ارشيف من :أخبار لبنانية
جلسة الأربعاء.. جس نبض للتفاهم بين الرياض ودمشق
خضر طالب، السفير
أين التسوية السورية ـ السعودية وما هو مصيرها؟ وهل أصبحت عاجزة وقاصرة عن اجتراح الحلول المناسبة للأزمة في لبنان؟ أم أنها سقطت بفعل الضغوط عليها؟ وهل لهذه الأسباب عادت لغة التصعيد السياسي؟
أسئلة بقيت خلال الأيام الماضية تبحث عن أجوبة بين سطور الأجواء السائدة في كل من دمشق والرياض، خصوصاً بعد زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى باريس، وفي ضوء التصريحات الأميركية الرسمية التي توحي بأن الولايات المتحدة الأميركية غير موافقة على أي مشروع تسوية على القرار الاتهامي أو المحكمة الدولية.
كل ذلك كان يجري بالتزامن مع ارتفاع حدة الخطاب السياسي في بيروت بما يوحي أن التسوية السورية ـ السعودية تواجه تعقيدات ما أو أنها قد بلغت الحائط المسدود، أو أنها لم تعد تملك القوة التي يمكنها أن تؤمن التوافق اللبناني على مضمون هذه التسوية، إما لأنها فقدت المبادرة بعد التدخل الأميركي المباشر على خطها لعرقلتها، وإما لأن أحد طرفيها لم يعد يمتلك الحماسة، أو أن هذا الطرف قد تغيّرت حساباته بفعل معطيات جديدة أو مداخلات أو وقائع داخلية تمنعه من الاستمرار في خيار التسوية.
وبقي السؤال عن دور السعودية الأساسي في صياغة التسوية، خصوصاً مع استمرار حالة الانتظار في سوريا للردود السعودية الأخيرة على آخر الاقتراحات التي جرى التداول فيها بين العاصمتين عبر موفد الملك عبد الله نجله الأمير عبد العزيز، وقد طال انتظار هذه الأجوبة بسبب معلن هو مرض الملك عبد الله.
كان القلق يتصاعد في لبنان مع تآكل الوقت الفاصل عن صدور القرار الاتهامي، مما ساهم في رفع درجة حرارة التوتر السياسي، واحتدام النقاش حول موعد الخطوة المفترضة من رئيس الحكومة سعد الحريري لاستيعاب تداعيات هذا القرار الاتهامي، في ظل ميل واضح للرئيس الحريري بتأخير هذه الخطوة إلى ما بعد صدور القرار الاتهامي عبّر عنه علناً، أكثر من قيادي في «تيار المستقبل».
هذا الواقع ساهم في تعزيز الاقتناع بأن التفاهم السوري ـ السعودي معطّل أو مجمّد، ما دفع حزب الله لإعادة الزخم لمطلب إحالة ملف شهود الزور إلى المجلس العدلي، والتلويح بورقة تعطيل العمل الحكومي إذا لم يدرج هذا البند أولاً على جدول أعمال اجتماع مجلس الوزراء، بينما كان الرئيس الحريري يحاول الإمساك بورقة صلاحياته الدستورية المتعلقة بتحديد جدول أعمال مجلس الوزراء بهدف إقصاء هذا الملف عن التداول حالياً، وهو كان أبلغ سابقاً رئيس مجلس النواب نبيه بري أنه لا يستطيع تحمّل عبء تداعيات إحالة ملف شهود الزور إلى القضاء العدلي، إلا أنه اكتشف أنه غير قادر على تحمّل وزر الشلل الحكومي، فذهب إلى تحديد موعد جلسة للحكومة في توقيت مدروس على أمل أن يسبق انعقادها إحالة القرار الاتهامي من قبل المدعي العام في المحكمة الدولية دانيال بيلمار إلى قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين، فيكون الرئيس الحريري قد حقق بذلك نصف ما يريد.
وسط هذه الأجواء، جاء التلميح لوجود مهلة أخيرة للجهود السورية ـ السعودية، إلا أن التلميح بلسان النائب محمد رعد، سرعان ما بدّد بتوضيح يؤكّد أن القصد لم يكن من باب تحديد مهلة، وهو توضيح ما كان ليصدر لولا أن في الأفق ما يوحي أن الاتصالات ما تزال ناشطة وأن الانتظار الثقيل لا يغير من جدية ونجاح هذه الاتصالات.
أعاد توضيح رعد الأمل بأن مشروع التسوية ما زال ساري المفعول، وأن دمشق والرياض ما تزالان «على الخط» في الأزمة اللبنانية، مما يعني أن الخط ما زال مفتوحاً بين العاصمتين وأن أفق الحل لم يبلغ بعد حائطاً مسدوداً، بل على العكس، فإن الأفق يبشّر بقرب الشروع في تنفيذ بنود التسوية برغم كل الضجيج اللبناني، لأن الملف اللبناني ما زال مرتبطاً بمجموعة ملفات في المنطقة، وعلى الأخص بالملف العراقي، ولأن الاتصالات السورية ـ السعودية ـ الإيرانية ـ الفرنسية ـ الأميركية لم تنجز بعد كامل «التفاهمات» في العراق ولبنان والملف الفلسطيني وأفغانستان، وإن جرى تفكيك هذا الارتباط جزئياً بإبقاء «حبل الصرّة» اللبناني مربوطاً بالوضع في العراق.
وإذا صحت المعلومات التي جرى التداول بها أمس عن اتفاق الكتل السياسية العراقية لحسم عملية تشكيل الحكومة العراقية، فإن ذلك يعني مبدئياً إن سلّة التفاهمات الكبرى في المنطقة قد انطلقت، وبالتالي فإن عقبة رئيسة تكون قد زالت من أمام مشروع التسوية السورية ـ السعودية في لبنان والتي كانت تقف عند الحاجز الذي نصبته الولايات المتحدة مطالبة بحصتها في هذه التسوية بمكاسب في ثلاثة ملفات حيوية بالنسبة لها ولم تعد قادرة على التصرف فيها من دون الشركاء الآخرين، وتحديداً سوريا وإيران، وهي ملفات العراق وفلسطين وأفغانستان.
وفي حال كانت هذه النظرية صحيحة، فإنه تبعاً لذلك يمكن فهم أبعاد التصعيد السياسي الأخير في لبنان الذي واكب التشدّد الأميركي في التعاطي مع مسألة المحكمة الدولية والقرار الاتهامي، باعتبار هذا التصعيد وسيلة ضغط أميركية للحصول على أثمان في الكباش السياسي القائم بين الإدارة الأميركية وبين سوريا وإيران.
معنى ذلك أن التسوية السورية ـ السعودية التي تصاعد القلق على مصيرها، ما تزال على قيد الحياة وهي لامست أدقّ التفاصيل اللبنانية، إن على مستوى الأزمة الحالية أو على مستوى التركيبة السياسية وآلية تطبيق اتفاق الطائف ومعالجة الثغرات التي ظهرت فيه، وقد أنجزت بالكامل، في انتظار التوقيت المناسب للشروع في تنفيذها عبر الأطراف اللبنانيين، وربما كان موعد إطلاق عجلة العمل بموجبات التسوية قد بات قريباً، خصوصاً أن محطة جلسة مجلس الوزراء يوم الأربعاء المقبل ستشكّل اختباراً لتماسك التفاهم السوري ـ السعودي... في ظل قرار عربي تبلغه الجميع مفاده ممنوع انفراط العقد الحكومي في لبنان وعلى الجميع معالجة ملف شهود الزور تحت سقف الاستقرار والحفاظ على الواقع الحكومي رغم هشاشته.
فهل كان التصعيد السياسي هو المخاض الأخير ما قبل ولادة التسوية؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018