ارشيف من :أخبار لبنانية
فرانسين لبيلمار: أعطني قراراً مقنعاً... وإلا فاتركه عندك
نبيل هيثم ـ "السفير"
خلال فترة ترؤسه لجنة التحقيق الدولية، قام القاضي سيرج براميرتز بزيارات متعددة الى دمشق، والتقى الرئيس السوري بشار الاسد مرتين، واستمر اللقاء الثاني بينهما لنحو اربع ساعات. كما كانت له لقاءات مع شخصيات سورية استمع اليها في معرض التحقيق الذي كان يجريه حول اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
ما توصل اليه براميرتز آنذاك، ناقض «فبركات» سلفه ديتليف ميليس بالاستناد الى مجموعة من شهود الزور وفي طليعتهم محمد زهير الصديق. وقد اورد براميرتز خلاصة ما توصل اليه في تقاريره الدورية الى مجلس الامن، حيث ضمنها اشارة دائمة الى «تعاون دمشق المرضي بشكل عام» مع لجنة التحقيق. الا ان الخلاصة النهائية التي توصل اليها القاضي البلجيكي ابلغها، لدائرة ضيقة بينها الامين العام للامم المتحدة السابق كوفي انان بقوله «لقد بت على قناعة بأن لا علاقة لسوريا باغتيال الحريري» وكان ذلك في العام 2007.
طلب براميرتز تعاون «حزب الله» مع التحقيق، وبالفعل استجاب الحزب لطلبه، واستمع الى مجموعة من الافراد بصفة شهود، وفي جانب آخر من التحقيق، انصب عمل المحققين في فريق براميرتز على دراسة خلاصة ملف الاتصالات والمكالمات الهاتفية «المتزامنة» مع اغتيال الحريري، الذي انتهت اليها ما قيل انها «شركة بريطانية» اسمها «فورنسي تيليكومينيكايشن سيرفيسز» (FTS) بعد تحليل كميات ضخمة من المكالمات وذلك عبر الاستعانة بـ«سوفتوير» متقدم جدا وبفريق ضم ما يزيد عن مئتي خبير من جنسيات لبنانية وغير لبنانية شاركوا في هذا التحليل، وقد استحدثت لهم مكاتب في احدى المؤسسات الرسمية عير المدنية.
وبحسب ما جاء في تقرير قناة «سي بي سي» الكندية فإن محققي الأمم المتحدة عملوا على وضع المعلومات في برنامج يسمى «IBase» ثم بدأ خبير من شركة FTS بفحص النتائج الكومبيوترية وخلال يومين فقط استدعى المحققين الدوليين وأطلعهم على تشخيصه لشبكة صغيرة من 8 هواتف محمولة كانت تظلل الحريري في الأسابيع التي سبقت اغتياله.
واذا كانت سرعة الخبير المذكور في التشخيص قد اثارت دهشة زملائه، فإن ما تكشف لاحقا يحمل على إحاطة تلك الشركة بالكثير من علامات الريبة والشك، خاصة بعدما تبيّن للمحققين وجود خيوط دقيقة تربط تلك الشركة بمخابرات احدى الدول الاوروبية الكبرى، مع دور فعال فيها لرجل المخابرات البريطاني مايكل تايلر، الذي عيّنه لاحقا مدعي عام المحكمة الدولية دانيال بيلمار رئيسا لفريق المحققين!
ويكشف مواكبو التحقيق، ان خلاصة تحليل الاتصالات سلمت الى براميرتز، فلم يعرها الاهتمام الذي توخاه فريق اعداد «خلاصة التزامن»، بل ان براميرتز قرر ان يتعاطى معها بـ«لا جدية» انطلاقا من يقينه بأنها مفبركة. وقد ملك هو وفريقه آنذاك ادلة حسية على كيفية الفبركة واماكنها وصولا الى «بصمات اصوات» سعى خبراء الشركة البريطانية الى اسقاطها على بعض المكالمات.. وثمة حادثة حصلت هنا، تفيد بأن احد محققي لجنة التحقيق، وخلال تجربة كان يجريها للتدقيق في صحة بعض المكالمات ذهل من النتيجة التي وصل اليها مع احد الخبراء، فصرخ بأعلى صوته: «انهم يكذبون»!
واذا كان براميرتز، كما يقول مواكبو التحقيق، لم يعط اية اشارة الى تورط «حزب الله» في اغتيال الحريري بالاستناد الى فرضية تزامن الاتصالات التي يتكئ عليها خلفه دانيال بيلمار، برغم الضغوط الهائلة التي مورست عليه، فإن كلمته قالها في تقرير شامل يزيد عن الالفي صفحة رفعه الى مجلس الامن وقدم نسخة منه للرئيس فؤاد السنيورة وللمدعي العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا، ولا يشير فيه الى اي دور لـ«حزب الله» او افراد منه.
انتهى دور براميرتز في لجنة التحقيق عند هذا الحد، ودخل دانيال بيلمار الى ملعب التحقيق، فسارع الى اعتماد خلاصة الشركة البريطانية، وجاء برجل المخابرات البريطاني مايكل تايلر رئيسا للمحققين، وهنا بانت نوايا بيلمار، كما يقول المواكبون للتحقيق، لكن العري الكامل للنوايا، ظهر في تسريب السيناريو الاتهامي ضد «حزب الله» في مجلة «ديرشبيغل» الالمانية في أيار 2009. ومن تسنى لهم الالتقاء ببراميرتز خلال تلك الفترة عكسوا قلقا لديه من المسار الذي سلكه التحقيق متجاوزا كل الفرضيات الاخرى، علما ان متابعي التحقيق الدولي خلال فترة توليه رئاسة اللجنة يعلمون انه اشتغل على فرضيات متعددة ومنها فرضية الصاروخ من الجو، واستغرق عمله على هذه الفرضية اشهرا الا انه لم يصل الى نتيجة وخصوصا بعدما اقفل الباب الاسرائيلي في وجهه.
واذا كان الهجوم الوقائي الذي شنه «حزب الله» على مصادر استهدافه، قد استطاع من خلاله اصابة القرار الاتهامي وفرضية تزامن الاتصالات التي بات مسلما به انه سيستند اليها، فإن جهات قضائية دولية على صلة بالتحقيق الدولي، اكدت نجاح «حزب الله» في احاطة نفسه بتحصينات من الصعب على فرضيات غير مسندة الى ارض صلبة، اختراقها وتوجيه اتهام جدي اليه او الى افراد منه. وما قام به «حزب الله» من خلال الاطلالات المتتالية لامينه العام السيد حسن نصرالله والقرائن التي قدمها وصولا الى حادثة العيادة النسائية واعلانه مقاطعة التحقيق، مكنه بلا شك من دفع المحكمة والتحقيق وبيلمار الى منطقة الدفاع. وينقل عن براميرتز في هذا السياق قوله لأحد اصدقائه اللبنانيين ما مفاده «ان حزب الله عرف كيف يدير معركته جيدا وباحتراف».
يتولد عما تقدم السؤال التالي: «ماذا بعد، وفي اي اتجاه سيسير بيلمار واي قرار سيصدر عنه»؟
ينبغي التوقف مليا عند حقيقة ان القرار الاتهامي لو كان مكتملا او صلبا لكان بيلمار اصدره قبل اسبوع او قبل شهر او حتى قبل سنة. وما في حوزة المدعي العام الدولي لا يعدو كونه اجزاء متفرقة جلها عناصر نظرية وفرضيات غير قابلة لأن يتم وصل بعضها ببعضها الآخر.
ان بيلمار بات في موقع «المحرج والمحاط بالشكوك دائما»، فقد احرج مرة عندما كسر قاضي الاجراءات التمهيدية دانيال فرانسين قرار مدعي عام المحكمة بعدم تسليم اللواء جميل السيد ملف التحقيق الذي طلبه، وسيحرج اكثر عندما يقرر فرانسين في القريب تسليم السيد ملف التحقيق خلافا لرأي بيلمار ورئيس المحكمة انطونيو كاسيزي والامم المتحدة الا اذا كان الضغط كبيرا جدا على قاضي الاجراءات.
وأحرج عندما تبلغ بيلمار من فرانسين بأنه لن يتساهل مع اي قرار اتهامي خارج عن الاطار القضائي الجنائي الصرف، وبالتالي لن يقبل اي قرار ما لم يكن مقنعا ويرتكز على قرائن وادلة جدية، وليس على فرضيات خيالية او هوليودية. وهناك من يؤكد ان فرانسين ابلغ بيلمار ما مفاده «ان اردتم ان تسلموني قرارا غير مكتمل العناصر والادلة الجرمية، فاتركوه عندكم»!
ان تجاذبا جديا يحصل داخل فريق بيلمار حول القرار الاتهامي، فمن جهة هناك من يدفعه الى اصدار القرار بما هو متوفر لديه، والمشكلة هنا لا تتأتى من الصدور بل من كون هذا القرار قابلا للنسف وهذا سيشكل ضربة كبرى الى التحقيق والمحكمة، وضربة اكبر الى بيلمار في معنوياته وكرامته وتاريخه. ومن جهة ثانية، هناك من يدفعه الى تأجيل القرار الاتهامي والذهاب في التحقيق الى كل الفرضيات. وما بين المتجاذبين قد يجد بيلمار نفسه مضطرا الى اصدار قرار اتهامي يعتمد فيه صيغة المجهول: قيل لنا ان اشخاصا راقبوا الرئيس الحريري قبل اغتياله.. وقيل لنا ان هناك خطوطا هاتفية.. وقيل لنا ان اصحاب تلك الخطوط الهاتفية لهم علاقة بالاغتيال.. وان مكتب المدعي العام حاول ان يتثبت من بعض المكالمات الهاتفية التي حصل عليها من السلطات اللبنانية والتي قيل لنا ان بعضها تحوي صوت احد الاشخاص. هؤلاء تابعون لمنظمة لها امتداد عسكري على الاراضي اللبنانية.. وان مكتب المدعي العام لم يستطع التثبت من ذلك.. والى آخر ما هنالك على هذا المنوال. والخلاصة ان بيلمار واقع في الحرج وليس قادرا على الخروج منه.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018