ارشيف من :أخبار لبنانية
المؤامرة الكبرى في مذكرات بوش وبلير
سامي كليب - صحيفة السفير
من يقرأ كتابي مذكرات الرئيس الأميركي السابق جورج بوش ورئيس الحكومة البريطانية الأسبق طوني بلير، يفهم أن رحيلهما عن سلطتي بلديهما أنقذ العالم من أفكارهما الجهنمية التي كانت تريد تدمير سوريا وإيران و«حزب الله» وحركة حماس، بعد أن دمرت العراق وقتلت الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، كل ذلك باسم إيديولوجية تبشيرية مخيفة يلخصها بلير بالصراع بين «الحداثة والرجعية»، ويغلفها بوش بمساحيق الحرية والديموقراطية.
لا يخفي بوش وبلير في مذكراتهما، سعيهما للقضاء على النظام السوري، ويعلنان صراحة كم أن «حزب الله» كان شوكة في خاصرتهما، وأن صموده غير المعطيات والاستراتيجيات الدولية، وكم أن تحالفهما مع إسرائيل كان أولوية في سياستيهما. وفي الآتي غيض من فيض ما جاء في الكتابين:
وجه الصراع
يقول بوش إن «الصراع في الشرق الأوسط لا ينحصر بالمواجهات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أو بين اليهود والمسلمين، وإنما بالمواجهة القائمة بين أولئك الباحثين عن السلام والمتطرفين الذي يزرعون الإرهاب، والجميع متفق على أن الديموقراطية هي الأساس الذي يبنى عليه السلام الدائم» وأن الولايات المتحدة والقوى الغربية هي التي ستنشر الحرية والديموقراطية وسط شعوب الشرق الأوسط.
بينما يبدو بلير أكثر وضوحاً في مقاربته لأسباب الصراع في المنطقة، حيث يدرجه في خانة التناقض الصارخ بين التطرف الإسلامي والغرب من جهة، وبين التقدم والرجعية من جهة ثانية. فيقول مثلا «كان من المستحيل أن نفهم حزب الله من دون فهم دور إيران، وأن نفهم لبنان من دون فهم سوريا، أو أن نفهم حماس من دون فهم الدور الذي يؤديه الطرفان (الإيراني والسوري)، أو أن نفهم هذا الطرف أو ذاك من دون فهم تاريخ المنطقة والدين...وهنا بالضبط تبرز صورة المتناقضين: الحداثة من جهة والرجعية من جهة ثانية. وحين فهمت أن الإرهاب صار سلاح التبشير عند تنظيم القاعدة والأفراد المدعومين من إيران على الأرض العراقية أو طالبان في أفغانستان، اقتنعت بالتالي انه علينا مكافحتهم وعدم الرضوخ... وفي نهاية الأمر وجدت انه لو أني شجبت إسرائيل (بعد حربها على لبنان) فسيكون الأمر من جانبي عملا أكثر من لاأخلاقي».
تدمير سوريا
تبدو سوريا في منظور بوش وبلير عدواً كان ينبغي إزالته من الوجود. ولعل في ما يقوله الرجلان ما يثبت أن النية المبيتة لدى واشنطن ولندن آنذاك كانت تماماً كما هي عند الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك (وفق كتاب سر الرؤساء)، هي القضاء على النظام السوري.
يتحدث بلير مثلا عن ديك تشيني، فيروي كيف أن البعض كان يربط اسمه بكل المؤامرات، وأن اليسار البريطاني كان يعتبره شخصاً مقززاً، ويضيف «غير أني لم أكن أراه كما كل العالم، بل كنت أرى أن لديه وجهة نظر مفيدة وينبغي عدم التقليل من أهميتها، فهو كان يعتقد أن الولايات المتحدة هي في حالة حرب ضد الإرهابيين، ولكن أيضا ضد الدول الهمجية (الزعران) التي تدعم الإرهابيين، وإن حالة الحرب التي فرضت على أميركا إنما جاءت من الذين يشنون الحرب بناء على إيديولوجية الهيمنة التي تشكل تهديداً مباشراً ضد الولايات المتحدة، وبالتالي فإن الوسيلة الوحيدة لهزيمة هذه الدول هي مهاجمتها على نحو مباشر، وبكل القوة الأميركية، وذلك بغية تدميرها للسماح للديموقراطية بالانتعاش مكانها، وكان (تشيني) يريد التركيز على العراق وسوريا وإيران، مروراً بممثليهم في المنطقة، أي حزب الله وحماس... وبطبيعة الحال فإن هذه المواقف كانت تخيف وترعب الجميع، غير أني لم أكن أراها شخصياً بهذا الخطورة».
ومن جانبه، يؤكد بوش كم كانت رغبته كبيرة في أن تتقدم إسرائيل صوب سوريا خلال حرب عام 2006، فيقول «كان أمام الإسرائيليين فرصة لتوجيه ضربة كبيرة لحزب الله ومؤيديه الإيرانيين والسوريين، ولكن للأسف لم يحسنوا الإفادة منها... فقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت انه لن يستهدف سوريا، وكان ذلك من وجهة نظري خطأ كبيراً، ذلك أن محو خطر الرد (على سوريا) سيسمح بفك الطوق عنها وستشعر دمشق بأنها حرة في دعم حزب الله».
ويضيف إن استراتيجية الولايات المتحدة كانت تقضي «بعزل إيران وسوريا على المدى القصير، بغية تقليص تأثيرهما وتشجيع التغيير من الداخل... ولكني أدركت لاحقاً أن الايجابيات التي يمكن أن نحصدها على المدى الطويل، من خلال تكثيف الضغط على سوريا وإيران ستتخطى الأرباح التي يمكن أن نحصل عليها فوراً من خلال زعزعة حزب الله» (طبعا بعد أن تقهقرت صورة إسرائيل خلال الحرب، وبعد أن تبين أن «حزب الله» قد يخرج منتصراً).
ويروي بوش تفاصيل المحادثة الهاتفية بينه وبين أولمرت قبل قصف «المنشأة النووية» المزعومة في سوريا. ويقول إن اولمرت قال له هاتفياً «جورج، اطلب منك أن تقصف المنشأة»، فأجابه «شكراً لأنك أشرت إلى هذه المشكلة، ولكن اترك لي بعض الوقت لأراجع المعلومات الاستخباراتية لدينا وسوف أعطيك جوابي».
الغريب أن بوش لا يخفي كيف تتعامل إسرائيل مع واشنطن، فأولمرت هنا «يطلب» منه أن يقصف سوريا، وكأنما الجيش الأميركي ليس أكثر من فيلق في جيش إسرائيل.
ويقول إنه بعد الاتصال جمع قيادته، وبحث 3 خيارات أولها ضرب سوريا، وكان ذلك سيحدث مشكلة سياسية لأن سوريا دولة ذات سيادة ولا يمكن قصفها من دون تحذير، والثاني أن يتم القيام بغارات سرية، ولكن الـ«سي آي أيه والعسكريين استنتجوا أن إدخال وإخراج فريق مدجج بالمتفجرات من سوريا لقصف المركز النووي سيكون كبير الخطورة». وأما ثالث الخيارات فكان إبلاغ حلفائنا بالأمر، والطلب من دمشق تفكيك المركز بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وحينها «نمارس ضغوطاً على دمشق لوقف دعمها للإرهاب والتدخل في لبنان والعراق، وإذا ما رفضت وقف عملياتها النووية السرية، ستكون الضربة العسكرية مبررة».
ويروي كيف اختار في نهاية الأمر الطريق الدبلوماسي، ما أدى إلى خيبة أمل اولمرت حين اخبره بذلك، حيث أجاب قائلا إن «هذا الموقف يضرب بلادنا في الصميم وإن برنامج التسلح النووي السوري هو مشكلة جوهرية بالنسبة لإسرائيل، وسوف أكون صريحاً معك وأخبرك بان استراتيجيتكم تقلقنا على نحو كبير». وأقفل الخط.
سحق «حزب الله»
يتفق بوش وبلير على الرواية ذاتها، ومفادها أنهما كانا يرغبان فعلاً بالقضاء على «حزب الله» وتشجيع إسرائيل على ذلك، فيؤكد الرئيس الأميركي انه في خلال قمة الدول الصناعية الثماني التي انعقدت بعد بداية حرب عام 2006 «كان كل رؤساء الدول متفقين على أن لإسرائيل الحق بالدفاع عن نفسها، طالما أن حزب الله هو الذي بادر إلى هذه الحرب... ولكن بعد الأسبوع الثاني من أعمال العنف، صار عدد من قادة الدول الثماني، الذين كانوا إلى جانب إسرائيل، يطالبون بهدنة، غير أني لم انضم إليهم، ذلك أن وقفاً لإطلاق النار قد يؤدي إلى التهدئة لفترة قصيرة، ولكنه لا يطال عمق المشكلة، فطالما بقي حزب الله مسلحاً سيواصل تهديد إسرائيل في جنوب لبنان، وسيتجدد الصراع، وأردت ربح الوقت للسماح لإسرائيل بإضعاف هذا الحزب، تماماً كما كنت راغباً ببعث رسالة إلى إيران وسوريا مفادها أننا لن نسمح للمنظمات الإرهابية بمهاجمة الديموقراطيات من دون أن تنال عقابها».
ويكشف بوش عما دار آنذاك في اجتماع مجلس الأمن القومي في الولايات المتحدة، حيث «قال تشيني، علينا ترك الإسرائيليين يقضون على حزب الله» فأجابته غوندليسا رايس «إن ذلك سينهي أميركا في الشرق الأوسط».
وفيما يمتدح بوش وبلير رئيس الوزراء اللبناني السابق فؤاد السنيورة، ويذكران أن عدداً لا بأس به من القادة العرب كانوا يقفون إلى جانبهم في حروبهم في المنطقة من العراق إلى لبنان، فإن بوش يصف الرئيس اللبناني السابق إميل لحود «بالدمية بيد السوريين»، وينقل بفرح واضح التصريح الشهير لرئيس اللقاء الديموقراطي وليد جنبلاط الذي قال فيه «إن مسيرة التحول في المنطقة بدأت مع اجتياح الأميركيين للعراق».
ويتابع بوش «كانت تلك المرة الأولى التي تشهد 3 مجتمعات عربية ذاك التقدم في مجال الديموقراطية، وهي لبنان والعراق وفلسطين، وكانوا يشكلون بالتالي الأساس لمنطقة حرة وهانئة».
أما بلير فيروي أنه «حين بدأ الصراع (بين حزب الله وإسرائيل) انعقدت قمة الدول الصناعية الثماني في سان بطرسبرغ، والنقطة المهمة الثانية في نقاشاتنا كانت حول لبنان، وكان الشعور المشترك لدينا أن حزب الله هو الذي أثار المشكلة وأن إسرائيل تسعى لشله، وقد بدا ذلك أمراً جيداً... ولكن بعد مضي بضعة أيام (على الحرب) لم يعد تحرش حزب الله هو الذي يثير قلق الأسرة الدولية وإنما الرد الإسرائيلي، وفجأة صارت إسرائيل هي المعتدية.... والرأي العام الدولي الذي فهم في البداية من أين أتى التحرش، راح يعرب عن استيائه من مشاهد المجازر الليلية ضد المدنيين في الجانب اللبناني، وصار استياؤه يتحول فجأة إلى شجب» لإسرائيل.
ويضيف بلير «فهمت في تلك اللحظة أن اولمرت بات في موقف حساس جداً، وفهمت أني لو كنت مكانه، لاعتبرت أن وقف إطلاق النار مستحيل، ما لم يقبل به حزب الله، أو ما لم ينهزم الحزب أو على الأقل أن يكون لبنان قد عانى بما فيه الكفاية، بحيث يصبح حزب الله غير قادر على تكرار ما قام به، وهذا ما حصل أخيراً. لقد كانت وسيلة الردع (الإسرائيلية) مرعبة بالنسبة للبنان، ولكني نظرت إلى الأمر من منظور اولمرت وإسرائيل ... وحين طال أمد الحرب أكثر من المتوقع، شعرت، أنا الذي كنت من بين ندرة تتفهم وجهة نظر إسرائيل، بألم كبير».
ويروي بلير رحلته إلى بيروت في أيلول 2006 فيقول «طيلة فترة الأزمة كنت على اتصال دائم مع رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة، وهو رجل بالفعل جيد ولكنه عالق تماماً بين نفوره من حزب الله واستحالة الرد على العمليات الإسرائيلية بأكثر من تصريحات نارية».
ويتابع «صحيح أن موت الكثير من المدنيين الأبرياء وخصوصا الأطفال كان أمرا ظالما وغير مقبول... ولكن الذي كان يقلقني أكثر هو خطر انتصار حزب الله، بحيث يستطيع أن يتحرش بإسرائيل ويدفعها للرد ويخرج في نهاية الأمر منتصراً، ووجدت أن وقفاً لإطلاق النار من جانب واحد سيؤدي بالفعل إلى ذلك... وحينها فكرت بان إيجاد حل اشمل سيؤدي إلى ردع حزب الله وينقذ حياة كثيرين، فوددت اقتراح مبادرة دبلوماسية لحل مسألة مزارع شبعا وإعادة إطلاق مسيرة السلام الإسرائيلية ـ الفلسطينية».
العراق والإسلام
وأما بالنسبة للعراق، فيبدو بوش وبلير غير نادمين على ما حصل، لا بل إنهما يؤكدان بغرابة كبيرة أن الاحتلال كان بغية منح الحرية للشعب العراقي وإزالة خطر الرئيس الراحل صدام حسين ونشر الحرية والديموقراطية، لا بل إن بلير يخفف كثيرا من الأسباب النفطية والاقتصادية خلف الاحتلال قائلا إنه أمام «غباء التحليل» الذي يفيد بأن النفط كان هدف احتلالنا للعراق، يمكنني القول «إنه لو كان النفط هو مثار اهتمامنا، لكنا استطعنا توقيع عقد مع صدام بسرعة كبيرة، وكان سيقبل بذلك طواعية مقابل رفع العقوبات وعمليات التفتيش».
ولعل اللافت في كلام بلير عن الإسلام والمسلمين هو تسخيفه لقضية القدس ودور المسلمين فيها، فيقول إن «احتلال الأرض الفلسطينية، يعتبر من وجهة نظر معينة، ظلما، ولكن المنطقة بأكملها محشوة بالظلم، وأما ما جعل الأوضاع تشكل تهديداً فعلياً للأمن الدولي فهو الوضع المقدس للإسلام في القدس، ذلك أن المسلمين يعتبرونها ثالث الأماكن المقدسة لأن النبي نقل إليها بالحلم، وبالتالي فإن احتلال تلك الأرض من قبل اليهود شكل تحدياً، وحقارة ورمزاً لضعف الإسلام».
وفي الكتابين شرح مفصل لكل ما جرى في العراق، وهو جدير فعلا بالقراءة لفهم ما حيك وما كان سيحاك في المنطقة، والأخطر من ذلك هو أن ما جرى، وما كان سيجري، إنما تم بغطاء عربي من دول تعتبر نفسها «معتدلة».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018