ارشيف من :أخبار لبنانية
تركيا: تحوّلات داخلية كبرى وحذر خارجي
محمد نور الدين ـ "السفير"
تودع تركيا عاماً استثنائياً بكل المقاييس. وبعد ثماني سنوات من السلطة يجد حزب العدالة والتنمية نفسه أمام المزيد من الإنجازات التاريخية وفي الوقت ذاته أمام المزيد من التحديات.
بعد ثماني سنوات يتأمل «العدالة والتنمية» نفسه، وينظر إلى المشهد التركي العام ليرفع علامة نصر واضحة على ما تحقق من ثورة يومية ومستمرة ومفتوحة في بلد كان شبه مغلق على التغيير والإصلاح، فإذا به يخرج من القمقم ويتحول إلى رقم صعب في المعادلات الإقليمية والدولية.
بعد القفزة الإصلاحية الكبيرة عامي 2003 و2004 بدا حزب العدالة والتنمية كما لو انه غادر الإصلاح أو نسيه. الكوابح الداخلية ألقيت كلها دفعة واحدة في وجهه في السنوات التي تلت. محاولات انقلابية، تدخل فاضح للعسكر في الشأن السياسي والدستوري بل محاولة من قبل القضاء لاقتلاع الحزب من المشهد السياسي برمته، تحريك حزب العمال الكردستاني في عمليات نوعية من شمالي العراق، وتشديد الحركة الكردية في الداخل الضغوط من أجل حكم ذاتي موسع جداً.
لكن الحزب صمد، وما إن لاحت له فرصة جديدة حتى كان يلقي بقفازاته في وجه الجميع من معرقلي التغيير، فكان استفتاء 12 أيلول 2010 أحد أهم التحولات الدستورية في تاريخ تركيا، إذ وضعت الإصلاحات التي وافق عليها الشعب بنسبة 58 في المئة حداً حاسماً لتسلط المؤسسات القضائية، مثل المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاة والمدّعين، على الحياة السياسية كما وضعت نهاية لنظام الوصاية العسكرية من خلال تكبيل يد المؤسسة العسكرية وإخضاعها لرقابة المؤسسات المدنية.
وأفضل تعبير عن هذا التحوّل هو أن الحكومة لم تشأ أن تنهي العام الحالي إلا وتكون «محاكمة العصر» للمخططين لمؤامرة «المطرقة» لقلب الحكومة قد بدأت، وجلّهم من الجنرالات الحاليين والمتقاعدين.
ونجح حزب العدالة والتنمية في حماية موقعه المركزي في الحياة التركية من خلال التنمية الاقتصادية، والمبادرات الخلاقة، وإن تكن غير كافية، تجاه الأقليات العلوية والشيعية والمسيحية. ومع أن اتفاق زوريخ حول المسألة الأرمنية شكل اختراقاً في هذه المسألة غير أن حسابات أنقرة الأذرية حالت دون ترجمته على ارض الواقع ودون البحث في المطالب الأرمنية المزمنة. وإذا كان الحزب يظهر رغبة قوية في فك عقدة المسألة الكردية فإنه لا يزال عاجزاً عن تجاوز العتبة الأولى، رغم كل الخطوات التي اتخذها، إذ لا تزال الهواجس والمخاوف تتحكم بالعقلية التي يقارب بها هذه المسألة، كما أن الأبعاد الإقليمية والدولية من هذه المسألة، ولا سيما البعد الأميركي منها، لا يزال يعرقل حسم مسألة تواجد مقاتلي حزب العمال الكردستاني في شمالي العراق.
وما ساعد حزب العدالة والتنمية وزعيمه رئيس الحكومة رجب طيب اردوغان من التغريد منفرداً هو استحكام قبضة الجمود لدى معارضيه، ولا سيما حزب الشعب الجمهوري بزعامة دينيز بايكال. غير أن التغيير الذي حصل في أيار الماضي وأوصل كمال كيليتشدار اوغلو إلى زعامة الحزب حمل بعض الأمل لليسار العلماني بإمكانية إيجاد منافس لأردوغان في الداخل. لكن غياب الوضوح تجاه القضايا الأساسية لدى كيليتشدار أوغلو تلقي ظلالاً كثيفة من الشك حول جديته في إحداث تغيير جذري في النظرة التقليدية للحزب. ومع أن أصوات «الشعب الجمهوري» تقدّمت بعض الشيء في عهد كيليتشدار اوغلو فإنها لم تستطع حسم الصراع، إذ أن الاستقطاب الداخلي دفع بفئات محافظة ليست مؤيدة لحزب العدالة والتنمية إلى أن تعطي أصواتها إلى اردوغان للحؤول دون أي «انقلاب» في المعادلة الداخلية لمصلحة المتشددين العلمانيين.
ولن يدع حزب العدالة والتنمية هذه الفرص تفلت من يديه لتعزيز الثورة الدستورية من خلال الذهاب إلى الانتخابات النيابية في حزيران 2011، سيكون شعاره فيها إعداد دستور مدني جديد يحسم ما تبقى من تغيير ويفتح على تركيا جديدة، تكون جواز عبورها إلى الاتحاد الأوروبي إذا ما حسم الاتحاد الأوروبي خياره لتكون أنقرة عضواً كامل العضوية فيه خلال السنوات القليلة المقبلة.
أما على الصعيد الخارجي، فواصلت تركيا صعودها في الفضاء الإقليمي والدولي. ولا شك في أن دورها الحاسم في التوصل إلى اتفاق 17 أيار النووي مع إيران، وبمشاركة البرازيل، كان ذروة نجاح الدبلوماسية التركية على الساحة الدولية، وهو ما بدأ يجر عليها الحسد والويلات.
لقد حققت تركيا نجاحات لا تتناسب مع سرعة امتصاص المنطقة والعالم لها. لذا كان «الاتفاق» الإقليمي والدولي على كبح جماح الحصان التركي الهائج، ولم تكن قافلة «أسطول الحرية» وعمادها سفينة «مرمرة»، سوى الذريعة لمحاصرة الدور التركي وتأديب الدبلوماسية التركية، وإفهامها أن لحركتها ولنجاحاتها حدوداً لا يمكن تجاوزها. فكان الاحتضان الغربي الكامل والعربي الجزئي للهجوم الإسرائيلي على «أسطول الحرية» نهاية أيار الماضي ومسارعة هذه القوى لتغطية مرور قرار العقوبات رقم 1929 على إيران بعد أسبوع واحد على الهجوم على الأسطول الذي كان في احد أوجهه عقوبة على دور أنقرة في الملف الإيراني.
حادثة «أسطول الحرية» كانت نقطة تحول في العلاقات التركية الإسرائيلية، إذ للمرة الأولى يسيل الدم التركي على طريق تل أبيب ـ أنقرة، وللمرة الأولى يقتل مواطنون أتراك مدنيون في المياه الدولية، وهو ما فتح أمام شرخ عميق في العلاقات التركية الإسرائيلية، وفتح أمام أن تعتبر وثيقة الأمن الاستراتيجي الجديدة أو ما يعرف بالكتاب الأحمر السياسات الإسرائيلية تهديداً للاستقرار الإقليمي، وعدم الاستقرار الإقليمي هو تهديد للأمن القومي التركي. مقابل ذلك أخرجت دول مثل العراق وإيران وروسيا من دائرة التهديدات لتركيا.
مع ذلك بدا واضحاً للقيادة التركية أن مرحلة جديدة قد بدأت بعد «أسطول الحرية». وإدراك أنقرة لخطورة انعكاس التوتر مع إسرائيل وللبعد الدولي، الغربي والأميركي أساساً، من العدوان على «أسطول الحرية»، على حضور تركيا ودورها الإقليمي والدولي جعلها لا تتخذ إجراءات راديكالية ضد إسرائيل تتناسب مع حجم العدوان.
إن الدور التركي، الذي يتخذ من سياسة تعدّد البعد والمسافة الواحدة من جميع الأطراف، لا يمكن أن يتقدّم، أو حتى يحافظ على ما تبقى من انجازات في ظل وجود توتر قويّ في العلاقات مع إسرائيل وتالياً مع الغرب. وهو ما يدفع تركيا لفتح نوافذ تعيد تصحيح العلاقات مع إسرائيل، مع المحافظة على الحد الأدنى من «ماء الوجه» تجاه الرأي العام التركي.
وتبدّى ذلك جلياً في موافقة وزير الخارجية التركي احمد داود اوغلو في الاجتماع بوزير الصناعة والتجارة الإسرائيلي ديفيد بن اليعزر في 29 حزيران الماضي، رغم أن الدم التركي كان لا يزال ساخناً ومن دون أن تقدم تل أبيب على أي خطوة استرضائية ولو محدودة، بل تباهى مسؤولوها بأن جنودها قامــوا بواجبهــم وقُتل من كـان يستحق القتل.
والسعي التركي تبدّى أيضاً في مبادرة اردوغان شخصياً في إرسال طائرات لإخماد حرائق في شمالي إسرائيل مؤخراً، على الرغم من أن إسرائيل لم تكن أيضاً قدمت أي تنازل بل إن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو صرح بعد انتهاء مهمة الطائرات التركية أن الدولة العبرية لن تقدّم أي اعتذار أو تعويض.
بناء لذلك لا يتوقع أن تتقدم العلاقات التركية الإسرائيلية بصورة سريعة، نظراً للجرح العميق الذي طالها، لكن أنقرة ستواصل محاولاتها لإعادة تصحيح العلاقات في الحدود المعقولة، ولا سيما بعد إدراكها أن الموقف من إسرائيل هو جزء من علاقاتها مع الغرب والاتحاد الأوروبي.
لا تزال الدبلوماسية التركية حيوية في أكثر من مكان، متطلعة لتكون أنقرة لاعباً مؤسساً في الأنظمة الإقليمية والدولية «قيد التأسيس»، وان تكون مركزاً يستعيد «عثمانية» تتجاوز حتى العثمانية القديمة وإن بأشكال جديدة. ومع أن الدور التركي لا يزال ضرورة في العديد من الملفات، ولا سيما المتصل منها بالملف الإيراني حيث ستعقد الجولة المقبلة من المباحثات بين طهران والغرب في اسطنبول، إلا أن هذا الدور، وخصوصاً في الشرق الأوسط، بدا في الأشهر الأخيرة مرتبكاً ولا سيما في العراق، ويراد له أن يكون في لبنان في غير موضعه الوسطي، وأقل اندفاعاً من قبل في ما خص المسألة الفلسطينية ببعديها الفلسطيني - الإسرائيلي والفلسطيني ـ الفلسطيني وفي مسألة كسر الحصار عن غزة.
ورغم ارتفاع الخطاب الإيديولوجي إلى ذروته، ولا سيما في ما يتعلق بالقدس والأقصى، فإن المبادرات التركية العملية غابت، في انعكاس واضح مفاده أن الدبلوماسية التركية باتت أكثر تحفظاً وتأنياً منعاً للقيام بخطوات غير محسوبة، تهدم ما تحقق في انتظار تبلور مستقبل العلاقات التركية الغربية في المرحلة المقبلة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018