ارشيف من :أخبار لبنانية
نعم.. يمكن إلغاء "المحكمة" من طرف واحد
احمد زين، السفير
بعد الملابسات العديدة التي طرحها أداء المحكمة الخاصة بلبنان، أصبحت المراهنة عليها للوصول إلى الحقيقة والعدالة في نظر الكثيرين بمثابة اتهام بالعمل لطمس العدالة والحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ولهذا تحول النقاش اليوم إلى خيار من اثنين: ان تستمر المحكمة في أدائها أو تحل مكانها هيئة قضائية أخرى تكتسب المصداقية التي تؤهلها لتحقيق العدالة.
تتجاوز الجهات المتمسكة باستمرارية المحكمة الدولية الوثائق التي ظهرت أخيراً على طريقة «مكرهٌ أخوك لا بطل» بقولها إن المحكمة المنشأة من الأمم المتحدة هي أمر واقع لم يعد للبنان حق وقف عملها، فمجلس الأمن هو الهيئة الصالحة لذلك. والسؤال هنا هو هل يمكن لحكومة لبنان أن تسحب موافقتها على إنشاء المحكمة بصرف النظر عن «الزعبرة» التي حصلت لبنانياً لتمرير المحكمة في زمن «الحكومة البتراء»؟
بغض النظر عن أحكام الاتفاق الذي استند إليه مجلس الأمن لإنشــاء المحكــمة تبرز قضية مماثلة لقضية اليوم ويمكن اختصارها بالآتي:
صدر الدستور اللبناني في 23 أيار 1926 وجاء في نص المادة 102 منه التالي «يوضع هذا الدستور في عهدة الجمهورية الفرنسوية بصفة كونها منتدبة من لدن عصبة الأمم..» والانتداب الفرنسي، كما هو معروف، كان مفروضاً من عصبة الأمم ويمكن القول إن نشوء الدولة اللبنانية كان مرتبــطاً بصك الانتداب الذي جاء في مادته الأولى ان الدولـــة المنتدبة هي التي تضع النظام الأساسي لســـوريا ولبنان، انما بالاتفــاق مع السلــطات الوطنــية، كما نصت المادة 18 منه على ان «رضى مجلس جمعية الأمم بكل تغيير يراد إدخاله على نصوص هذا الانتداب واجب لا مندوحة عنه».
يتبين من هذه الأحكام ان هناك أحكاماً دستورية كانت تمنح الانتداب صلاحية تقريرية تجاه أي نص دستوري. ولا تتعلق هذه الصلاحية بما جاء بالمادة 102 المشار إليها سابقاً إنما بمواد أخرى، فالمادة 95 ـ دستور مثلا استندت إلى صك الانتداب بحيث لم تكن قابلة لأي تعديل من دون موافقته. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن عصبة الأمم هي بمثابة الأمم المتحدة اليوم، وبالتالي فإن ما جاء في الدستور كان مستمداً من إجراء دولي متخذ من العصبة أوكلت للانتداب الفرنسي تنفيذه، وبذلك يكون هذا الدستور مشابهاً لما يسمى اليوم «محكمة دولية» لجهة ارتباطه بالأمم المتحدة، مع فارق ان صك الانتداب جاء كشرط لقيام كيانية الدولة بينما المحكمة، وبصرف النظر عن قانونية إنشائها، جاءت في ظل وجود دولة وبالتالي فإن العبث بما يمليه صك الانتداب على اللبنانيين كان من الخطورة التي لا يمكن ان تنتج من العبث بقانونية المحكمة... ولكن ماذا جرى؟
كانت حكومة رياض الصلح الأولى قد تعهدت في بيانها الوزاري بالمبادرة لإصلاح الدستور وتحريره من القيود. ووفاءً بهذا الوعد قدمت الحكومة مشروعاً الى مجلس النواب يقضي بتعديل المواد المتعلقة بالانتداب لجهة إلغائها فأقره المجلس بعد أيام معدودة.
إن هذه المبادرة الوطنية التي أدت إلى اعتقال رجال الاستقلال في قلعة راشيا كانت قد لقيت تحذيرات متكررة من سلطة الانتداب، ومنها البيان الذي أصدرته لجنة التحرير الوطني الفرنسية في الجزائر في الخامس من تشرين الثاني سنة 1943 وجاء فيه: «درست لجنة التحرير الوطني الفرنسية معرفة ما إذا كان يصح ان تنفرد الحكومة اللبنانية ومجلس النواب اللبناني في تعديل الدستور اللبناني، وبما انه ليس من الممكن تحوير نصوص ناجمة عن موجبات دولية تعهدت بها فرنسا، وهي لا تزال نافذة، إلا بموافقة ممثل فرنسا، فقد توصلت لجنة التحــرير الوطــني الفرنسية إلى الاستنتاج بأن السلطــات الفرنسية لا يمكنها الاعتراف بصحة أي تعديل يجري بدون هذه الموافقة». وبالفعل أنزل الفرنسيــون قواتهم إلى الشوارع في 11 تشــرين للقبــض على أعضاء الحكومة ورئيــس الجمهــورية وإسقاط قانون تعديل الدستور بتحرير نصوصه من الانتداب الذي كان مشرعاً من عصبة الأمم.
من هذه السابقة التي تعكس إرادة وطنية شجاعة يتضح أن مطالبة لبنان بإلغاء «المحكمة الخاصة» ليست مستغربة لا بل يمكن اعتبارها قانونية استناداً إلى إمكان الأخذ بالسوابق. فالهيئة الدولية هي ذاتها وقوة نصوص صك الانتداب قد تكون أقوى من نصوص المحكمة، ومع ذلك اتخذت حكومة لبنان ومجلسه ورئيس جمهوريته إجراء إلغاء الانتداب ولم تستطع عساكر «الأم الحنون» إجهاض الإجراء الذي كانت تتطلبه المصلحة الوطنية، فهل تتكرر السابقة يا ترى أم انه سيكون من الصعب ان يأتي رجال كالذين ذهبوا؟
إنه الامتحان الذي يجريه الوطن لحكامه اليوم!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018