ارشيف من :أخبار لبنانية

الارتباك الأميركي يربك المنطقة

الارتباك الأميركي يربك المنطقة

تشرين ـ ناصر قنديل

لا يحتاج متتبعو أوضاع المنطقة إلى شواهد كثيرة لتأكيد حجم الارتباك الذي تعيشه الإدارة الأميركية، مع تراجع وزنها الأميركي الداخلي كما أظهرته الانتخابات النصفية الأخيرة للكونغرس الأميركي وتراجع حجم الديمقراطيين واستعادة الجمهوريين للأغلبية، التي كانوا قد فقدوها في سياق تراجعي متتالي الحلقات وانتهت بصعود الديمقراطيين وصولا إلى فوز باراك أوباما بالرئاسة، وهو مسار معاكس يخشى الديمقراطيون ويأمل الجمهوريون أن يتكرر مع خسارة الديمقراطيين للأغلبية البرلمانية على أبواب تنافس قريب على الرئاسة .

لكن المؤشر على التراجع الذي دخلت مساره إدارة أوباما لا يفسر هذا التراجع في ظل وجود مؤشرات أقوى وربما تحمل في طياتها التفسير، فالسياسة الخارجية التي انتهجتها إدارة الجمهوريين مع جورج بوش الابن وكانت الحروب المفتوحة علامتها البارزة هي التي أسست لتراجعهم مع الفشل الذي بدأ يخيم على مسارات هذه الحروب، قبل ان تطل الأزمة المالية بقرنيها وتتحول إلى سبب مقيم لتراجع التأييد للجمهوريين وصولا إلى خسارتهم في آن واحد للرئاسة ومجلسي الكونغرس . ‏


المؤشر نفسه عاشته إدارة أوباما التي أغدقت من الوعود الداخلية مالا يمكن توقع الفوز فيه على مستوى إنعاش اقتصاد أصيب بأمراض الشيخوخة بعدما استنزفت موارده الحروب، ولا يمكن الفصل بين أدوات معالجة أزماته النقدية والمالية، وبين التصدي لمصدر الخلل المتمثل بالإنفاق المفرط على الآلة الحربية ومستلزماتها على مساحة التورط في حروب شاملة ومكلفة وبلا أفق. ‏


وعود إدارة أوباما تناولت ما رأى فيه المتابعون نقلة نوعية كافية لإحداث صدمة دراماتيكية تعيد التوازن لآلتي السياسة والاقتصاد الأميركيتين المتلازمتين ،وتمثلت هذه الوعود بانسحاب فوري من العراق، وإغلاق فوري لمعتقل غوانتانامو وسعي سريع لرسم مصالحة تاريخية مع العالم الإسلامي، من بوابة إنجاز السلام في القضية التي أجمعت التقارير الأميركية على كونها سبب التأزم والاحتقان في هذه العلاقة الأميركية- الإسلامية وهي قضية فلسطين، ومرت الأيام وإدارة أوباما تعيد الوعود دون تقدم، حتى أعلنت الفشل بصورة رسمية ،فقد تراجعت عن وعودها بصورة علنية، مع التراجع عن لعب دور جدي في السلام وإعلانها العجز عن جلب إسرائيل إلى مفاوضات متواضعة بثمن متواضع هو تجميد الاستيطان، كما أعلنت عجزها عن إغلاق معتقل غوانتنامو، وتراوح في مستنقع العراق بين خيارات مموهة، عنوانها الانسحاب، ومضمونها غامض بين بقاء قوات بصيغة قواعد دائمة وخبراء تحت عنوان التدريب . ‏

ومع إعلان إدارة أوباما إغلاق أبواب الأمل بالتغيير، أعلنت العودة لسياسات الجمهوريين الداخلية، فتراجعت عن وعودها في التأمين الصحي واختارت المساومة مع شركات التأمين، وعادت للتجديد للتخفيض الضرائبي الذي أقرته إدارة بوش مكافأة للشركات الكبرى على مشاركتها بتمويل الحروب، بينما بنى الديمقراطيون رصيدهم على التبشير بسياسة ضرائبية ذات مضمون اجتماعي تراعي الحاجة لتحفيز نمو الطبقات الوسطى . ‏


إدارة أوباما باتت عرجاء قبل نهاية الولاية الأولى، وربما تكون من الإدارات النادرة التي يصعب عليها ضمان الولاية الثانية، ولأن الولايات المتحدة الأميركية تملك عدة صفات تجعلها جارا ودولة شرق أوسطية، يتحول ارتباكها إلى مصدر ارتباك في المنطقة، فالولايات المتحدة الدولة الأعظم في العالم وتمسك بين يديها مفاصل الضخ اليومي للقرارات المتصلة بالمؤسسات الدولية، وبيدها مفاصل شرايين البنوك المقررة في التداولات المالية، و هي الدولة المهيمنة على شبكات المعلوماتية والاتصالات، التي باتت جزءا يوميا من حياة الناس عبر العالم فوق كونها القطاع الأكثر تأثيرا في الاقتصاد والسياسة والإعلام، ولأنها الدولة الأعظم بكل ما أصابها من وهن فهي رأس النظام العالمي الذي من دونه لا تصاغ سياسات في المنطقة كما في أي منطقة، لكنها فوق ذلك تميز حضورها هنا بقوة حضور مصالحها النفطية الاستراتيجية، وقوة حضورها العسكري المباشر والتعقيدات الناشئة عنه لها ولكل الآخرين، وقوة دعمها لإسرائيل التي تشكل محور أزمات المنطقة ويشكل تراجعها بعد الحروب الفاشلة مصدر قلق للاستراتيجيات الأميركية. ‏


كان بدء الرهان الأميركي، مع أوباما، على الحروب الصغيرة، وتأمين شبكة أمان لمصالحها في المنطقة ومعها شبكة أمان إسرائيلية، باستعادة قوة الردع الإسرائيلية عبر حرب غزة العام 2008-2009 والتي استهدفت رسم الجغرافيا السياسة للمنطقة من منطلق استئصال المقاومة الفلسطينية، وبالتالي إخراج ما يسميه الأميركيون بالنفوذ السوري والإيراني من الملف الأكثر تعقيداً ما يسهل شروط التسوية الفلسطينية- الإسرائيلية، ويسهل في الوقت نفسه التفاوض مع إيران وسورية دون قلق من انعكاس هذا التفاوض على وزن إسرائيل ومستقبلها، لكن هذا الرهان سقط سقوطا مدويا مع بدء عهد أوباما رغم ما كشف عن انخراطه في تغطية هذه الحرب. ‏


الرهان الثاني كان على الاحتواء عبر انفتاح على سورية ورهان على تغيير إيران من الداخل ومع كل ذلك رهان على إغراء الشراكة في السلطة لقوى المقاومة، لخوض مسارات تفاوضية منفصلة مع كل من أطراف المحور الصاعد في المنطقة، واصطدم هذا الرهان بقوة التحالف بين أطراف قوى الممانعة وتنامي حضورها مع انتقال تركيا إلى نقطة متقدمة في هذا الاتجاه، وثبات النظام في إيران على خياراته رغم حدة الصراع حولها في فترة الانتخابات الرئاسية، وحسم سورية لقرارها بالتمسك بتحالفاتها واستقلالية خياراتها رغم الإغراءات من جهة والضغوط من جهة أخرى . ‏


الرهان الثالث تبلور مع مشروع إنضاج تسوية فلسطينية إسرائيلية تعيد البريق لحلف الاعتدال العربي وتحاصر قوى الممانعة، وتنقل المبادرة في المنطقة إلى واشنطن وحلفائها وتسعى لجمعهم في حلف بوجه إيران وقوى المقاومة، وتخيير سورية بين الانضمام لهذا الحلف أو مواجهة خيار صعب بالحصار والعزلة، لكن الثمن الذي يستدعيه هذا الرهان كان يتوقف على استجابة إسرائيلية بتقديم مضمون للتسوية قابل للتسويق، و تحقيق جزء من الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية، وكانت الأسابيع الماضية كافية لنعي هذا الخيار. ‏


في قلب كل هذا كانت الأدوات القانونية آخر مبتكرات الإدارات الأميركية مع فشل الآلة الحربية، فملف إيران النووي وقرارات الحصار يواكبها تحضير ملف نووي لسورية ومحكمة دولية لحزب الله وحصار نظامي لقوى المقاومة الفلسطينية في غزة بتغطية قانونية دولية. ‏

تفقد هذه الأدوات قيمتها كثمن يدفع لإسرائيل مقابل التسوية التي كانت تنشدها إدارة أوباما لتغيير الجغرافيا السياسية في المنطقة، وتتجه للتحول إلى أوراق تفاوض أميركية مع قوى المقاومة والممانعة، لكن الإدارة التي تحولت إلى بطة عرجاء مبكرا ليست الإدارة القادرة على تفاوض جدي، بما يعني ربما تأجيلا يليه تأجيل للملفات الساخنة، وكذلك مزيد من الإرباك للمنطقة، ربما هذا هو مضمون ما أفشاه لنا وزير الخارجية العراقي من نيويورك حول مستقبل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وحديثه عن ميل أميركي لتأجيل القرار الظني. ‏


2010-12-26