ارشيف من :أخبار لبنانية

الإعصار ممر إجباري للخلاص؟

الإعصار ممر إجباري للخلاص؟

ادمون صعب ـ "السفير"


حسد لبنانيون كثيرون اليمن، مطلع الأسبوع، على نظامه الذي هو مزيج من الديموقراطية والقبلية، والذي لا يشجع كثيراً على الاقتداء به، إلا في مجال واحد ربما، هو المساءلة، المبدأ الذي تجاهلته الديموقراطية اللبنانية منذ الأخذ بها في 9 حزيران 1861 اثر المجازر الطائفية في الجبل وقيام «نظام أساسي» للبنان مدعوم من الدول الكبرى آنذاك، وهي فرنسا وانكلترا والنمسا وروسيا وبروسيا وايطاليا.

فقد قرر البرلمان اليمني دعوة نائب رئيس الوزراء لشؤون الأمن والدفاع رشاد العليمي للمثول أمامه واستجوابه في ما نشره موقع «ويكيليكس» من تقارير أميركية سرية عن إبلاغ الرئيس اليمني علي عبد الله صالح في شهر كانون الثاني الماضي قائدَ القوات الأميركية في الشرق الأوسط ديفيد بترايوس، الذي كانت طائراته تشارك في المعارك التي كانت دائرة آنذاك على الحدود مع السعودية وداخل البلاد، وتقصف مواقع الحوثيين، وتنظيم «القاعدة»، ان القوات اليمنية هي التي تقصف المتمردين والإرهابيين، وليست القوات الأميركية!

وأيا تكن نتيجة الاستجواب النيابي اليمني للعليمي، فإنها تكفي للقول ان اليمن، البلد الذي اشتهر مندوبوه بالاستغراق في النوم في المؤتمرات العربية والدولية، قد استيقظ الآن ورفع الصوت.
لكن لبنان استغرق في النوم، ويا للأسف، بإزاء ما نشره الموقع عينه حول اجتماعات عقدت في الأول من نيسان عام 2008 في اليرزة بين مساعد وزير الدفاع الأميركي للعمليات الخاصة مايكل فايكرز، وقائد قوات العمليات الأميركية الخاصة مايكل مولهولند، والقائمة بالأعمال الأميركية آنذاك ميشيل سيسون، والملحق العسكري الأميركي في السفارة (لم يذكر اسمه)، ونائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الياس المر، وقائد الجيش (آنذاك) العماد ميشال سليمان، ومدير المخابرات العميد جورج خوري.

ولعل أكثر ما يستوقف في التقرير ـ الخلاصة، الذي بعثت به سيسون إلى وزارة الخارجية، هو الكلام الذي ورد على لسان الوزير المر، والذي لم ينفه إلى الآن، حول نظرته إلى دور الجيش، بل رأيه في عقيدة الجيش التي طالما تحدث الأميركيون عن ضرورة تغييرها، بتحويل تركيز اهتمامه على الداخل لمواجهة الإرهاب بأشكاله المختلفة، وخصوصاً في المخيمات الفلسطينية، تاركاً الحدود في عهدة قوى مسلحة أجنبية من أكثر من 30 دولة، مشيراً إلى ان معارك نهر البارد أظهرت الحاجة إلى «قوات خاصة» عسكرية أكثر منها إلى قوات نظامية ترابط في الجنوب في مواجهة العدو الإسرائيلي، نظراً إلى عدم التكافؤ، ربما، بين عديد الجيش والتسلح الذي تسمح له به الولايات المتحدة والدول الغربية عموماً، والقوة العسكرية الإسرائيلية، في تجاهل لدور المقاومة التي ترعب إسرائيل بصواريخها ومجاهديها الأبطال؛ تلك المقاومة التي لم يكتم المر، بحسب ما ورد في التقرير ـ الخلاصة، موقفه الصريح منها لدى تقديم النصح إلى العماد سليمان بأن يبقى الجيش على الحياد، في حال شنت إسرائيل هجوماً جديداً على «حزب الله»، وألا يشارك في المعارك، كما حصل في حرب تموز، حيث سقط له 50 شهيداً، بل يقوم بدور إنقاذي للسكان، على طريقة الدفاع المدني.

وربما كان الأكثر حساسية في ما ورد على لسان المر، كلامه على التوزع الطائفي للجيش، وهو المعروف ببعده عن الطائفية، بشهادة الرئيس ميشال سليمان، والجهد الذي بذله المر لتقليص نسبة العسكريين الشيعة في الجيش بالنسبة إلى المسيحيين، وإشادته بـ«وطنية» العسكريين السنة، مشيراً إلى انه بعد تقليص نسبة الشيعة في الجيش إلى 25 في المئة «لم يعودوا يمثلون تهديداً له، حتى لو طلب منهم (الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن) نصر الله ترك الجيش».

والحل الذي يلوّح لنا به أرباب المحكمة الدولية، قد يكون هو المطلوب من أجل قلب الطاولة على اللاعبين، الكبار والصغار معاً، وخصوصاً ان الصورة التي عرضها الوزير المر أمام الأميركيين قبل سنتين، لم تتغير، بل ازدادت قتامة، وان البلاد سائرة نحو إعصار يعتقد البعض انه من الضروري المرور به لبلوغ «أرض الميعاد» المشتركة بين اللبنانيين.

ونضيف ان الوزير المر ربما كان صادقاً في ما قال، وصريحاً جداً ـ ما دام لم ينف شيئاً مما نُشر ـ وانه قدم مصلحة لبنان، كما يراها هو، على أي مصالح أخرى. كما عبّر عن قناعته بالموضوع الذي طُرح، لذلك ندعو الرئيس ميشال سليمان والوزير الياس المر إلى ان يطلبا من الرئيس نبيه بري دعوة لجنة الدفاع والأمن في مجلس النواب إلى جلسة لمناقشة مضمون المحضر ـ الخلاصة، ثم عرض النتيجة على الرأي العام، وربما طرح الثقة بالوزير المر، إلا إذا بادر هو إلى الاستقالة، مسجلاً سابقة في التاريخ السياسي اللبناني.

2010-12-09