ارشيف من :أخبار لبنانية

لعبة الازدواجية تحاصر رئيس الحكومة.. ولا تفتح له أبواب دمشق

لعبة الازدواجية تحاصر رئيس الحكومة.. ولا تفتح له أبواب دمشق

نبيل هيثم ـ "السفير"


يحاول رئيس الحكومة سعد الحريري بالتزامن مع المسعى السوري السعودي، طرق الجدار السوري، وهو أوفد قبيل توجهه إلى طهران موفداً نقل رسالة شفوية إلى الرئيس بشار الأسد، يبدي فيها التزامه الكامل بكل ما يتفق عليه الملك عبد الله والرئيس السوري.

كما أن الحريري، بحسـب العارفين، حاول قبل ذلك مد الجسور مجددا مع القيادة السورية، وذلك من خلال إعادة إحياء خط التواصل مع قناة التواصل المحددة في الجانب السوري، فأوعز بإجراء اتصال هاتفي، لكن المفاجأة أن هذا الاتصال لم يجد من يتلقاه في دمشق.

ويقول العارفون إن الحريري بعد عودته من جولته التي شملت ايران وفرنسا وسلطنة عمان، طرق باب «حزب الله» بالرسالة نفسها، من خلال أحد القياديين الكبار في «حزب الله»، وعلى هامش اجتماع عمل رسمي، وأعقب ذلك رسائل أخرى أكد فيها التزامه بما يرسمه الملك عبد الله والرئيس الأسد جملة وتفصيلا، وتحمل رغبة بما هو أبعد من تلاق وانفتاح «بين طرفين لا مفر من أن يلتقيا و«يتفاهما» في نهاية المطاف»!

لكن بدل أن تقترن تلك الرسائل بترجمات عملية، من قبل الحريري، فإنها اقترنت بإشارة اعتبرها «حزب الله» بالغة السلبية، وأرسلتها كتلة الحريري عبر المؤتمر الصحافي الذي عقدته ليس دفاعاً عن المحكمة الدولية وحسب، بل في مبادرتها إلى النقض المجاني للاختراق الاسرائيلي لقطاع الاتصالات!
لا تفسير لهذه الازدواجية في محيط رئيس الحكومة، سوى أن الرد على «حزب الله» كان مقرراً في وقت سابق، «كان لا بد من وضع دراسة مقابل دراسة، وقد تمت مناقشة هذا الامر قبل أيام على صعيد كتلة المستقبل واستقرّ الرأي على ضرورة عقد مؤتمر صحافي ردا على مؤتمر النائب محمد رعد والمحامي سليم جريصاتي، وهكذا كان، فقد قدمنا حججا غير قابلة للنقض، ونحن على يقين بأنها نقضت ما قدمه الطرف الآخر».
 
ولعل ما يلفت الانتباه في محيط الحريري ليس الحديث المتكرر عن مناخات ايجابية، بل ان هذا المحيط يبدو أنه لا يملك إسنادات حقيقية لتلك المناخات، كما يبدو هذا المحيط نائيا - ربما جهلا أو قصدا - عما يقال عن وجود تفاهمات مشتركة حول تسوية متكاملة أو عناصر متفاهم عليها تولدت عن المسعى السوري السعودي قبل دخول الملك عبد الله الى المستشفى.

واذا كان البعض يعتبر أن التسوية الجاري إنضاجها بين دمشق والرياض، بمثابة «شيك مؤجل الدفع حتى إشعار آخر»، فإن في محيط رئيس الحكومة من يعتبرها شيكا بلا رصيد حقيقي، مبديا حماسته المفرطة لصدور القرار الاتهامي، معتبرا أن التسوية مع «حزب الله» بعد الاتهام ستكون أفضل لفريق رئيس الحكومة، أما عقدها قبل صدور القرار فمعناه أن الحريري سيمنى بخسائر كبرى وسيدفع ثمنا باهظا.

وكما ان هؤلاء لا يسلـِّمون بأن «حزب الله» استطاع بهجومه الاستباقي أن يربح معركة القرار الاتهامي وهدم أساسه القائم على فرضية تزامن الاتصالات، فإن هؤلاء لا يزالون على قناعة بأن الاميركيين لن يسمحوا بهزيمة حلفائهم في لبنان، بل أكثر من ذلك فإن المدقق في خبايا هذا المحيط يجد أن هناك من ينتظر عملا أميركيا ما يقلب الميمنة على الميسرة في لبنان، ويصحح الخلل في التوازن الداخلي القائم.

قد تكون لأصحاب النصائح خلفياتهم ودوافعهم وأسبابهم ومصالحهم، وقد يلتقي الحريري مع هؤلاء في مكان ما في أفكارهم وما يرمون اليه، ولكنه قد لا يكون مضطرا في زمن الاختلال السياسي الحالي أن يماشي الآراء والنصائح المتلاطمة من حوله، بل قد تذهب به الوقائع السياسية الى تبني قراءة مختلفة أساسها: «الضرورات تبيح المحظورات وحتى المحرّمات»، ويسير على هديها في الآتي من الايام وفي زمن ما بعد التسوية المنتظرة إن تمت.
وفي سياق تلك الضرورات، يقول العارفون إنه لن يكون مفاجئا ان بدر عن الحريري موقف نوعي يعكس حقيقة انه قد يكون أكثر الاطراف حاجة الى التسوية بمعزل عن الأثمان التي تتطلبها، وذلك لأسباب متعددة:

اولها، ان معركة اتهام «حزب الله» باغتيال الرئيس رفيق الحريري، لم تعد بالمعركة الرابحة ونتائجها قد تكون عكسية، وخصوصا بعدما استطاع «حزب الله» ان يهشم المحكمة والقرار الاتهامي ويقفل النوافذ الداخلية أمام عاصفته وجعله بلا فعالية، حتى ولو صدر.

ثانيها، ان صدور القرار الاتهامي سواء قبل التسوية أو بعدها، معناه ان أحدا ما في لبنان سيدفع ثمن ذلك، والحريري يرفض ان يكون هذا الـ«أحداً ما»، علما أن صدوره قبل التسوية سيضع الحريري تحديدا في الموقع الصعب، وقد يفرض عليه دفع أثمان مضاعفة في السياسة وغير السياسة.

ثالثها، ان الحريري في حاجة الى التسوية، لان صدور القرار الاتهامي بذات السيناريو الاميركي الاسرائيلي الاتهامي لـ«حزب الله» قد تترتب عليه مضاعفات وتبدلات جذرية.. وهناك نصائح مباشرة أسديت لجهات محلية وغربية بهذا المعنى.

رابعها، ان الحريري لا يقبل أن يجد نفسه في الموقع الذي يغطي قرارا أميركيا اسرائيليا لا يخدم قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ومن شأنه أن يبرئ القتلة الحقيقيين ويلصق الجريمة بشركائه في الوطن.

خامسها، منذ تكليفه الأول ومن ثم الثاني ومن ثم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، غرق الحريري في الازمات المتفاقمة، لم يجلس على مقعد حكومي صلب، حتى انه مع توالي الازمات بات أقرب الى رئيس حكومة مع وقف التنفيذ، وحكومته باتت مجمّدة داخل الثلاجة السياسية. وهذا الوضع مرشح الى مزيد من التعقيد اذا صدر القرار.

سادسها، ان الحريري الذي لم يتنعم فعليا بجنة الحكم، وان كانت «دبلوماسية الطائرة» قد فتحت له أبوابا كثيرة من موقعه كـ«دولة رئيس»، يرغب في الممارسة الحقيقية للحكم ولو بالحد الادنى الذي كان عليه والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وهو يدرك أن بيده رسم خريطة الطريق المؤدية الى هذا العنوان، مستفيدا من تجربة أمين الجميل الذي وصل الى سدة رئاسة الجمهورية خلفا لشقيقه بشير، ومع كل الدعم الذي تلقاه من الاميركيين عبر المارينز والمظليين الفرنسيين والقوات المتعددة الجنسيات ونيوجرسي وقصف الضاحية الجنوبية والجبل، فإنـّه سقط في اتفاق 17 أيار، وأما الحريري، فدخل الى جنة الحكم على إرث والده الشهيد، وعليه أن يستدرك أن مفاعيل القرار الاتهامي قد لا تقل عن مفاعيل 17 أيار.


2010-12-27