ارشيف من :أخبار لبنانية
ورقة التسوية في «جيب» الحريري تنتظر جوابه النهائي
خضر طالب - صحيفة السفير
بلغت الأجواء المتفائلة بنضوج التفاهم السوري ـ السعودي على التسوية في لبنان حدود تحديد مواعيد مبدئية لإبرام الاتفاق بين الطرفين ودعوة الأطراف اللبنانيين لترجمته لبنانياً بالآليات الدستورية، وزاد في اندفاعة تلك الأجواء تشكيل الحكومة العراقية نظراً للإرتباط الوثيق بين بيروت وبغداد من حيث التأثيرات المحيطة والتشابك في الملفين بين الدول المعنية والمؤثرة بالوضع في لبنان والعراق، فالتسوية الحكومية في العراق ما كانت لتتحقق لولا أن «الديل» قد «ركب» بين سوريا وإيران والسعودية والولايات المتحدة.
التطور الجديد الذي طرأ على هذا التفاهم ما زال غامضاً بالنسبة لمعظم اللبنانيين المتابعين لوقائع الاتصالات، باستثناء كل من الطرفين الأساسيين المعنيين: قيادة حزب الله ورئيس الحكومة سعد الحريري، إضافة إلى معطيات متقدّمة لدى مراجع لبنانية بدأت تتحدّث عن موعد تقريبي مطلع السنة الجديدة، وعلى الأرجح في حدود الخامس من كانون الثاني المقبل.
وعلى الرغم من الحذر السائد في التعاطي مع جو التفاؤل، إلا أن هناك من يجزم بأن التفاهم بلغ مرحلة التعيينات الأمنية، حيث جرى التفاهم على تثبيت مدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي في منصبه، وكذلك الأمر بالنسبة لرئيس فرع المعلومات في قوى الأمن العميد وسام الحسن بعد «تشريع» هذا الفرع قانونياً، بالاضافة الى حسم اسم المرشح لمنصب المديرية العامة للأمن العام.
لا تشتمل صيغة الحل فقط على الأزمة المتعلّقة بتداعيات عمل المحكمة الدولية والقرار الاتهامي، وإنما تتجاوزها إلى توزيع تركيبة السلطة وضمانات لآلية الحكم في المرحلة المقبلة، ومن ضمنها ضمانات خاصة لرئيس الحكومة بتسهيل عمل الحكومة وإطلاق عجلة العمل فيها.
لكن هذه المعطيات المبدئية المتفائلة، تقابلها أجواء لا تزال رمادية وتعطي حظوظاً متساوية بين التسوية والمشكلة، وهو ما يطرح على طاولة النقاش نقطة أساسية تزيد من مخاوف المشككين باحتمال نضوج التسوية، وهي المتعلّقة بـ«الظروف والدوافع» التي تحضّ كل الأطراف على تليين مواقفهم، وخلق المبررات لتقديم تنازلات من النوع الحاد. وثمة من يقول إن التسوية قد تكون قاربت على النضوج فعلاً لكنها تحتاج إلى «تحفيز» لن يتوفّر إلا في ظلّ «سخونة» ما في مكان ما. فهل تكون التسوية على «الساخن» أم على «البارد»؟
في رأي المقتنعين بأن التسوية ستسبقها سخونة، أن حجم التعقيدات الموجودة كبيرة جداً والتنازلات المطلوبة لا يمكن لأي طرف الإقدام عليها بيسر وطيب خاطر، ولذلك فإن التسخين قد لا يتوقف عند السقف السياسي الذي لا يستطيع دفع الأطراف لتقديم التنازلات. ولهذا فإن البعض يرى، وعلى سبيل المثال لا الحصر، أن «مهرجان طرابلس» قد يشكّل عنواناً للتسخين الأمني المتوقع، خصوصاً أن تداعيات هذا المهرجان بدأت تترجم نفسها بتصعيد داخل المدينة. لكن التسخين قد يجد منفذاً آخر في غير طرابلس، وهو الأمر المرجح، لأن عاصمة الشمال لا تستطيع تحمّل تبعات أي مشكلة أمنية، على الرغم من توفّر كل الظروف المناسبة لها.
أما المقتنعون بأن التسوية لديها حظوظ الخروج إلى النور على «البارد» فيعتقدون أن كل الأطراف من دون استثناء أصبحوا محشورين وهم لذلك محكومون، رضائياً أو كرهاً، بالتسليم والاستسلام لمفاعيل التفاهم السوري ـ السعودي وملتزمون مسبقاً بما ينتج عنه، فضلاً عن أن المساعي الحالية قائمة على قاعدة التهدئة الهشّة التي اضطر كل الأطراف للإنكفاء تحت عنوانها، ولم تؤثّر في تماسكها الخروقات المتبادلة والمتعددة.
لكن سقف الهدنة الزمني لا يبدو أنه ممتد إلى ما لا نهاية، وربما تكون هذه المرة في زمن ولايتها الأخيرة نظراً لتزاحم المواعيد مطلع العام المقبل، لذلك فإن العدّ العكسي في عمر هذه التهدئة قد بدأ فعلياً ولا إمكان لجرعة حياة إضافية لها، وهي اليوم بين خياري الموت الرحيم بالتسوية أو النزاع المؤلم.
كل ذلك يقود إلى مسلّمة أساسية، أن وقت الحسم في مسار الوضع اللبناني قد اقترب جداً، وأن الاتجاهات التي سيسلكها لبنان قد باتت واضحة عند مفترق مفصلي في نهاية العام الجاري. وهذا ما يؤكّده مرجع كبير يفترض أنه يملك من المعطيات ما يكفي لتكوين انطباعات تفاؤلية إلا انه يربط استمرارها وترجمتها بما ستقوله الإدارة الأميركية التي لديها «سلطة الفيتو» على التسوية السورية ـ السعودية في لبنان، وهي إلى اليوم أقرب إلى الإيجابية منها إلى السلبية في استخدام هذا «الفيتو».
ويجزم المرجع المذكور أن التسوية «ماشية» وورقتها في جيب سعد الحريري تنتظر توقيعه عليها، خصوصاً أن هناك نقاطاً كانت عالقة جرى تعديلها وحتى اليوم لم يحسم الرئيس الحريري موقفه منها.
قبل نهاية العام الجاري يعبر لبنان آخر أيام التهدئة المتفق عليها، ليسلك طريقاً من اثنين: التسوية على البارد، أو السخونة التي تؤدي إلى تغيير جذري في الواقع السياسي اللبناني.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018