدنة اقتضتها عملية س. ـ س. القيصرية، بلا ولادة حتى اللحظة.
انما الجديد، جاءنا من حيث كنا لا ندري، أو لا نتوقع. ذلك أننا عندما شاهدنا «حفلة الشاي» في ثكنة مرجعيون، ظننا أن في المسألة ما دون الخيانة بقليل. واعتبرنا التبريرات التي أعطيت آنذاك، وبعد ذاك، تشوبها شبهة المعقولية المتدنية. وعليه، فقد دخلت «حفلة الشاي» في ما بعد، في قاموس الهزل الوطني، والهزل السياسي.
نعود إلى ان شيئاً ما جاءنا من حيث كنا لا نظن، وبالإمكان التأكيد كذلك، فما نقله ويكيليكس عن لقاء مع مسؤول لبناني رفيع المقام عسكرياً بزي مدني، مثير جداً، ويقع في باب ما لا تحمد عقباه وطنياً وسياسياً وإنسانياً. خاصة وأن غير المذكور أعلاه، عندما كان يتحدث، ويشرح مواقفه ويدلي بآرائه، يتوقف دهراً بعد كل كلمة.
ومعروف عنه، أن صمته أطول قامة من كلامه، وأن تحدد الكلمات التي يتلفظ بها في الدقيقة، أقل من دزينة، والمستمعون إليه يتثاءبون بعد كل جملة.
غريب، من أين جاءته هذه الطلاقة وهذا السيل من الأفكار، عندما نقل للسفيرة سيسون آراءه الخاصة عن جيش لبنان وطوائفه ومراتب الطوائف وطنياً وقيمياً، وكيفية تحييد الجيش، كي لا يقع في تجربة «حفلة شاي» في البقاع، إذا وقعت الواقعة. وكم بدا تصنيفه الطوائفي عنصريًا!
غريب أيضاً، ان تكون خريطة لبنان الجوية، ممسوحة أميركياً، بناء على استراتيجية محاربة الإرهاب، ولدينا منه الكثير، في الاعتبارات الأميركية ومن بينها المقاومة الإسلامية.
وغريب أيضاً، أن يكون مستوى التعاطي مع الأميركان درجة التحريض اللبناني على المقاومة، من قبل من كان لهم ذات عقد، باع في اعطاء دروس المنافحة عنها.
كيف يصنف اللبنانيون أفعال وارتكابات مسؤولين عنهم؟ تصنيفي حاسم وقطعي ونهائي. إنما، لا غرابة البتة، في أنه وبرغم كل هذه المعرفة الموثقة، لن يتغير شيء في لبنان، ولا في أي بلد عربي، تناوله ويكيليكس بالجرم المشهود، قولاً وفعلاً وارتكاباً، ذلك أن لدينا «جماهير» قطعانية، تتجرأ في الدفاع عن الخيانة وببسالة وبطلاقة بدرجة جدارة لا أخلاقية.
كتب الدكتور كمال صليبي كتاباً عن تاريخ لبنان، بعنوان، «بيت بمنازل كثيرة». الأصح، ان يكون «بيت بخيانات كبيرة».
الأوروبيون غضبوا، لأن أميركا أهانت مسؤوليهم، إهانات دبلوماسية. أما نحن فلا غضب ولا حزن ولا شق صدور.
لقد وصفتنا الشاعرة العراقية نازك الملائكة عندما قالت عنا، «اننا رواسب وزوائد».
إذاً، على من تتلو وثائقك يا ويكيليكس؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018