ارشيف من :أخبار لبنانية

التسوية المحتملة كجزء مـن تــوازن إقـليـمـي

التسوية المحتملة كجزء مـن تــوازن إقـليـمـي

سليمان تقي الدين ـ "السفير"

نجحت الجهود الإقليمية والدولية لاحتواء القرار الاتهامي أم لم تنجح، فإن البلد يحتاج إلى تفاهمات من نوع جديد. المحكمة الدولية لم تكن إلا فصلاً من فصول الأزمة وأداة من أدواتها. في مطلع أيلول 2004 انفتح الملف اللبناني بجميع تناقضاته التي اختصرها القرار 1559 في ثلاثة: إدارة السلطة بين الجماعات من خلال معركة رئاسة الجمهورية والجهة المقرّرة فيها، العلاقة مع سوريا، ومسألة المواجهة مع إسرائيل. لم نحسم بعد أياً من هذه القضايا برغم «تسوية الدوحة»، التي انطوت على التباسات فرضتها اللحظة السياسية الانفجارية لأحداث أيار 2008 بالفعل وردة الفعل.
في ما يشاع عن الأفكار المتداولة للتسوية يتركز الجهد على نزع عناصر الأزمة الراهنة بشقيها، قرار المحكمة وملاحقة شهود الزور، على أن يُعاد ترتيب توازن السلطة وإدارة البلد على أساس التعايش بين سلاح المقاومة والإدارة الاقتصادية والسياسية الداخلية، ويضمن هذه التسوية الطرفان السوري السعودي بموافقة إقليمية ودولية أوسع.

حظوظ هذا المخرج كبيرة عربياً لكن الدور الأميركي الإسرائيلي لا يمارس الاعتراض فقط، بل هو يضغط في الداخل والخارج لتعطيل هذا المسار. كل ما يصدر من مواقف دولية لحماية المحكمة وادعاء «استقلالها»، وكل ما يصدر في الداخل اللبناني من اتكال واستقواء بما يسمى «المجتمع الدولي» ليس إلا تموضعاً ورهاناً على الهراوة الدولية أو الإسرائيلية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة. المشكلة هنا ليست في التفاصيل بل في المنطلقات.

اتسعت وتعدّدت أطراف الطبقة السياسية التي تجرّأت على إعلان موقفها في طلب المهادنة مع إسرائيل بفعل التراجعات العربية وتعقيدات الصراع الإقليمي. لكن هذه الرهانات لم ترَ الجانب الآخر من الصورة. تستطيع الولايات المتحدة خلق الأزمات والمشكلات وشن الحروب لكنها لا تستطيع الخروج منها كما تريد وتشتهي. الأساس في ما جرى هو غلبة دور القوى الإقليمية الممسكة بالجغرافيا السياسية وبالوجود المادي المستقر.
احتوت المنطقة الاندفاعة العسكرية الأميركية في أفغانستان والعراق، والعدوان العسكري الإسرائيلي على لبنان وغزة، وفكّكت آثاره لمصلحة دور يتقدم لما فيه تخفيف الضرر على الدول الإقليمية التي تستطيع أن تعالج نتائج الفوضى، وهي الثلاثي الإيراني السوري التركي. لقد صار القرار الاتهامي ومعه المحكمة جزءاً من تفاوض دولي الأمر الذي يؤكّد على الدور والوظيفة السياسية، وعلى النتيجة السياسية التي تحكم مسارهما. ومن كل هذا حصة اللبنانيين هي الأقل والأضعف. وفي مكان آخر حصة العرب كذلك. ولعلنا بتنا نلمس بوضوح ضعف الدور السعودي وقدرته على المبادرة أو حتى المشاركة الفاعلة في صياغة التسويات.

لقد صار التجاوز على دور المملكة السعودية مكشوفاً من اتفاق مكة الفلسطيني، إلى رفض مبادرتها العراقية، إلى تطويق مساعيها اللبنانية، سواء أتمّ ذلك بقرارات الدول أم بواسطة الأطراف المحليين، أو حتى عبر تنازع التأثيرات السعودية الداخلية. يتعامل الأميركيون مع الأقوياء والفاعلين على أرض المنطقة ويتصرفون نيابة عن أصدقائهم العرب ولا يحسبون لهم حساباً. ما يسمّى دول الاعتدال يوظف موقفها سلباً ويُستخدم كغطاء شرعي للتنازلات لا أكثر. فحين تصوغ أميركا التسويات في العراق أو فلسطين أو لبنان لا تحفظ لهؤلاء مصالحهم ولا حتى ماء وجوههم.

لا نشك مثلاً في رغبة الملك السعودي في أن يجد حلاً لأزمة لبنان الداخلية لأكثر من اعتبار. لكن عدم إنجاز تسوية يظهر أن فريقه اللبناني أكثر ارتباطاً بالدور الأميركي المباشر ويرجح الموقف الأميركي إذا وقع التباين بينهما كما في جولات سابقة. وفي حصيلة كل المخارج يتراجع الدور العربي ويتقلّص إلى حدود خارطة نفوذ ترسمها أميركا على أساس مربعات، في الشمال الأفريقي ووادي النيل والخليج والمشرق العربي. وفي هذه المربعات يبدو الطرف العربي دائماً هو الأضعف. انكفأت الدول العربية عن المشاركة في ما يعتبر أمنها القومي إلى حدود التصرف كدول لديها مشكلات حدود ونزاعات جوار. على الأقل صارت أولوياتها من هذا المستوى بحيث لم تعد تنظر إلى الخطر الصهيوني إلا كعنصر من عناصر نزاعات أخرى.

في مكان ما أولويات هذه الدول ما يمكن أن تكسبه سوريا من نفوذ في لبنان وليس إسرائيل أو إيران في العراق وليس أميركا وإسرائيل. وهي لم تتعامل مع الدور التركي المستجدّ كإضافة جدية لزيادة وزن الدول الإقليمية في مواجهة الهيمنة الأميركية وفي مكوّناتها إسرائيل. في هذه المعطيات هناك «شرق أوسط» يتبلور، مكوّنه العربي هو الأضعف، ولو أن إسرائيل هي أيضاً ليست محوره ولا الطرف الأقوى فيه. قد لا نكتشف اليوم كل الأبعاد والنتائج، لكننا سنواجه تحديات على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، بعد الأمن والسياسة، ليست من باب الهوية بل من باب التبعية والدونية والالتحاق.

مشكلتنا في لبنان أننا نضخّم ونكبّر مشكلات المنطقة ونعكسها سياسياً وأمنياً واقتصادياً وثقافياً. النقص الفادح في الاندماج الوطني ليس فقط أزمة هوية بل هو في الأساس أزمة مواطنة وأزمة دول وأنظمة ليست أولوياتها متجهة إلى تقدمها الاجتماعي. السياسة والأمن كما نفهمهما ونمارسهما معادلة سلطوية وليس منافسة في تحديات أهم هي تحديات الحضور والمشاركة على مسرح دولي يهيمن بوسائل وأشكال عديدة إحداها الأمن ولا يختصرها الأمن. ندور في حلقة مفرغة حول العقائد والإيديولوجيات وتنازع السلطة والنفوذ والبحث عن مكتسبات يقتطع منها الخارج دائماً النصيب الأكبر. ننتصر وننكسر، نتقدم ونتراجع تحت سقف منخفض لأننا لم نحسم بعد في قواعد العيش معاً وسوية في إطار البحث عمّا هو مشترك ومصالح عامة ومتطلبات إنسانية للخوض في التحديات المعاصرة. ولأننا كذلك نطلب «الوصاية» ونطلب «الحماية» ونصارع ضد كل ما هو إيجابي وضد كل إنجاز وطني لا يصرف في رصيدنا الخاص والفئوي.

2010-12-21