ارشيف من :أخبار لبنانية

«أسبوع صعب» تُحسم فيه الخيارات.. ومصير التسوية

«أسبوع صعب» تُحسم فيه الخيارات.. ومصير التسوية
خضر طالب - "السفير"

ما الذي ينتظره رئيس الحكومة سعد الحريري للقيام بمبادرته الإنقاذية؟
منطلق السؤال هو أن الحريري «وافق» مبدئياً على القيام بمبادرة محددة تؤدي إلى سحب فتيل الأزمة المعقّدة التي تخنق الوضع في لبنان، في ضوء الانتظار المحموم لصدور القرار الاتهامي عن المدعي العام في المحكمة الدولية القاضي دانيال بيلمار. وهو افتراض كانت معطياته تتسرّب تكراراً كلما تقدّم الحديث عن مشروع التفاهم السوري ـ السعودي لوضع تسوية للأزمة في لبنان، فضلاً عن أن الرئيس الحريري نفسه أوحى أكثر من مرة باستعداده للسير في «كل الخطوات التي من شأنها أن تحمي لبنان».

لكن التوقيت الذي حدّده رئيس الحكومة لخطوته لا يزال في غياهب حسابات الحريري نفسه، كما أنه يرتبط بـ«توقيت مكّة المكرّمة» وما أنجزته في النقاش مع دمشق، وهذا ما يزيد من الضغوط على الواقع اللبناني الذي أصيب بالشلل شبه التام على كل المستويات.
«قبل القرار الاتهامي أم بعده؟» ذلك السؤال الذي ما زال خاضعاً لدراسة معمقة من الرئيس الحريري، وكذلك من دمشق والرياض، لأن موعد طرح المبادرة مرهون حتماً بما توصلت إليه العاصمتان من تفاهم بدأ يحظى بمظلّة واسعة من الرعاية الدولية التي تتمدّد بفعل الجهد السعودي مع عدد من الدول التي ترتبط معها بعلاقات طيبة، وكذلك الجهد السوري مع الدول التي تحاول تبادل أوراق المصالح في المنطقة مع دمشق... مثل تركيا وفرنسا.

ومع استمرار الضباب مخيماً على الموعد الذي قد يكون اختاره الرئيس الحريري لطرح مبادرته، ثمة من يعتقد أن رئيس الحكومة اتخذ القرار فعلاً بتأجيل موعد مبادرته إلى ما بعد صدور القرار الاتهامي، لأنه بذلك يكون قد حقق ما يريده فعلاً بكشف «حقيقة» من اغتال والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وإن كان بعد ذلك سيبدأ حملة «الطعن» بهذه «الحقيقة» والبراءة من مضمون القرار الاتهامي، وهو يعرف مسبقاً أن مهمته لن تكون سهلة، لكنه يعتقد أن «الآخرين» سيجدون أنفسهم مجبرين على مؤازرته لإسقاط المفاعيل الوطنية للقرار الاتهامي بعد أن يكون قد أصبح قناعة لدى الرأي العام اللبناني.

يعتقد الحريري أن «التنازل» قبل القرار الاتهامي سيؤدي إلى إصابته بأضرار جسيمة في الشارع اللبناني، وتحديداً في أوساط جمهوره الذي زحف مراراً لتدعيم «محدلة» المحكمة الدولية، وهو لذلك يرغب في أن تكون خطوته الأولى في سياق مبادرة قائمة على فكرة «التضحية» التي يقدّمها من أجل حفظ الاستقرار الوطني متنازلاً عن الحق الشخصي لهذه الغاية النبيلة، وتاركاً للجمهور اللبناني «الحق العام»، على أن يقوم هذا الجمهور بـ«الثأر» من «قتلة» الرئيس الشهيد رفيق الحريري من خلال «نبذهم» وتطويقهم.
 
لكن سعد الحريري يدرك أن هذه الحسابات الذاتية لا تستقيم مع حسابات المصالح للدول المشاركة في تأمين الغطاء للتسوية السورية ـ السعودية، وهي حسابات تتضارب حتماً مع حيثيات النقاش بين الرياض ودمشق، خصوصاً ان هذا النقاش طال نقاطاً تفصيلية تتعلّق بما بعد إبرام التسوية ومستقبل العلاقة بين لبنان وسوريا، وكذلك على مستوى علاقة دمشق بالحريري نفسه، وما ستؤمنه هذه العلاقة من ضمانات لمستقبل الحريري السياسي في لبنان وطريقة حمايته من تداعيات الخطوات الإنقاذية التي يزمع القيام بها.
 
ومن هنا يدخل النقاش إلى الإجابة عن السؤال الذي ينتظر موعد خطوة الحريري، فما هو الفارق بين «ما قبل» و«ما بعد» صدور القرار الاتهامي؟
الواضح أن هذا السؤال لم يحظَ بشرح تفصيلي علني نظراً لحساسية الإجابة عنه، لكن بعض الاجتهادات غير المتّصلة بالمساعي الجارية وضعت جدول مقارنة يبين الأرباح والخسائر في خطوة «ما قبل» أو «ما بعد». وخلصت المقارنة المبسطة إلى الآتي:
«ما قبل» تعني أن الحريري سيتمكن من «بيع» موقف بـ«سعر مرتفع»، في حين أن «حزب الله» الذي يبدي رغبة علنية في استباق القرار الاتهامي سيكون في موقع «صاحب الحاجة». لكن الحريري يتوجّس من أن يكون هذا التوقيت «قشرة الموز» التي يدوس عليها بإرادته، كمن يشتري «السمك في البحر»، وهو لذلك ينتظر الضمانات التي ستحصل عليها السعودية من سوريا أصالة.. وبالوكالة عن «حزب الله». وهي ضمانات تتعلّق بالمستقبل السياسي للحريري وطريقة إدارة السلطة وتقاسم الأدوار فيها، والتي قد تكون على غرار تجربة الرئيس الشهيد رفيق الحريري بتقاسم ملفات الأمن والسياسة الخارجية والاقتصاد. وما يمكن أن يحصل عليه الحريري في توقيت «ما قبل» سيؤمن له مرحلة طويلة من الاستقرار في رئاسة الحكومة التي تضمن له أيضاً استقراراً في الحضور السياسي القوي والشراكة الرئيسة في المعادلة اللبنانية.
 
أما «ما بعد» فتعني أن الحريري يكون قد حقق مبتغاه الشخصي، وانتقل من موقع دفاعي في مواجهة هجوم «حزب الله» على المحكمة الدولية إلى موقع مريح سياسياً، لافتراضه أن «حزب الله» سيكون منشغلاً بالدفاع عن نفسه في مواجهة القرار الاتهامي وتداعياته عليه، بحيث يتمكن الحريري من التصرف في هذا التوقيت بحرية وبمبادرة شخصية من دون ضغوط تفرض عليه القيام بخطوة لا يستسيغها ويعرف أنها ستؤدي إلى ضرر كبير بصورته أمام جمهوره، فضلاً عن عدم موافقة العائلة على أي خطوة من هذا النوع لأنها معنية أيضاً بـ«ولاية الدم»، وإن كان سعد الحريري هو الذي يحمل عبء هذه الولاية. لكن «ما بعد» تعني أيضاً أن «حزب الله» وسوريا لن يكونا على استعداد لتقديم ثمن كبير للحريري على غرار ما يمكن أن يقدماه قبل صدور القرار، على اعتبار أن لملمة تداعيات القرار الاتهامي ستكون على أكتاف «حزب الله» الذي سيحمل وحده أثقال وتبعات ما يتضمنه من اتهامات باتت مؤشراتها واضحة بعد أن فقد التحقيق الدولي «عذريته» وسريته المفترضة بالتسريبات المتتالية عن فحواه وبالحملة السياسية التي قادها «حزب الله» وأدت الى تهشيم القرار، فلماذا يحتاج «حزب الله» إلى تقديم أثمان كبيرة لقاء مبادرة متأخرة من رئيس الحكومة بعد أن يكون قد «وقع الفأس في الرأس؟».

و«ما بعد» تفقد الحريري «الضمانات» التي يحتاجها على المدى الطويل لدوره في التركيبة السياسية اللبنانية، وكذلك على مستوى موقعه في تركيبة السلطة، وإن كان وجوده ضرورياً في مرحلة ما بعد صدور القرار الاتهامي للمساهمة في ربط «الصواعق» التي سيخلّفها القرار.
متى يُقدم سعد الحريري على مبادرته؟ وكيف يقرأ حسابات التوقيت؟ وأين يجد نفسه قد حقق أعلى سقف من أسهم الربح، أو خاسراً بأقل ما أمكن من الخسائر؟
تلك أسئلة ما زال سعد الحريري يدرسها بعناية، لكنه يبدو أنه ينتظر أن تأخذ الأمور مجراها الطبيعي على وقع التفاهم السوري ـ السعودي وما سيقرره. أو أنه اختار التوقيت في المحطة الفاصلة بين تقديم بيلمار القرار الاتهامي إلى قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين، فيوازن بذلك في عبء الاختيار بما أُلقي عليه من تناقض بين أثقال الدم وطموحات الحكم. وقد يكون الأسبوع الحالي فاصلاً في تحديد الخيارات، ومصير التسوية.. هو أسبوع صعب تكهّن به قطب سياسي كبير يملك من المعطيات ما يكفي للتنبؤ بأن أوان الحسم بات قريباً... وقريبا جدا..


2010-12-07