ارشيف من :أخبار لبنانية

حزب الله يستكمل عملية امتصاص زخم القرار الاتهامي قبل صدوره

حزب الله يستكمل عملية امتصاص زخم القرار الاتهامي قبل صدوره

عماد مرمل، السفير

قد يكون «حزب الله» تأخر في معركته ضد المحكمة الدولية وقرارها الاتهامي اللذين أصبحا أمراً واقعاً. يدرك الحزب هذه الحقيقة، لذا فهو يعتبر منذ البداية أنه يخوض بالدرجة الاولى معركة رأي عام، تهدف الى كسب أكبر شريحة ممكنة من الجمهور المحلي والعربي والإسلامي الى جانبه، في مواجهة ما يعد له في لاهاي.

ولعل مراجعة سريعة لمطالعة «حزب الله» التي شرحت مساوئ المحكمة ومكامن الخلل فيها منذ ولادتها، تظهر كم أنه تساهل مع فكرة إنشائها أولا ثم مع نظامها وسلوكها ثانيا، خلافا لقناعاته الاصلية، مراعاة لحساسية الرئيس سعد الحريري والطائفة السنية حيال المحكمة، وسعياً الى تجنب تداعيات انقسام حاد حولها، قد يتخذ طابعا مذهبيا، وهو أمر تبين لاحقا انه كان من الممكن تأجيله فقط الى حين، لا تعطيله.

حبس الحزب الماء في فمه سنوات طويلة، وتماشى مع الحريري في تأييد المحكمة الدولية، سواء على طاولة الحوار أو في البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة، مفترضاً أنه يسحب بذلك أحد فتائل الانفجار الداخلي، وبالتالي يحمي المقاومة التي لا يفارق ظلها كل ما يفعله ويقوله الحزب.

وقد عكس البيان الوزاري للحكومة الحالية هذه المعادلة التي حاولت التوفيق بين أولوية المحكمة بالنسبة الى سعد الحريري وأولوية المقاومة بالنسبة الى «حزب الله»، في محاولة ـ على الطريقة اللبنانية ـ لتأمين نوع من التعايش بين الأولويتين اللتين سرعان ما تواجهتا بعدما تبين أن كلاً منهما يشكل نقيضاً للآخر وخطراً مباشراً عليه، وبالتالي فإن بقاءهما متلاصقين لن يكون سوى تعبير عن تشوّه خلقي، كتوأم سيامي برأسين وجسدين، لا بد من عملية جراحية لفصلهما.

كان الحزب في الماضي «يتهيب» الى حد ما المساس بالمحكمة التي أحيطت بهالة كادت تلامس حد تقديسها وصولا الى «التكفير السياسي» لكل من يتناولها بنقد أو اعتراض، مهما كان مدروساً وخجولاً، فكيف إذا كان مصدره طرفاً يحمل هوية مذهبية مغايرة، تكفي لتحوير أي موقف وإدراجه في سياق تعزيز مقولة الصراع السني ـ الشيعي.

وهكذا، تحولت المحكمة في لحظة ما الى «تابو» حقيقي، كمّ أفواه اللبنانيين، بحيث جرى «تحريم» الكلام بشأنها إلا لتمجيدها، تحت طائلة اتهام أصحاب الرأي المخالف بالمشاركة في اغتيال الرئيس رفيق الحريري أو مباركة هذا الاغتيال، تماما كما جرى اتهام الذين اقترعوا ضد لوائح 14 آذار في الانتخايات النيابية بأنهم صوتوا لقتلة الرئيس الحريري.

وحتى عندما قرر الحزب أن يواجه «القرار الاتهامي» تدريجيا وتصاعديا، بقي لفترة من الزمن يتفادى فتح ملف المحكمة على مصراعيه، إفساحاً في المجال أمام إمكان اللملمة والترميم، مكتفياً بإطلاق «إشارات مشفرة»، الى أن ضاق الوقت ووجد نفسه مضطراً الى إبداء رأيه بصراحة في عيوب هذه المحكمة وفجواتها.

وبهذا المعنى، فإن من أهم «إنجازات» المؤتمر الصحافي لرئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد، بمشاركة عضو المجلس الدستوري السابق القاضي سليم جريصاتي، أنه كسر آخر المحرّمات المتعلقة بالمحكمة، وأعاد اليها حجمها الطبيعي، كجسم قانوني دولي، قابل للتشريح، من رأسه حتى أخمص قدميه، من دون أن ترتجف اليد التي تحمل المقص.

هذا في الدلالة الرمزية للمؤتمر الصحافي، أما في ما خص معطياته، فهو واجه المحكمة بسلاحها، وخاطبها بلغتها، موحياً بأن «حزب الله» لا يقل احترافاً في المقارعة القانونية والدستورية عن المقارعة السياسية والعسكرية، ولو أن ذلك حصل متأخراً، مع إدراكه المسبق بأن جوهر الأمر لا يتعلق بمدى قوة المنطق لديه وحجم قدرته على إقناع الآخرين بصوابية وجهة نظره، بل يتصل بحسابات ومصالح دولية ـ إقليمية تريد توظيف المحكمة في سياق التأثير على موازين القوى في لبنان والمنطقة.

وإذا كانت الحجج التي ساقها الحزب لن تفيد اليوم في تفكيك بنية المحكمة «المصفحة» والمحمية بقرار من مجلس الامن استنادا الى الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة، إلا أنه نجح بالتأكيد في مواصلة تفتيت مصداقيتها واستهلاك رصيدها، بعدما أنجز مهمة فضح هزالة التحقيق الدولي وانحرافاته، الأمر الذي يصب في خانة استكمال عملية امتصاص زخم القرار الاتهامي قبل صدوره.

بطبيعة الحال، لم يجد كلام رعد أي «مدرج سياسي» في تيار المستقبل يمكن أن يحط عليه، بل لعله يصح القول إن «أحكاماً مسبقة» كانت في انتظاره، حتى قبل سماعه. وهناك في «التيار الأزرق» من يعتبر صراحة أن كل ما يقوم به الحزب حاليا لم يعد ينفع في تعديل مسار المحكمة، لان من يتزوج امرأة وينجب منها طفلا، لا يستطيع متى يشاء أن يعيد هذا الطفل الى رحمها، فقط لأنه غيّر رأيه وقرر عدم الإنجاب، وهكذا هي حال المحكمة التي ولدت وكبرت، ولم يعد بمقدور أحد أن يقفز فوق هذه الحقيقة.

أكثر من ذلك، يؤكد أحد قياديي «تيار المستقبل» أن أي تسوية محتملة ستطال حصراً مرحلة ما بعد صدور القرار الاتهامي، لأنه ليس متاحاً فعل أي شيء للتأثير على مضمونه أو توقيت صدوره، داعياً «حزب الله» الى المساعدة في بناء بيئة داخلية آمنة تتيح تلقف القرار الاتهامي بهدوء بعيداً عن أي تداعيات مفترضة، «وهذا يتطلب خطاباً هادئاً من الحزب وحلفائه، لان الخطاب الحاد يساهم في رفع منسوب الاحتقان المذهبي والسياسي، الذي يمثل أسوأ وصفة للتعامل مع القرار المرتقب».

ويؤكد القيادي نفسه أن لا نية لدى قوى 14 آذار لاستخدام القرار الاتهامي ضد «حزب الله» وتصفية الحسابات معه، لأن لا مصلحة لها في مثل هذا التوظيف الذي سيؤدي الى ضرب الاستقرار الهش في لبنان، مشددا على أن «تيار المستقبل» لن يربط بين أفراد قد يتم اتهامهم وبين الحزب وقيادته وسلاحه المقاوم الذي نميزه عن السلاح المستخدم أحيانا في الداخل.

ويلفت القيادي في «المستقبل» الانتباه الى أن الرئيس الحريري ما زال متمسكاً بكلامه السابق للسيد حسن نصر الله حول حصر أي اتهام مفترض بالعناصر الموجهة اليه وعدم تعميمه ليطال «حزب الله» وما يمثله أو الطائفة الشيعية.

وإذ يدعو القيادي في «المستقبل» قيادة «حزب الله» الى الواقعية والاقرار بإمكان أن يكون الحزب قد تعرض الى الاختراق الذي ثبت أنه ممكن الحصول، كما تبين من خلال نجاح الإسرائيليين في اختراق الخطوط الهاتفية لبعض المقاومين، يرجح أن تكون دمشق والرياض قد قطعتا شوطاً كبيراً على طريق ترتيب تسوية معينة، لان المنطقة ككل لا تحتمل الإخفاق في بلوغها وليس لبنان فقط.

2010-12-10