ارشيف من :أخبار لبنانية

سنة على مصالحة الأسد: الحريري يعود بها إلى الصفر

سنة على مصالحة الأسد: الحريري يعود بها إلى الصفر

نقولا ناصيف**صحيفة "الاخبار"

قبل أربعة أيام، 19 كانون الأول، انقضت سنة على مصالحة الرئيس سعد الحريري مع الرئيس بشّار الأسد، عندما زار دمشق لأول مرة في 19 كانون الأول 2009. فاتحة صفحة جديدة تطوي عداءً لأكثر من أربع سنوات بسبب اتهام سوريا باغتيال الرئيس رفيق الحريري
 

بعد أقل من سنة على مصالحة رئيس الحكومة سعد الحريري مع الرئيس السوري بشّار الأسد، وقعت القطيعة مجدّداً بين الرجلين. في الشهر العاشر، على أثر إصدار القضاء السوري في 3 تشرين الأول مذكرات توقيف غيابية في حقّ 33 شخصية بينها لبنانيون، ومن هؤلاء معاونون مباشرون للحريري، توقف نهائياً الاتصال بين الأسد والحريري، بعدما كان الحوار قد توقف أيضاً قبل ذلك، في 7 حزيران، بين الحريري والأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله.
هكذا، منذ أشهر، البابان الواسعان إلى أي تسوية داخلية، وإلى ضمان استمرار حكومة الوحدة الوطنية، ومنح الحريري القدرة على ممارسة الحكم والسلطة، موصدان في وجهه، من دون أن تكون ثمّة إشارات إلى إمكان استعادة الحوار معهما، وشيكة أو محتملة حتى.

كي يستقبله الأسد، على رئيس الحكومة إعادة بناء ثقة انهارت تماماً، وتصحيح طريقة إظهار استعداده في قطع التعهّدات وتنفيذها. وكي يستقبله نصر الله، عليه أن يذهب إليه بموقف جدّي وعلني يرفض القرار الظني ويصف المحكمة الدولية بالمسيّسة.

في الأشهر الـ10 المنصرمة، زار الحريري دمشق 5 مرات، عقد في كل منها مع الرئيس السوري أحياناً أكثر من اجتماع وخلوة.

والتقيا للمرة السادسة عندما زار الأسد بيروت مع العاهل السعودي الملك عبد الله. على أثر كل من هذه الزيارات، كانت الأصداء تشيع عن تقدّم مطرد في العلاقتين الشخصية والسياسية بين الرجلين، وعن توطيد الثقة وتجاوزهما مراحل السنوات الأخيرة من العداء. كان الأسد يؤكد دعمه للحريري على رأس حكومته، والأخير يعلن انضمامه إلى الخيارات الاستراتيجية لسوريا، بما فيها حماية المقاومة.

حتى في ظلّ الانقطاع الكامل للاتصالات بينهما، كان الأسد يقول إن الحريري هو الشخص المناسب جداً للمرحلة الحالية، ورئيس الحكومة يصرّ على علاقات مميّزة مع سوريا وثقة وطيدة مع رئيسها.

بيد أن ما قيل لم يُحدث، منذ تشرين الأول، ثغرة تعيد فتح أبواب الحوار. قال الأسد إن مذكرات التوقيف الغيابية السورية أتت نتيجة تلكؤ السلطة اللبنانية في معالجة الموضوع. وقال الحريري إن مذكرات التوقيف تلك أهانته أمام جمهوره وتيّاره، ولم تبق سواه وعائلته من المطاردة السورية. عندما لم يُظهر رئيس الحكومة استعداداً حقيقياً لتدارك تدهور علاقته بالأسد بالتحرّك حياله، أدار له الأخير ظهره.

في الآونة الأخيرة وجّه الحريري، في محاولة لكسر جدار الصمت المتبادل بينه ودمشق، عبر شخصية لبنانية غير رسمية تتنقل بين العاصمتين، ملاحظات لإبلاغها إلى القيادة السورية، على وجهة نظره من طريقة تعامل الرئيس السوري معه، مذ خطا أول مرة على طريق المصالحة مع الرئيس والنظام. وأدرج هذه الملاحظات التي وصلت إلى مسؤول سوري بارز في الآتي:

1ــ يأخذ الحريري على الأسد أنه لم يساوِ بينه كرئيس للحكومة وبين نصر الله، وأبقى كفة العلاقة راجحة لمصلحة الأمين العام لحزب الله الذي يتقدّم عليه عنده.
2ــ يأخذ الحريري على الأسد أن سوريا تحاول اجتذاب السنّة إليها بالمفرّق من خلال حلفائها في هذه الطائفة في بعض المناطق، ما يُشعره بمحاولة تفتيتها بغية إضعافه.

في حين أن ثقة وطيدة بينه والأسد من شأنها، من خلاله هو بالذات، أن تجتذب إلى سوريا الطائفة السنّية بالجملة.

3ــ يأخذ الحريري على الأسد أنه أوصد دونه أبواب الحوار، وهو يريد استعادة علاقته به. كذلك أوصد نصر الله باباً مماثلاً، الأمر الذي ضاعف من وطأة الانقسام الداخلي في لبنان من جراء انعدام الحوار المباشر بين الأفرقاء المعنيين، وتراكم المشكلات من دون حلول لها في مجلس الوزراء وخارجه. وأبلغ الحريري إلى حامل الرسالة أنه أخطر السعودية بأنه يوافق سلفاً على كل ما يقرّره عبد الله والأسد، مهما يكن، وهو يلتزم تنفيذه كاملاً.

كانت الانطباعات المستمدة ممّا أصغت إليه دمشق في ملاحظات رئيس الحكومة، الآتي:

1ــ فتح الأسد قلبه وبيته للحريري، وتجاوز البروتوكول المتشدّد المتبع في سوريا، وعامله كزعيم سياسي أكثر منه رئيساً للحكومة بأن احتضنه، ولم يُحل العلاقة معه على نظيره رئيس الحكومة السورية محمد ناجي العطري، شأن ما يقتضي أن يحصل في علاقات الدول بعضها مع بعض. وأبرَزَ له مراراً استعداداً للإصغاء إلى هواجسه ومخاوفه، ومساعدته على تخطي الصعوبات التي تواجهها حكومته.

2ــ حاول الأسد، في أكثر من لقاء عقده مع الحريري، التعاون وإياه على تحقيق إنجازات أساسية في العلاقات الثنائية بين البلدين في نطاقها المميّز، وفي العلاقة الشخصية معه، بغية توفير حلول للمشكلات التي كان يشتكي منها الحريري لديه. بيد أن التعهّدات التي قطعها رئيس الحكومة للرئيس السوري، وكرّر معظمها في أكثر من لقاء بينهما، لم يشقّ أي منها طريقه إلى التطبيق.

3ــ اتخذ الحريري من العلاقة الجديدة التي أرساها معه الأسد، منصة لمحاولة ضرب حزب الله أو التضييق عليه، وأحياناً العمل على الاستقواء عليه، من الباب السوري الواسع. ولم يقدّر حق التقدير العلاقة الاستراتيجية والاستثنائية التي تربط سوريا بحزب الله، والأسد بنصر الله، ولا توازيها علاقة مشابهة نظراً إلى أهمية منزلة المقاومة لدى القيادة السورية ورئيسها، ودورها في الصراع مع إسرائيل، وفي مواجهة الضغوط التي يتعرّض لها لبنان وسوريا في آن واحد. أضف أن سوريا تخلت نهائياً عن السياسة التي كانت قد اتبعتها لسنوات طويلة، إبان وجود جيشها في لبنان، وأدارها نائب الرئيس السوري آنذاك عبد الحليم خدّام عندما كان يتلاعب بالأفرقاء اللبنانيين ـــــ بمن فيهم الحلفاء ـــــ ويؤلّب أحدهم على الآخر لتبرير التدخّل السوري في الشؤون الداخلية.

4ــ لم تعمد سوريا إلى تفتيت السنّة في لبنان، بل إلى دعم حلفائها الذين وقفوا إلى جانبها. وهي لا تستطيع ـــــ وإن في ظلّ علاقة جديدة مع الحريري ـــــ التخلي عنهم أو دفعهم إلى أن يقفوا وراء الحريري. لا تبني سوريا علاقة أو تحالفاً مع أي طرف لبناني إلا من ضمن خط خياراتها الاستراتيجية السياسية والأمنية، والتسليم بالعلاقات المميّزة بين البلدين، والصراع مع إسرائيل، فضلاً عن المسألة ذات الأولوية غير المنازع عليها، وهي حماية المقاومة من أي استهداف أو اعتداء عليها من الداخل أو الخارج. وإذ تفصح دمشق عن أنها تسعى إلى منع الفتنة الداخلية، وأخصّها المذهبية، في لبنان، تلاحظ أن الحريري يستخدم التهويل بها كإحدى أدوات الضغط على الطرف الآخر.

5ــ لم تُغلق سوريا قنوات حوار مع رئيس الحكومة، كي تفتح قنوات أخرى جديدة، في تعبير صريح ومباشر عن رفض أي محاولة للدخول في حوار معها من غير القناة التي يأمر بها الرئيس السوري. وهو، بعدما أقفل قناة حواره المباشر مع الحريري، وقناة حوار مستشارته السياسية والإعلامية الوزيرة بثينة شعبان مع مدير مكتب رئيس الحكومة وابن عمته نادر الحريري، وقناة اللواء رستم غزالة مع رئيس فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي العقيد وسام الحسن، لن تكون ثمّة قناة أخرى لاستعادة الحوار مع دمشق، عبر أي مسؤول سوري آخر. في سوريا مرجع واحد هو الرئيس، تصبّ كل القنوات عنده وتتفرّع منه. وعندما تقفل القناة الأم، تقفل للفور القنوات الأخرى، إلى أن يقضي الرئيس بقرار مغاير.

6ــ يصل إلى مسامع القيادة السورية، عبر آذانها الوفيرة والنشيطة في بيروت، الكثير ممّا يرويه رئيس الحكومة في أوساطه ومع زواره، وبعضه ينطوي على سلبية حيال سوريا، الأمر الذي يحملها على عدم تجاهل هذا الكلام والتعامل معه بجدّية، والاستنتاج من ثمّ أن الحريري غير جاد في علاقته مع الرئيس السوري.
بعض هذا الكلام وصل حديثاً، وسُمع بكثير من الامتعاض داخل القيادة السورية التي استخلصت منه أن الحريري لا يزال ـــــ كأفرقاء كثيرين من حلفائه في قوى 14 آذار ـــــ يراهن على وقائع وتطورات إقليمية، ولا يعبّر فعلاً عن التزامه سقف الجهود السعودية ـــــ السورية. غير أن مراهنات كهذه يدخل الأميركيون طرفاً مباشراً فيها ـــــ في نظر دمشق ـــــ لا تكتفي بأن تكون سبباً للخلاف بين سوريا والحريري، بل سبباً لمزيد من الانقسام داخل لبنان مع حزب الله، في مرحلة يخوض الأخير فيها، علناً، مواجهة مع الغرب الذي يستهدفه.


2010-12-23