ارشيف من :أخبار لبنانية

خريطة الطريق القانونية لوقف نفاذ أعمال المحكمة الدولية الخاصة بلبنان درءاً للفتنة(1)

خريطة الطريق القانونية لوقف نفاذ أعمال المحكمة الدولية الخاصة بلبنان درءاً للفتنة(1)

عدنان عضوم ـ "السفير"

حصلت مؤخراً خلافات حادّة بين الأفرقاء والشركاء في المؤسسات الدستورية اللبنانية كما بين أفراد المجتمع حول عدم شرعية، وعدم دستورية، وعدم صدقية المحكمة الخاصة بلبنان، وإمكانية استغلالها سياسياً من الدول الكبرى للنيل من بعض الأفرقاء والأحزاب السياسية، ما قد يسبب فتنة أهلية تهدّد الأمن القومي الداخلي، ويمكن أن تمتد خارجياً الى الدول المجاورة، الأمر الذي يستوجب ايجاد حلول قانونية تؤدي الى اتخاذ قرار بموجب الفصل السابع بتعليق نفاذ القرار 1757/2007 من قبل مجلس الأمن، والعودة الى تطبيق القرار 1664/2006، وتعليق نفاذ الاتفاق الثنائي لإنشاء المحكمة الخاصة بلبنان وأعمالها، لحين اتمام الاجراءات الدستورية اللازمة لإبرام الاتفاق الثنائي المذكور وفقاً للأصول، وإجراء التعديلات الدستورية وسنّ القوانين اللازمة، وتعديل بعض بنود الاتفاق لتصبح متلائمة مع القوانين اللبنانية، ومبادئ العدالة الجنائية الدولية، واستئخار النظر في دعوى جريمة اغتيال الرئيس الحريري ووقف أعمال هذه المحكمة لحين البتّ بدعوى جرائم شهادة الزور والافتراء.
وسنعرض في ما يلي الأسباب القانونية الموجبة لهذه الحلول:
I- الأسباب القانونية التي تبرِّر تعليق نفاذ القرار 1757/2007 وبالتالي وقف عمل المحكمة الخاصة بلبنان والتأكيد على تطبيق القرار 1664/2006
-1- بتاريخ 13 كانون الأول 2005 وجَّه رئيس الوزراء اللبناني آنذاك السيد فؤاد السنيورة رسالة الى الأمين العام للأمم المتحدة، يطلب فيها انشاء محكمة ذات طابع دولي لمحاكمة المسؤولين عن الجريمة الارهابية التي أودت بحياة الرئيس الحريري ورفاقه، وبناءً عليها، أصدر مجلس الأمن بتاريخ 29 آذار 2006 القرار الرقم 1664/2006 وافق بموجبه على طلب الحكومة اللبنانية انشاء هذه المحكمة، وكلف الأمين العام للتفاوض مع هذه الأخيرة على اتفاق لإنشاء محكمة ذات طابع دولي، استناداً الى أعلى المعايير الدولية في مجال العدل الجنائي، وذلك وفقاً للتوصيات الواردة في تقرير الأمين العام S/2006/176 والآراء التي أعرب عنها أعضاء مجلس الأمن.

وقد تم اختيار المحكمة ذات الطابع الدولي، أي المختلطة، وليس المحكمة الجنائية الدولية المحضة، التي سبق لمجلس الأمن أن أنشأها تحت الفصل السابع في بعض البلدان، للأسباب التالية:

ألف ـ كانت الظروف الداخلية اللبنانية تختلف عن الظروف الوطنية التي رافقت انشاء محاكم جنائية دولية محضة في يوغوسلافيا سابقاً ورواندا، اذ ان هذه المحاكم أنشئت نتيجة الاقتتال والحرب في الدول المعنية، حيث انهارت وتفككت السلطة الوطنية بكافة مكوناتها السياسية والإدارية والأمنية والقضائية، في حين أن الوضع الداخلي في لبنان كان مختلفاً، بحيث كانت أجهزة الدولة الأمنية والسياسية والقضائية تمارس مهامها على أكمل وجه، وقد أقرّ بذلك مجلس الأمن الدولي في جميع القرارات التي أصدرها في تلك الفترة والمتعلقة بأعمال لجنة التحقيق الدولية المستقلة في قضية اغتيال الرئيس الحريري، وكما بتلك المتعلقة بإنشاء المحكمة ذات الطابع الدولي، الا أن الحكومة اللبنانية آنذاك المؤتمنة على السيادة الوطنية وبدون حق، أبدت عجزها عن محاكمة المسؤولين عن هذه الجريمة من قبل قضاتها الوطنيين.
باء ـ من جهة ثانية، أنشئت المحاكم الدولية الجنائية المحضة سابقاً تحت الفصل السابع لمحاكمة مرتكبي الجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب والإبادة، الخ.... التي تشكل انتهاكاً خطيراً وواسعاً للقانون الانساني الدولي وتهدِّد السلم والأمن الدوليين. أما جريمة اغتيال الرئيس الحريري، فهي جريمة ارهابية وطنية محلية، كما وصفها مجلس الأمن، ومعاقب عليها في قانون العقوبات الوطني اللبناني، وليست جريمة ضد الانسانية ولا تهدد السلم والأمن الدوليين.
وتقتضي الملاحظة أن المحكمة الجنائية الدولية المنشأة تحت الفصل السابع، هي هيئة فرعية تابعة للأمم المتحدة ويتم تمويلها من ميزانية الأمم المتحدة، في حين أن المحكمة ذات الطابع الدولي لها الشخصية القانونية المستقلة عن مجلس الأمن، ويتم تمويلها من قبل الدولة اللبنانية والدول المانحة، وإن تعيين القضاة والموظفين وحصانتهم يخضعان لأحكام قانونية مختلفة بالنسبة لكل من هذين النوعين من المحاكم.

-2- بسبب الخلافات السياسية التي حصلت داخل المؤسسات الدستورية في تلك الفترة، فإن الحكومة اللبنانية. فاقدة الشرعية والميثاقية آنذاك، نتيجة استقالة ستة وزراء، خمسة منهم يمثلون الطائفة الشيعية والوزير الأرثوذكسي، لم تتبع الأصول الدستورية المنصوص عليها في المادة 52 من الدستور اللبناني لإبرام المعاهدات الدولية، وارتكبت عمداً المخالفات الدستورية، واحدة تلو الأخرى، في مرحلة التفاوض وإبرام الاتفاق الثنائي المذكور. الا أن مجلس الأمن بعد الاطلاع ومناقشة كافة وثائق ملف الاتفاق الثنائي والذي تضمن ملاحظات رئيس الجمهورية حول هذه المخالفات الدستورية طلب من الأمين العام انجاز الخطوات النهائية لعقد الاتفاق مع الحكومة اللبنانية طبقاً للدستور اللبناني. أما الحكومة اللبنانية فقد تابعت ارتكاب المخالفات الدستورية، ووقَّعت الاتفاق بالانفراد، واعتبرته مبرماً، رغم عدم توقيع رئيس الجمهورية عليه وعدم موافقة مجلس النواب على ابرامه، بموجب قانون وفقاً للأصول الدستورية، ورفع رئيسها الأستاذ فؤاد السنيورة الى الأمين العام كتاباً يعلمه أن الأغلبية النيابية أعربت عن تأييدها للمحكمة وطلب من مجلس الأمن انشاء المحكمة على سبيل الاستعجال.
بناءً على ذلك، عدَّل مجلس الأمن المسار القانوني الذي كان قد اعتمده في القرار 1664/2006، وهو انشاء محكمة مختلطة بموجب اتفاق ثنائي يعقد بين الأمم المتحدة ولبنان، وأصدر بتاريخ 31/5/2007 القرار 1757/2007 بموجب الفصل السابع، بحيث قرر وضع الاتفاقية الثنائية الموقعة من الحكومة اللبنانية بالانفراد وخلافاً للأصول الدستورية موضع التنفيذ.

سنبيِّن في ما يلي أن القرار 1757/2007 خالف ميثاق الأمم المتحدة والقوانين والأعراف الدولية والدستور اللبناني:
ألف ـ ان مجلس الأمن الدولي يتمتع بصلاحية استنسابية في التقدير Compétence de Qualification Discrétionnaire. لتقرير ما اذا كانت الحالة التي يعالجها تشكل تهديداً للسلم وإخلالاً به تطبيقاً للمادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة التالي نصّها:
«يقرر مجلس الأمن ما اذا كان قد وقع تهديد للسلم أو اخلال به، أو كان وقع عمل عدواني، ويقدم في ذلك توصياته، أو يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير، طبقاً لأحكام المادتين 41 و42 لحفظ السلم والأمن الدوليين أو اعادته الى نصابه»
ولا توجد حدود قانونية معينة لهذه السلطة. وإن الحدود الوحيدة هي الحدود السياسية، وهي موافقة الدول الخمس الدائمة العضوية. واعتبر بعض القانونيين الدوليين أن عدداً من قرارات مجلس الأمن لجهة تقدير حالة ما بأنها تهديد للسلم، حملت في طيِّها اساءة لإستعمال السلطة المعطاة لهذا المجلس «Qualifications abusives» وقد وصفت هذا الأمر بأنه «انحراف سياسي» «Dérive politique» وليس قانونيا، عندما لا يلتزم مجلس الأمن بأهداف وغايات ميثاق الأمم المتحدة في ممارسته مهمته، المتمثلة أساساً في الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين بشكل صحيح وحيادي.

فهل قام مجلس الأمن بممارسة هذه المهام بشكل صحيح وحيادي في موضوع انشاء المحكمة الخاصة بلبنان تحت الفصل السابع؟
لقد سبق وبيَّنا أعلاه أن مجلس الأمن قرر في قراره 1664/2006 انشاء محكمة ذات طابع دولي بموجب اتفاق ثنائي بين الأمم المتحدة ولبنان لمحاكمة المسؤولين عن جريمة اغتيال الرئيس الحريري، دون اعتبار أن هذه الجريمة الارهابية والآثار المترتبة عليها تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، لأنه بالفعل، لم يكن في لبنان حرب أهلية أو اقتتال دموي، وكانت أجهزة الدولة تعمل بصورة طبيعية، ولم يحصل انتهاك للقانون الانساني الدولي. بعد صدور هذا القرار بدأت المفاوضات والإجراءات اللازمة لوضع الاتفاق وإبرامه وفقاً للأصول الدستورية اللبنانية، الا أنه بسبب وجود خلافات داخلية سياسية بين الأفرقاء والشركاء في المؤسسات الدستورية، وعدم التمكن من الاسراع في انجاز الأصول الدستورية، تدخل مجلس الأمن في قراره 1757/2007 وانحاز لطلب أحد الفرقاء السياسيين، وذلك دون أن يحصل أي تغيير في الوضع الداخلي في أجهزة الدولة، أو على صعيد السلم الأهلي. وقرر انشاء المحكمة بموجب الفصل السابع معتبراً أن جريمة اغتيال الرئيس الحريري تهدد السلم والأمن الدوليين. وقد أبدى مندوبو بعض الدول الأعضاء في مجلس الأمن في مداخلاتهم أثناء جلسة المناقشات التي صدر بنتيجتها القرار المذكور تخوفهم من آثار هذا القرار على الوضع اللبناني وعلى سبيل المثال: قال مندوب الصين: «ان اللبنانيين منقسمون حول هذا الشأن فلماذا لا نقلق على مضاعفات قرار كهذا». أما المندوب الروسي فرأى «أن القرار غير متوازن» وحذّر من عواقبه على المنطقة بكاملها مشيراً الى أن هذا القرار «ينال من سيادة لبنان»، وموضحاً أن الفصل السابع استخدم في محكمتي يوغوسلافيا ورواندا حيث كانت هناك مذابح في مستوى مجازر عالمية و«هذا لا ينطبق على الوضع في لبنان».

وقال ان «المجلس تجاهل رسالة الرئيس اميل لحود واعتمد رسالة الرئيس فؤاد السنيورة وعليه فإن القرار منحاز». كما أن المندوب القطري قال ان «القرار خَرق قانوني ويمكن أن يعقِّد الأمور في دولة بحاجة ماسة الى تماسك في هذا الظرف، وإن اعتماد المحكمة بموجب الفصل السابع يخالف الهدف الحقيقي من المحكمة ولن يؤمن الفصل السابع الاستقرار في هذه الدولة». وقال مندوب جنوب افريقيا ان «هناك اجماعاً على ضرورة العدالة وإقامة محكمة عادلة من أعلى المواصفات، لكن لا يجوز فرض المحكمة بموجب الفصل السابع ولا يحق للمجلس تجاهل الدستور اللبناني ووحدة لبنان». وأضاف انه لا يجوز للمجلس أخذ موقف من النزاع الداخلي اللبناني وهذا الموقف يؤثر سلباً على استقرار لبنان ويتعارض مع ركائز القانون الدولي».
بناءً عليه، ان ممارسة مجلس الأمن لمهامه المنصوص عليها في المادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة في الحفاظ على السلم والأمن الدولي بإصداره القرار 1757/2007، يشكل اساءة لاستعمال هذه السلطة وانحرافاً سياسياً. وقد سبَّب هذا القرار وضعاً خطيراً في لبنان تماماً كما حذَّر منه مندوبو الدول الأعضاء في مجلس الأمن، وذلك نتيجة الخلافات الحاصلة حالياً في لبنان بين الأفرقاء الشركاء في المؤسسات الدستوية، التي امتدَّت الى كافة أفراد الشعب، حول عدم شرعية وعدم دستورية الاتفاق لإنشاء المحكمة الخاصة، وأعمال هذه المحكمة، لا سيما مكتب المدعي العام. وقد تشعل هذه الخلافات فتنة مذهبية وحرباً أهلية داخلية يمكن أن تتطور وتمتد الى دول مجاورة فيكون مجلس الأمن بقراره 1757/2007 الذي انحرف سياسياً وأنشأ المحكمة بموجب الفصل السابع بدون تحقق عنصر التهديد للسلم والأمن الدوليين بشكل صحيح وحيادي، أنشأ وضعاً يشكلّ تهديداً حقيقياً للسلم والأمن الدوليين، الأمر الذي يستلزم على مجلس الأمن حالاً وبصورة مستعجلة، اصدار قرار بموجب الفصل السابع، بتعليق نفاذ القرار 1757/2007 والتأكيد على التمسك بالقرار 1664/2006.

باء ـ ان مجلس الأمن في قراره 1757/2007 تدخل في شؤون لبنان الداخلية وانحاز الى بعض الفرقاء السياسيين الممثلين في الحكومة اللبنانية الفاقدة الشرعية والميثاقية، واعتبر أن الاتفاق الثنائي أبرم بتوقيع هذه الحكومة، رغم علمه أن هذا الأمر مخالف للأصول الدستورية اللبنانية الواجب اتباعها لإبرام المعاهدات الدولية، ويكون بالتالي قد انتهك ميثاق الأمم المتحدة، لا سيما الفقرة السابعة من المادة الثانية، والقوانين والأعراف الدولية التي نصَّت على وجوب احترام سيادة الدول الأعضاء ودساتيرها وعدم التدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما.
جيم ـ ان عدم دستورية ابرام الاتفاق الثنائي يعني وجود عيب في ركن من أركان هذا الاتفاق وفقاً للمبادئ القانونية العامة التي ترعى مصادر الالتزام، الأمر الذي يؤدي الى بطلان الاتفاق وانعدامه «Inexistence» فيكون القرار 1757/2007 الذي وضع هذا الاتفاق موضع التنفيذ قد استند الى اتفاق باطل ومنعدم الوجود، كما أنه خالف المبادئ القانونية العامة.
دال ـ ان غالبية الفقه والاجتهاد في القانون الدولي تعتبر أن عدم اتباع الاجراءات الدستورية في التصديق على المعاهدة الدولية يؤدي الى بطلانها قانوناً، وتستند الى مبدأ الاختصاص الذي يقضي بعدم تولّد أي أثر قانوني، الا من العمل الذي يقوم به المختص بإجرائه. وهذا المبدأ منصوص عنه في الدساتير الدولية وبالطبع في الدستور اللبناني، كما أنه استناداً الى المادة 46 من اتفاقية فيينا للعام 1969 حول المعاهدات التي نصَّت، على أنه اذا وافقت دولة على عقد معاهدة دولية خلافاً لقانونها الداخلي من قبل سلطة غير صالحة لإعطاء الموافقة، لا يحق لهذه الدولة التذرع بهذه المخالفة، الا اذا كانت فاضحة أو تتعلق بقاعدة أساسية من قواعد قانونها الداخلي. ان المخالفة المرتكبة من الحكومة اللبنانية الفاقدة للشرعية لجهة توقيع الاتفاق بالانفراد خلافاً للأصول الدستورية، وتجاوزاً لاختصاصها، تبرر عدم التزام الدولة اللبنانية بهذا الاتفاق، كما أن الدولة اللبنانية لم تتنازل عن حقها بإلغاء هذا الاتفاق أو تعليق نفاذه والمعطى لها بموجب المادة 45 من اتفاقية فييّنا المذكورة، لأن أي سبب من أسباب هذا التنازل المنصوص عنها في هذه المادة غير متوافرة في الحالة الحاضرة. ويكون القرار 1757/2007 قد ألزم الدولة اللبنانية باتفاق لم توافق عليه أصولاً السلطة المختصة بذلك.

لذلك، فإن مجلس الأمن قد التفّ مداورة على ميثاق الأمم المتحدة وارتكب انحرافاً سياسياً بعدم التزامه بأهداف وغايات هذا الميثاق، وأنشأ بقراره رقم 1757/2007 محكمة ذات طابع دولي مختلطة، تحت الفصل السابع، والتي كان يجب أن تكون وفق منطقه والمبادئ القانونية والعملية السابق ذكرها، محكمة دولية صرفة، تختلف مبادئ انشائها ونتائجها عن المحكمة ذات الطابع الدولي، ما يجعل هذه المحكمة محكمة هجينة وفريدة في نوعها في تاريخ المحاكم الدولية، تخلق التباساً حول المبادئء الواجب اتباعها عند انشائها والنتائج القانونية والسياسية التي تترتب على أعمالها.
بناءً عليه، وفي ظلّ الخلافات الحادة التي تضرب المجتمع السياسي والشعبي حالياً في لبنان، وأمام انقسام الرأي العام اللبناني حول مدى شرعية ودستورية وصدقية واستقلالية المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بكافة هيئاتها، لا سيما مكتب المدعي العام الدولي، وأمام الخوف السائد من أن تُستغل أعمال هذه المحكمة وقراراتها من قبل بعض الدول الاقليمية والعالمية، ومن أفرقاء في الداخل اللبناني لتحقيق أهداف سياسية وأمنية بعيدة كل البعد عن فكرة تحقيق العدالة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ومنعاً من المسّ بالسلم الأهلي اللبناني ودرءاً للفتنة، وعدم اتاحة الفرص لبعض الدول المهيمنة على مجلس الأمن من استغلال هذه الخلافات للنفاذ الى نسيج المجتمع اللبناني والطبيعة الخاصة لتركيبته المستندة الى فكرة توازن طوائفه ومصالحها للاصطياد في المياه العكرة، وتكريس واقع الشرخ الذي أصاب هذا المجتمع الطوائفي نتيجة جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وملابساتها عن طريق التمسك بالمحكمة الخاصة بلبنان، رغم كل الأخطار التي تهدد الاستقرار والأمن القومي اللبناني،
فإننا نرى من حق وواجب الحكومة اللبنانية ومنعاً لتهديد السلم والأمن الدوليين، كما بيَّنا أعلاه، الطلب من مجلس الأمن استصدار قرار جديد تحت الفصل السابع، يلغي مفاعيل القرار 1757/2007 ويعلق نفاذ الاتفاق الثنائي لما يعتريه من شوائب قانونية ودستورية، وبالتالي تعليق أعمال المحكمة الخاصة بلبنان، والتأكيد على تطبيق القرار 1664/2006 الذي على أساسه وضع الاتفاق الثنائي بين لبنان والأمم المتحدة لإنشاء هذه المحكمة والواجب ابرامه وفقاً للأصول الدستورية.

كما تقتضي الملاحظة أن الدولة اللبنانية غير ملزمة بالقرار 1757/2007، احتراماً لدستورها الذي ينص على وجوب الالتزام بمواثيق الأمم المتحدة لأن هذا القرار انتهك ميثاق الأمم المتحدة، لا سيما المادة 39 منه، والدستور اللبناني، لا سيما المادتين 20 و 52 منه، ومبدأ السيادة الوطنية ومبادئ القانون الدولي والأعراف الدولية، ويبقى لبنان ملزماً فقط بالقرار 1664/2006 المذكور أعلاه.
II- تعليق عمل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لحين اتمام النواقص التي نصَّت عليها أحكام الاتفاق الثنائي بين لبنان والأمم المتحدة كشرط لبدء سريان عملها
بصرف النظر عن كون الاتفاق الثنائي لإنشاء المحكمة الخاصة بلبنان الذي اعتمد من قبل مجلس الأمن الدولي أساساً للقرار 1757/2007 باطلاً لأنه لم يُراعَ في وضعه وإبرامه الأصول الدستورية المنصوص عليها في المادة 52 من الدستور اللبناني، الا أنه أصبح قائماً كأمر واقع «De Facto» وإن أحكام هذا الاتفاق، وضميمته هي الأحكام التي ترعى حالياً أصول عمل هذه المحكمة، وتبقى شرعة المتقاعدين رغم وضع هذا الاتفاق موضع التنفيذ بموجب الفصل السابع.

نصت الفقرة الأولى من المادة التاسعة عشرة من الاتفاق المذكور أنه يبدأ نفاذ هذا الاتفاق في اليوم التالي لإخطار الحكومة الأمم المتحدة خطياً باكتمال الشروط القانونية لبدء النفاذ. الا أن هذه الشروط القانونية لم تكتمل كما سنبيِّن في ما يلي:
1- وجوب توقيع هذا الاتفاق وإبرامه من قبل الدولة اللبنانية وفقاً لأحكام المادة 52 من الدستور اللبناني. وهذا الأمر لم يحصل كون الحكومة اللبنانية الفاقدة للشرعية والميثاقية آنذاك وقعت بالانفراد هذا الاتفاق كما سبق وبيَّنا أعلاه.
2- وجوب تعديل بعض أحكام الدستور وسنّ قوانين وطنية تتلاءم مع أحكام الاتفاق ونظام المحكمة التي تضمَّنت بنوداً تتعارض مع أحكام الدستور اللبناني في المواضيع التالية:
- ان انشاء المحكمة الدولية الخاصة سيولي السلطة القضائية لمحكمة غير لبنانية، وهذا يمس بالسيادة الوطنية ويتعارض مع المادة 20 من الدستور اللبناني، التي تنص على أن السلطة القضائية تتولاها المحاكم على اختلاف درجاتها واختصاصها ضمن نظام يضعه القانون، ويحفظ بموجبه للقضاة والمتقاضين الضمانات اللازمة، وانه لا الحكومة اللبنانية ولا مجلس النواب في ظل النصوص الدستورية القائمة، يملكان القرار بالفرض على السلطة القضائية التنازل عن اختصاصها في القضايا المنظورة أمامها عملاً بمبدأ فصل السلطات، ما يستوجب تعديل الدستور لإيلاء السلطة القضائية لمحكمة غير لبنانية، أي المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
- انه بموجب المعايير الجنائية الدولية، وبنود النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان لا يقبل العفو العام والعفو الخاص وتخفيف العقوبة لدى هذه المحكمة، في حين أن لرئيس الجمهورية وفقاً للدستور حق منح العفو الخاص وتخفيف العقوبة، كما لمجلس النواب حق تشريع قانون عفو عام، وإن الغاء هذا الحق الدستوري بموجب الاتفاقية الثنائية يتعارض مع أحكام الدستور، ما يستوجب تعديل الدستور لهذه الجهة.
وإن تعهد الحكومة اللبنانية الوارد في الاتفاق والنظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان بعدم اصدار عفو عام، هو مخالف لأحكام الدستور، وبالتالي باطل، لأن هذه الحكومة ليس لها وفقاً لأحكام الدستور أي سلطة دستورية بإصدار عفو عام بالانفراد لكون هذا الأمر يستلزم صدور قانون عن مجلس النواب.
- ان المعايير الجنائية الدولية المكرسة في النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان ترفض تطبيق عقوبة الاعدام، ما يؤدي الى استفادة الذين يحاكمون أمام هذه المحكمة بعدم التعرض لهذه العقوبة دون غيرهم، من الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم مماثلة، والذين يحاكمون لدى القضاء اللبناني، وهذا يشكل مخالفة لمبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والموجبات المنصوص عنه في المادة السابعة من الدستور، ما يستوجب سنّ قانون وطني يلغي عقوبة الاعدام بالنسبة للجرائم التي هي من اختصاص المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.

على ضوء ذلك، كان يجب على السلطات الدستورية اللبنانية المختصة اتخاذ اجراءات قانونية لجهة تعديل الدستور، وسن القوانين الوطنية اللازمة لتتلاءم مع أحكام نظام المحكمة الخاصة بلبنان وذلك قبل ابرام الاتفاق الثنائي بين لبنان والأمم المتحدة بإنشاء المحكمة الخاصة أو على أبعد حدّ قبل بدء نفاذ الاتفاق باعتباره أحد الشروط القانونية الواجب اكتمالها لبدء نفاذ الاتفاق سنداً للفقرة الأولى من المادة التاسعة عشرة من الاتفاق المشار اليها أعلاه.

وتقتضي الاشارة هنا الى أن اجراءات انشاء المحكمة المختلطة في كمبوديا بموجب اتفاقية ثنائية بين الأمم المتحدة وكمبوديا، سبقها تعديل القوانين الوطنية الكمبودية لإنشاء دوائر استثنائية داخل الهيكل القضائي الكمبودي، بمساعدة دولية، لمحاكمة مرتكبي الجرائم التي تمس بالقانون الجنائي الكمبودي والقانون الانساني الدولي، وطبيعة هذه المحكمة المختلطة مشابهة لطبيعة المحكمة الخاصة بلبنان لجهة انشائها بموجب اتفاقية ثنائية.

كما أنه في مجال آخر، فإن الاجراءات التي اعتمدت في فرنسا عندما عُرض على المجلس الدستوري الفرنسي موضوع ابرام اتفاقية روما لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية في سنة 1998، يجب العمل بها في لبنان. فقد أوصى هذا المجلس السلطات الفرنسية اجراء تعديل دستوري وذلك بإضافة مادة واحدة على الدستور تجيز للجمهورية الفرنسية الاعتراف بقضاء المحكمة الجنائية الدولية وفقاًَ للشروط المحددة في اتفاقية روما الموقعة في 18/8/1998، وبالفعل تم هذا التعديل، وفي ما بعد تولت السلطة التشريعية مهمة سن عدة قوانين جزائية اجرائية ووضعية تتلاءم مع أحكام نظام المحكمة الجنائية الدولية بحيث يمكن وضعها موضع التنفيذ.

2010-12-09