ارشيف من :أخبار لبنانية
مهمة "فوق العادة" استوجبت زيارة أمير قطر لإيران
نبيل هيثم ** صحيفة "السفير"
في موازاة المقاربات الانتقادية التي أطلقها بعض أطراف «14 آذار» حول ما قاله مرشد الثورة الإسلامية في إيران السيد علي الخامنئي عن المحكمة الدولية، لم يجد أحد الدبلوماسيين العاملين في طهران، والموجود حاليا في بيروت، إلا أن يقول لهؤلاء «دققوا ليس في كلام الإمام الخامنئي، ذلك أن الطبيعي والبديهي أن يصدر عنه موقف كهذا، ولكن كان ينبغي السؤال، ما الذي سمعه من أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، في هذا الموضوع بالذات حتى صدر عنه هذا الكلام، وهل هو موجه للداخل اللبناني أم لمن حمل المسؤول القطري رسالة وطلب منه نقلها إلى المسؤولين الإيرانيين»؟
بدا تعليق الدبلوماسي المذكور نابعا من يقينه بأنّ المقاربات التي حاولت ملامسة كلام السيد الخامنئي، عبرت بما لا يقبل الشك عن جهل واضح لدى هؤلاء لحقيقة ما يجري من حولهم، ومن هنا، يعكس الدبلوماسي المذكور ارتياحا للكلام «الهادئ والموضوعي والمدروس» الذي بدر عن رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري في معرض تعليقه على كلام الخامنئي، وكأن زعيم «المستقبل» تقصد الإيحاء بأنه يعلم شيئا لا يعلمه الآخرون، وتلك إشارة بالغة الوضوح منه لإقفال حنفيات الهجوم والانتقاد من جانب تيار المستقبل خاصة و14 آذار عامة.
وفي اعتقاد الدبلوماسي نفسه أن مقاربة الكلام الايراني يجب ان تتم ليس من خلال التقدير السطحي، بل من خلال التعمق في ثنايا كلام الخامنئي ومقاصده، وبالتالي وضعه في سياقه الحقيقي، خاصة أنّه ليس جديدا ومفاجئا، بل هو تعبير عن موقف مبدئي عبرت عنه المراجع الايرانية كافة في مناسبات مختلفة، بالاضافة الى أن هذا الكلام سمعه الرئيس الحريري، وربما حرفياً، من الخامنئي خلال زيارته الاخيرة الى طهران.
واذا كان ثمة من توقف عند توقيت إعلان الموقف الايراني من المحكمة، وحاول أن يدخل هذا الموقف كعنصر تشويش غير مساعد على خط الجهود العربية السورية السعودية، فإن قطبا سياسيا يلفت الانتباه الى ما سماها «ملاحظات جوهرية» هي الآتية:
الأولى، صحيح أن للجمهورية الإسلامية موقفها المبدئي والثابت ضد المحكمة الدولية المسيسة، إلا ان ما يجب الانتباه إليه هو أن أمير قطر هو الذي زار طهران، ووفـّر للقادة الإيرانيين فرصة الاستفادة من الزيارة القطرية لكي يقولوا ما قالوه ويطلقوا هذا الموقف.
الثانية، أن الوقت المقتضب جدا لزيارة الشيخ حمد الى طهران، يجعل كل مراقب يصل إلى استنتاج فوري بأن مهمة فوق العادة هي التي حركت الأمير القطري في هذه الزيارة، وهي التي أملت اللقاء السريع مع مرشد الثورة.
الثالثة، ان ما يجب أن يؤخذ في الاعتبار أن القطري عندما يقوم بتحرّك معيّن فإنه لا يقوم بذلك بدلاً عن ضائع أو كما يحلو للبعض ان يقول بأنه يتحرّك لملء الفراغ السعودي، بل انّ حركته تكاد تشبه وظيفة «ساعي بريد دولي»، يتولى نقل الرسائل المهمة بين الاصدقاء المشتركين. والأكيد في هذه المرحلة أنه لا ينقل رسالة من السعودية.
الرابعة، ان زيارة حمد ترتدي وجهين، يؤشر الاول الى أنها تصب مباشرة في الجهد العربي والاسلامي لاحتضان لبنان وإنقاذه من تداعيات المحكمة الدولية والقرار الاتهامي. ويؤشر الثاني، الى ان زيارة حمد تمت بدفع أميركي وتندرج ضمن سياق الحوار غير المباشر أو غير المعلن بين الولايات المتحدة وايران حول أكثر من ملف في المنطقة، وخاصة ملف العراق الذي تحرك بطريقة غير مسبوقة وأيضا أفغانستان.
الخامسة، ان من يحاول أن يعزل التحرك القطري تجاه ايران عن أي تحرّك أميركي، وأن يحصره ببعده القطري، مخطئ لان رد الخامنئي على اقتراحات حمد جاءت لتحدد ما هو الممكن وما هو المستحيل. وقد قدمه مرشد الثورة بنبرة حاسمة وقاطعة، قاطعا الطريق بذلك على أية مساومات.
السادسة، لقد ظهر أن لزيارة حمد السريعة الى طهران ثلاثة عناوين أساسية، أولها أمن الخليج واستقراره، والثاني العلاقة بين السنة والشيعة والوحدة بين المسلمين، وأما العنوان الثالث فهو المحكمة الدولية. لكن اللافت للانتباه أن الخامنئي تعمد إظهار لبنان كنقطة ارتكاز أساسية بين كل تلك العناوين وذلك من خلال التركيز على البعد اللبناني المرتبط بالمحكمة الدولية، كما إبراز الموقف العنيف لمرشد الثورة من تلك المحكمة، وبالتالي تقديم المحكمة الدولية ليس كأولوية في سلم الاهتمامات الايرانية فحسب، بل تقديمها كعنوان استقرار أو تفجير في المنطقة.
السابعة، من الواضح أن الخامنئي لا يخاطب جهود التسوية أو يحاول الدخول على خطها، ذلك ان الموقف الايراني من هذه المسألة واضح من خلال حركة السفير الايراني في لبنان، كما تم توضيحه للرئيس الحريري في طهران وأكثر من ذلك، فإن الامين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله ناب عن الايرانيين في واحد من خطاباته الاخيرة وأعلن ان ايران تبارك التسوية، ومعلوم انه عندما ينطق أمين عام «حزب الله» بموقف عن ايران، فإن مفاعيله توازي في أهميتها الكلام عن الايرانيين أنفسهم.
واذا كان مرشد الثورة الايرانية، بحسب قطب سياسي لبناني، قد أرسل رسالة واضحة الى رعاة المحكمة الدولية والقرار الاتهامي، وفي مقدمهم الاميركيون، تنطوي على تحذير من مقاربة المحرمات بالنسبة الى ايران، فإنه توجه في الوقت ذاته برسالة شديدة الوضوح الى «حزب الله» والى من يريد أن يسمع، تعكس جهوزية ايرانية للدخول في المعركة مباشرة انطلاقا من ان «حزب الله» هو الخط الاحمر بالنسبة الى ايران. وبمعنى آخر ومن خلال هذا الكلام المباشر والواضح ضد المحكمة، يؤكد الخامنئي ان ايران لن تقبل تحت أي ذريعة ان تحاول المحكمة تحقيق ما عجزت اسرائيل عنه خلال حرب تموز 2006.
ماذا بعد الكلام الايراني؟ .
في اعتقاد القطب السياسي أن هناك فريقا لبنانيا عربيا ودوليا بات على مقربة من الاقتناع بأن المحكمة أصبحت تشكل عبئا ثقيلا عليه، وهؤلاء يريدون القرار الاتهامي للمحكمة لكنهم قلقون منه، كما يريدون المحكمة ان تبقى سيفا مصلتا على رقبة «حزب الله»، فيما باتوا يشعرون ان سيف التداعيات قد يطال الجميع، ولذلك هناك طرق متعددة للخروج من الازمة، لكن الطريق الى مجلس الامن قد تكون أقصر الطرق لاختصار الازمة وتجنيب لبنان وربما المنطقة الدخول في الازمة الكبرى.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018