ارشيف من :أخبار لبنانية
دمشق: صديق المقاومة صديقنا وعدوُّها عدوُّنا.. أياً كان
نبيل هيثم، السفير
قبل أيام طرق رئيس الحكومة سعد الحريري مجدداً باب دمشق برسالة تودد سياسي ضمـّنها إلى جانب العواطف والمجاملات، تعهداً جدياً بالالتزام الكامل بكل ما يتفق عليه الرئيس السوري بشار الأسد والملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز، ومهما كانت تفاصيله.
وصلت الرسالة إلى دمشق عبر «بريد الأصدقاء» ودققت في مضمونها وقرأت ما بين سطورها، ولاحظت تقدماً، الا انها احتفظت لنفسها بحق الردّ في الوقت المناسب، وربما حينما تتيقـّن بالصوت والصورة من اقتران القول بالفعل.
وينقل زوار العاصمة السورية أن دمشق التي اعتادت ألا تنام على حرير النوايا والكلام الجميل، تلقت ما اعتبرتها اشارة ايجابية ومشجعة من الحريري، الا ان تلك الإشارة تكاد لا ترى أمام إشارات يطلقها «كبار» فريق «14 اذار» ممن يتمظهرون في العلن بثوب الحرص على التسوية، واما في الغرف المغلقة فيخلعونها حتى ورقة التين، متوسلين الاميركيين ممارسة اعلى درجات الضغط على المدعي العام الدولي دانيال بيلمار للتعجيل في إصدار القرار الاتهامي ضد «حزب الله».
ليس صعباً على زوار دمشق التأكد من الثوابت التي تحكم علاقة سوريا بلبنان، خصوصاً في هذه المرحلة التي يصفها مسؤول سوري بالمفصلية، ليس في ما خص لبنان فقط، بل كل المنطقة. واللافت للانتباه ان دمشق وبناء على الوقائع اللبنانية ترغب في محاولة توضيح الرؤية امام من تعتبر ان مسؤوليتهم وموقعهم ومصيرهم يحتم عليهم أن يقرأوا بوضوح، وذلك من خلال اعادة التأكيد على الآتي:
- ان دمشق لا تدخل مع لبنان في تجارة الكلام على غرار ما يفعل الآخرون، ومن هنا فهي تنبه الى ان الوقت يداهم الجميع، وهي تسعى مع السعودية لإنجاح الحل العربي، ادراكاً منهما ان لبنان دخل في اكثر لحظاته دقة وحراجة، ومع الاسف هناك في هذا البلد من لا يزال يراهن على امر يقلب الامور رأسا على عقب ويعيد عقارب الساعة الى الوراء. وما يجب ان يكون معلوماً هو ان صدور القرار الاتهامي معناه دخول لبنان في دوامة المجهول، وساعتئذ لن ينفع ندم او بكاء على اطلال.
- ان دمشق لا تريد ان يخرب لبنان ويهمها استقراره وامنه اكثر من اي وقت مضى، وهي ترى ان على اللبنانيين ان يدركوا حقيقة ان اي حريق في لبنان هو حريق في سوريا وان اي دخان في لبنان يعمي سوريا، نحن في مركب واحد والغرق ممنوع.
- ان دمشق باتت تعتبر المقاومة في لبنان خطاً أحمر اكثر من اي وقت مضى، لا تسامح من يسيء اليها او يسهل تلك الاساءة او يشارك في اذيتها مادياً او معنوياً، فصديق المقاومة صديق لدمشق وعدوها عدو لدمشق ايا كان ومهما كلف الأمر، وليس مسموحاً المس بها، ويحلم من يعتقد ان في الامكان المساومة عليها. وقد سبق ان جربوا مع سوريا وفشلوا وكانوا يومها في ذروة قوتهم وحصارهم لها.
يلمس زوار دمشق مناخاً تفاؤلياً جدياً بإمكان انبعاث قريب للدخان الأبيض على الخط السوري السعودي. ويكشف بعض العارفين انه تم تثبيت كل عناوين التسوية وتفاصيلها وبالتالي انتقلت الكرة الآن من الخط السوري السعودي الى الخط السعودي الاميركي في محاولة بالغة الجدية من المملكة لتسويق التسوية اميركياً.
وفي اعتقاد العارفين فإن دمشق تترقب ايجابيات، وقد ابلغت حلفاءها في لبنان بامكان حصول اختراق جدي قريب، لكن الخشية من التعطيل الاميركي تبقى قائمة. على ان ما يعزز مناخ التفاؤل هو ان كل الاطراف وبينهم الاميركيون متهيبون لا بل اكثر من قلقين من ردة فعل «حزب الله» بعد اتهامه، ولدى دمشق ما يؤكد ان الجميع باتوا في حاجة الى التسوية، فالرياض تبدو اكثر المتحمّسين لإنضاجها سريعاً، واما الاميركيون فيريدونها لكنهم يسعون الى تأجيلها الى ما بعد صدور القرار لعلهم يحققون بذلك مكاسب معينة، والفرنسيون يصرحون بذلك علناً وباتوا يقللون من احتمال صدور قريب للقرار الاتهامي، فيما الأتراك يحاولون مجدداً تسويق اقتراح تقدموا به لتأجيل القرار لفترة طويلة، وقد تبلغ الرئيس بشار الاسد ذلك من رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان.
وبناء على ما تقدّم فإن ما تراه دمشق ملحاً هو خطوات باتت مطلوبة من اللبنانيين بشكل عام ومن الرئيس سعد الحريري بشكل خاص، من شأنها ان تبث مناخاً تحصينياً للواقع اللبناني حتى ولو صدر القرار الاتهامي ومنها:
ـ التيقن من ان الاميركيين الذين يقودون الهجوم على «حزب الله» والدفع في اتجاه التعجيل في اصدار القرار الاتهامي لطالما يدخلون في نهاية الأمر في لعبة الاستثمار على ما قد يخدم المصلحة الاميركية فقط، والدخول في بازار المساومات معناه ان رؤوساً كثيرة سيطاح بها، وسيلقيها الاميركيون على قارعة الطريق او في سلة المهملات.
ـ اذا صدر القرار الاتهامي واتهم عناصر من «حزب الله»، ماذا يمكن ان يؤثر هذا القرار، وماذا سيفيد حتى اصحابه والمطبلون له في لبنان، هل سيخدمهم ام انه سيضعهم جميعا في موقع الدفاع عن النفس وربما اكثر من ذلك؟
ـ التفكير ملياً في ما يقال عن ان المعلومات التي سجن على اساسها الضباط الاربعة لمدة اربع سنوات بتهمة التورط في اغتيال الرئيس رفيق الحريري وتبين انها معلومات باطلة وملفقة، صادرة عن الجهة ذاتها التي زودت التحقيق الدولي بالعناصر الجرمية ضد «حزب الله» على اساس فرضية تزامن الاتصالات.
ـ اخذ العلم بأن «حزب الله» استطاع من خلال الدفاع الاستباقي على القرار الاتهامي، ان يحفر عميقاً في هذا القرار ويفرغه من محتواه، وبالتالي لم يعد عابئاً بصدوره، اذ بات لا يأخذ من مساحة اهتمام «حزب الله» سوى القليل، الذي يطلق من خلاله صرخة في اتجاه الرئيس سعد الحريري لعله يؤدي دوراً مطلوباً ان يؤديه من موقعه كرئيس للحكومة مسؤول عن كل لبنان ومعنياً بأمنه واستقراره السياسي والشعبي والامني والاجتماعي والمعيشي والمالي والمصرفي.
ـ ان يصار الى قراءة متأنية لمضمون الخطاب الاخير للسيد حسن نصرالله، والتوقف ملياً عند ما قاله لناحية الوصول الى التسوية قبل صدور القرار، ولعل الرئيس الحريري الوحيد القادر على ان يفعل شيئاً حاسماً اليوم قبل الغد، واضعف الايمان مبادرته الى موقف كبير «لأجل لبنان»، يحول دون توظيف القرار الاتهامي في الفتنة الداخلية، ولذلك فإن الحريري بلا شك امام الامتحان الحاسم، ليس لإطلاق الكلام الجميل وتوزيعه في هذا الاتجاه او ذاك، بل للنطق بالكلمة السحرية التي تفتح مغارة الحل.
ـ اخذ العلم بأن مقربين من رئيس الحكومة سألوا عن الثمن الحقيقي الذي سيجنيه الحريري فيما لو اقدم على موقف نوعي من المحكمة والقرار الاتهامي، فجاءهم «جواب مسؤول»: الثمن بسيط وهو الحكم المديد.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018