ارشيف من :أخبار لبنانية

بلمار لا يُسقط الاشتباه في مسؤولين سوريّين

بلمار لا يُسقط الاشتباه في مسؤولين سوريّين

عمر نشابة ـ "الاخبار"

بقّ دانيال بلمار البحصة معترفاً بأنه قد يعتمد نتائج التحقيقات التي أجراها ديتليف ميليس وخلصت إلى أن بعض المسؤولين السوريين، ومنهم ماهر الأسد وآصف شوكت وبهجت سليمان، ضالعون، مع جميل السيد، في جريمة اغتيال رفيق الحريري. هل بسبب ذلك يرفض بلمار، ومعه من معه في لبنان، محاسبة «شهود الزور»؟

«إن ملفّ التحقيق لدى المدعي العام والأدلة التي يتضمّنها لا يمكن تقسيمهما إلى جزء يتعلّق بالهجوم على (الرئيس رفيق) الحريري وجزء آخر يتعلّق باعتقال المستدعي (اللواء الركن جميل السيّد). إن التحقيق الذي أدى إلى اعتقال المستدعي كان جزءاً أساسياً (integral part) من التحقيق في الجريمة الإرهابية التي استهدفت رفيق الحريري. هذا التحقيق مستمرّ ولا يمكن تقسيمه إلى شرائح (it cannot be separated into tranches)». بهذه العبارات الواضحة التي وردت في الفقرة 12 من كتاب وجّهه المدعي العام في المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري دانيال بلمار إلى قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين يوم الجمعة الفائت (17 كانون الأول)، كُشف أن نتائج التحقيقات التي أجرتها لجنة التحقيق الدولية المستقلّة برئاسة الألماني ديتليف ميليس تمثّل جزءاً من تحقيقات مكتب المدعي العام. وبالتالي فإن الاشتباه في ضلوع مسؤولين عسكريين وسياسيين وأمنيين سوريين في جريمة 14 شباط 2005 ما زال قائماً في التحقيقات التي يجريها مكتب المدعي العام، والتي اقترب موعد ترجمتها الى قرار اتهامي دولي. وكانت وسائل إعلام عالمية بما فيها «لو فيغارو» و«لوموند» الفرنسيتان و«دير شبيغل» الألمانية و«سي بي سي» الكندية قد نشرت تقارير تؤكد أن بلمار سيتّهم أشخاصاً على صلة بحزب الله بارتكاب الجريمة. ولا يتناقض ذلك مع ما خلص إليه ميليس من أن من نفّذ الجريمة «مجموعة على درجة فائقة من التنظيم وذات موارد وقدرات كبيرة».

يُذكر أن التقرير الذي أرسله ميليس إلى مجلس الأمن الدولي في 19 تشرين الأول 2005 (طبقاً لمقتضيات القرار 1595) نصّ على أن «هناك التقاءً في الأدلّة يشير الى تورّط لبناني وسوري، على السواء، في هذا العمل الإرهابي (...) وفي ضوء تغلغل دوائر الاستخبارات السورية واللبنانية، عاملة جنباً إلى جنب، في المؤسسات اللبنانية والمجتمع اللبناني، من الصعب تخيّل سيناريو تنفذ بموجبه مؤامرة اغتيال على هذه الدرجة من التعقيد من دون علمهما». كذلك ورد في الفقرة 96 من التقرير أن «مسؤولين لبنانيين وسوريين كباراً قرروا اغتيال رفيق الحريري بعد أسبوعين تقريباً من اتخاذ قرار مجلس الأمن 1559 (2004). وزعم أن ضابطاً أمنياً لبنانياً كبيراً توجّه مراراً الى الجمهورية العربية السورية للتخطيط للجريمة، حيث عقد مرة واحدة اجتماعاً بفندق الميريديان في دمشق، فضلاً عن اجتماعات متعدّدة في القصر الجمهوري ومكتب أحد كبار ضباط الأمن السوريين. وعقد آخر اجتماع في منزل ضابط الأمن السوري الكبير، وذلك قبل فترة تراوح بين 7 و10 أيام تقريباً من عملية الاغتيال». وكان ميليس قد أزال أسماء الأشخاص الذين يدّعي أنهم حضروا اجتماعات التخطيط لاغتيال الحريري من التقرير الذي رفعه إلى مجلس الأمن، لكنّ نسخة عن النصّ الأساسي للتقرير تذكر أسماء «ماهر الأسد وآصف شوكت وحسن خليل وبهجت سليمان وجميل السيد» (في نصّ الفقرة نفسها ـــــ 96).

ميليس ادّعى أنه جمع معلومات وأدلّة عن ضلوع مسؤولين سوريين في الجريمة من شهود سمّى اثنين منهم (محمد زهير الصديق وهسام هسام). ويعدّ هؤلاء الشهود شهود زور يطالب جزء لا يستهان به من اللبنانيين بإحالة قضيتهم على المجلس العدلي تمهيداً لمحاسبتهم، لكنّ بلمار يصرّ على عدم تسليم المستندات التي يمكن أن يستخدمها القضاء لمحاسبتهم.

تشريع الاعتقال التعسّفي؟


كتاب دانيال بلمار إلى دانيال فرانسين المذكور في مطلع هذا المقال جاء استجابة لطلب هذا الأخير الإجابة عن أسئلة كان قد طرحها على بلمار والسيّد في 17 أيلول الفائت أثناء حسمه أن طلبات السيّد لتسلّم مستندات تساعده على ملاحقة المسؤولين عن اعتقاله التعسّفي لنحو أربع سنوات تدخل في اختصاص المحكمة الدولية. وقبل عرض أبرز النقاط التي تضمّنها كتاب بلمار لفرانسين، لا بدّ من التذكير بأنّ مكتب المدّعي العام كان قد طعن بقرار فرانسين بعدما كان رئيس دائرة الادّعاء في مكتب بلمار الأميركي داريل مندس قد رفض الإجابة عن أسئلة وجّهها القاضي خلال جلسة استماع علنية عُقدت في 13 تمّوز الفائت. لكنّ بلمار وفريقه تلقّيا صفعة قوية من محكمة الاستئناف التي ردّت الطعن وألزمته بالانصياع الفوري لطلبات قاضي الإجراءات التمهيدية.

في المحصّلة، بسبب ذلك الصدام القضائي الداخلي، يعاني بلمار توتّرات زادت تسريبات ويكيليكس عن تداولاته السياسية مع الأميركيين من حدّتها. وبينما نفى أحد المحقّقين المقرّبين منه أن يكون قد تأثر سلباً بقرار محكمة الاستئناف أو بما ورد في وثائق ويكيليكس، دلّ مضمون كتابه على تناقض مع ما كان قد لمّح إليه سابقاً عن عدم أخذه بنتائج التحقيقات التي أنجزها ميليس. فما الذي يدفعه اليوم إلى الحسم باستحالة تقسيم التحقيق الدولي الذي بدأ عام 2005 إلى شرائح، بينما كان قد ميّز «شريحة» تحقيقاته وتحقيقات سيرج براميرتس عن «شريحة» التحقيقات التي أجراها ميليس ومساعده غيرهارد ليمان؟

يمنع بلمار، منذ تولّيه مركز المدّعي العام، أشخاصاً اعتُقلوا تعسّفياً (وتوصيف الاعتقال بالتعسّفي جاء في نصّ صدر عن لجنة حقوق الإنسان في جنيف عام 2007) من ملاحقة المسؤولين عن ذلك عبر رفضه تسليمهم مستندات تسمح بالادعاء على أشخاص محدّدين. ومن بين تلك المستندات ما قد لا يصنّف بالسرّي، مثل خلاصة الرأي الذي بعث به بلمار وقبله براميرتس إلى القاضي سعيد ميرزا بخصوص استمرار اعتقال الضباط أو عدمه. وفي كتابه إلى فرانسين، يشدّد على أن معايير حقوق الإنسان والمبادئ الدولية للقوانين الجنائية لا تلزمه تسليم المستندات التي يطلبها السيّد. ويتّهم بلمار السيّد ووكلاءه بالقيام بما يشبه صيد السمك (fishing expedition)، بمعنى أنهم يطلبون عدداً كبيراً من المستندات كي يتمكّنوا من الحصول على بعضها. ويشكّك بلمار في ماهية استخدام السيّد للمستندات التي يطلبها (الفقرة 17).


2010-12-21