ارشيف من :أخبار لبنانية

من التهديد إلى... ؟ إسرائيل تتطبّع مع سلاح حزب الله

من التهديد إلى... ؟ إسرائيل تتطبّع مع سلاح حزب الله

يحيى دبوق ـ "الاخبار"

كثّفت إسرائيل تهديدها للبنان والمقاومة في الفترة الأخيرة، وأكدت جهوزية جيشها لخوض حرب تكون مغايرة لحرب عام 2006. إلا أن التهديد والوعيد دليل أيضاً على وجود قلق وخشية إسرائيليين كبيرين، من المقاومة وقدراتها وإمكانياتها

نفذت إسرائيل قبل أيام مناورة محاكاة لواقع افتراضي، وُصفت بالضخمة، لفحص جهوزية جبهتها الداخلية، حيال مواجهة سيناريو يطلق خلاله حزب الله صاروخاً كيميائياً على مدينة حيفا. وبحسب السيناريو المفترض، يُطلق الصاروخ في اليوم الرابع عشر للحرب المقبلة، ويؤدي إلى خسائر بشرية كبيرة جداً، ويغرق المستشفيات بالمصابين، إضافة إلى حالة من الهلع والذعر تعمّ جمهور المستوطنين. ويرد في السيناريو أن مستشفى الكرمل القائم بالقرب من حيفا، على سبيل المثال، سيتلقى وحده نحو 600 إصابة. الخبر نُشر على موقع الناطق باسم الجيش الإسرائيلي على الإنترنت، ضمن شرح واسع لحيثيات المناورة ومجرياتها، من دون الحديث عن نتائجها وما أظهرته من ثغر أو قدرات إسرائيلية فعلية، على مواجهة هذا السيناريو.

وكانت إسرائيل قد حذرت في الماضي، على لسان ضابط رفيع المستوى (الإذاعة الإسرائيلية 8/5/2009)، من أنه «إذا استُخدم سلاح كيميائي ضد إسرائيل، فإن قواعد اللعبة ستتغير، وإذا قرر حزب الله أو حركة حماس استخدام سلاح كهذا، فعليهما أن يدركا أن الجيش الإسرائيلي سيعمل على الرد بقوة، ولن يراعي أي اعتبار للقيم، مثل طهارة السلاح، وعلى الجميع أن يدرك ذلك»، وبحسب الضابط الإسرائيلي، فإن «حزب الله يدرك أنه إذا تجرّأ على إطلاق صواريخ كهذه باتجاه الأراضي الإسرائيلية، فإننا سنفقد السيطرة على أنفسنا، وهم يعلمون جيداً ما يمكننا فعله».

من الناحية النظرية، يمكن الافتراض أن أصل إجراء إسرائيل لمناورة تحاكي وجود أسلحة كيميائية لدى الطرف المقابل، يعني أن لديها مخاوف على الأقل أو تقديرات تشير إلى امتلاك حزب الله قدرات خاصة توجب عليها اتخاذ إجراءات مسبقة لتحسين قدرتها على مواجهة هذه القدرات، ومحاولة الحد من تأثيراتها.
ومن المعلوم أن التقدير المعتمد في إسرائيل، الذي تؤكده أجهزتها الأمنية كما يردّده المسؤولون السياسيون، هو أن «فرضية العمل لدى الجيش الإسرائيلي ترى أن أي سلاح موجود لدى سوريا وإيران، سيصل في نهاية المطاف إلى حزب الله». لذلك، لا يبعد أن تكون المناورة مستندة إلى هذا التقدير أو غيره من المعطيات. أما السيناريو الذي أجريت المناورة وفقه، والذي ينص على أن الصاروخ، على فرض وجوده، سيسقط في اليوم الرابع عشر من الحرب، فهو يشير إلى تعاطٍ جدي مع الفرضية، أي إن تل أبيب ترى أن أفعالها العدائية قد تبلغ حداً متطرفاً، نتيجة فقدانها لأساليب ناجعة تقليدية حيال المقاومة وقدراتها، الأمر الذي سيدفع بدوره المقاومة إلى استخدام أقصى ما لديها.

بعيداً عن السلاح الكيميائي وإمكانات وجوده من عدمه، صدر عن إسرائيل في الآونة الأخيرة جملة من المواقف والتصريحات، تشير إلى وجود تطوّر جديد حيال مقاربة القدرات العسكريّة لحزب الله وتراكمها العددي والنوعي، وتحديداً الصاروخية منها، إذ تحدث وزير الدفاع إيهود باراك، أمام نظيره الأميركي روبرت غيتس في آخر زيارة قام بها إلى واشنطن قبل أسبوعين، عن «قلق تل أبيب من استمرار تسلح سوريا وحزب الله بأسلحة متطورة، ما يضر بالتفوّق النوعي لإسرائيل وأمنها»، بينما اعتاد باراك في السابق أن يهدد بأن «إسرائيل ستدرس خياراتها، إذا زُوّد حزب الله بأسلحة كاسرة للتوازن»، أي التهديد بشن اعتداء عسكري. وبين «استمرار التسلح»، و«إذا زُوّد»، فرق شاسع جداً، يشير إلى نوع من الإقرار الإسرائيلي بأن الأمر قد انقضى، وأن تهديد المزوّد والمتزوّد بالسلاح «الكاسر للتوازن»، لم يكن مجدياً، وسكوت إسرائيل حتى الآن وعدم شنّها اعتداءً، يشيران بدورهما إلى أن التهديد وتفعيله غير مجديين، أو أنها مرتدعة عن تنفيذ تهديدها، والأمران يعدّان نجاحاً إضافياً للمقاومة وأدائها.

استناداً إلى كلام باراك، وتصريحات عدد آخر من مسؤولي تل أبيب، إضافة إلى تحليلات المعلّقين الإسرائيليين، يظهر أن هناك نوعاً من الإقرار بالفشل في ردع حزب الله عن امتلاك سلاح «كاسر للتوازن»، ما يدفع تل أبيب، بعد إقرارها بذلك، إلى العمل على محاولة ردع حزب الله عن تفعيل هذه القدرات العسكرية نفسها، التي باتت قائمة بالفعل. وبكلمات أكثر مباشرة، ترى تل أبيب أن القدرة المادية العسكرية باتت متوافرة لدى حزب الله، بما يُمكِّنه من مواجهة الجيش الإسرائيلي. وفي الآونة الأخيرة رُبط هذا التقدير بالظرف الداخلي اللبناني، أي الضغط المفعّل على المقاومة بواسطة أداة المحكمة الدولية والقرار الاتهامي، ما دفع تل أبيب إلى التقدير أن الظرف بات مؤاتياً أمام حزب الله أو دافعاً له، لاعتماد خيارات متعددة من بينها خيارات متطرفة، سواء أكان في الساحة الداخلية اللبنانية أم في اتجاه إسرائيل نفسها.

من هنا يمكن تفسير سيل التهديدات الإسرائيلية التي أطلقتها تل أبيب أخيراً ضد لبنان والمقاومة، والتي تتوعد بحرب لم يشهدها لبنان من قبل. إلا أن التهديد والوعيد بقدر ما يدلان على وجود مخاوف إسرائيلية من إمكان تسخين الجبهة جنوباً، يدلان أيضاً على مستوى القدرة الذي بات لدى المقاومة، بنظر تل أبيب. فإذا كان الإسرائيلي يحسب أن حزب الله غير قادر على المواجهة، فما العلة من وراء إظهار الخشية وإطلاق التهديدات؟ إن التهديدات نفسها كاشفة، لا عن نيّات حزب الله وحسب، بل عن قدراته أيضاً.

يعني ذلك أن تهديدات تل أبيب في الآونة الأخيرة، ومن بينها تهديدات قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي غادي آيزنكوت، تحاول إيجاد أو تعزيز منسوب الردع أمام حزب الله، وبالتالي محاولة منعه من تفعيل قدراته العسكرية ضدها، إن شاء ذلك. مع هذا، في التهديدات استهدافات أخرى ترتبط بالداخل الإسرائيلي نفسه، إذ بات معروفاً وملموساً أن أي كلام أو تقدير أو تهديد إسرائيلي يطلق في اتجاه لبنان وحزب الله، يؤثر سلباً على المستوطنين أنفسهم، أي إنه يسبّب إيجاد مستوى مرتفع جداً من القلق والخشية، الموجودين أساساً، جرّاء ما ينتظرونه من ويلات وخسائر في الحرب المقبلة، ما يستدعي قيام المسؤولين الإسرائيليين بإيصال رسالة طمأنة مضادة، تحاول التأكيد أن يد الجيش الإسرائيلي ستكون العليا في المواجهة المقبلة، والتأكيد أيضاً أن هذا الجيش لم يعد كما كان عليه في السابق، بل هو قادر على تحقيق المهمة في مواجهة حزب الله كما ينبغي، وهذا ما يتبيّن بوضوح في التهديدات التي أطلقها آيزنكوت أخيراً، وضباط إسرائيلون آخرون، حاولوا الحد من القلق والخشية القائمين لدى الجمهور الإسرائيلي.

في عودة إلى القدرات العسكرية لحزب الله، يمكن القول إن الأشهر الأخيرة شهدت مقاربة إسرائيلية مختلفة، إذ بدأ قادة إسرائيل يتعاملون مع امتلاك الحزب قدرات صاروخية متطورة جداً على أنه أمر واقع، لم يعد من الممكن منعه... تعاطي إسرائيل مع هذه المسألة متحرك، بمعنى أنه تجري في كل فترة إزاحة الخطوط الحمراء من مكان إلى آخر، تبعاً لتراكم قدرات حزب الله وما تصل إليه. فبحسب ضابط رفيع المستوى في قيادة المنطقة الشمالية، فإن امتلاك حزب الله لصواريخ سكود ـــــ دي، يصل مداها إلى 700 كيلومتر، يعدّ إشكاليا من ناحية إسرائيل، رغم أنه أكد في المقابل امتلاك الحزب لصواريخ يصل مداها إلى 300 و500 كيلومتر. السؤال البارز هنا: هل مشكلة إسرائيل باتت في مدى الصواريخ؟ فهل استهداف مدينة إيلات في أقصى جنوب فلسطين المحتلة، يختلف كثيراً عن استهداف تل أبيب، علماً بأن البنى التحتية الرئيسية موجودة في الوسط، صعوداً نحو الشمال، وهي الأكثر تأثيراً على إسرائيل؟

هاجس تل أبيب بلغ حداً غير مسبوق حيال صواريخ حزب الله، وصولاً إلى البحث عمّا إذا كان قد امتلك بالفعل أسلحة كيميائية، بل وتُرجم ذلك في مناورات تحاكي سقوط هذا النوع من الصواريخ على المدن الإسرائيلية. قد يكون الحديث هنا ناتج من تعاظم المخاوف ليس إلا، لكن يمكن القول، بمعنى من المعاني، إن من «واجب» الإسرائيلي أن يصل في مخاوفه إلى هذا المستوى، بغض النظر عن مدى مطابقتها للواقع أو لا، بعدما تجاوز حزب الله كل الخطوط الحمراء التي رسمتها إسرائيل، في عملية بناء القدرات العسكرية والصاروخية النوعية تحديداً. كذلك فهي تتلاءم من ناحية نظرية بحتة، مع فرضية عمل الجيش الإسرائيلي: أن ما لدى سوريا وإيران موجود لدى حزب الله، إلا ما يحدّده الأخير أنه لا يلائم المواجهة المفترضة مع إسرائيل في لبنان.

المباحثات التي أجراها وزير حرب إسرائيل إيهود باراك، أخيراً في واشنطن، والتصريحات الصادرة خلالها وما تسرّب عنها، تكشف ما كان مؤكداً، عن أن قضية صواريخ حزب الله وما بلغته من دقة وقدرة على التدمير، حاضرة بكل ثقلها على صدور أصحاب القرار في تل أبيب وواشنطن على حدّ سواء، ومن الطبيعي أن يكون لها تأثير أساسي ومباشر على بلورة أي قرار أو خيار يمكن إسرائيل والولايات المتحدة أن تتخذانه، باتجاه إقرار الحرب أو مستواها إذا تقررت.
من يقرأ تصريحات باراك وتصريحات نظيره الأميركي، يدرك من جديد أن الأميركي بات أكثر من ذي قبل شريكاً في كل ما يتعلق بهذه القضية، سواء تمثّل ذلك في خطوات عملانية إيجابية (مواجهة أو حرب) أو انكفاء سلبي، حيال كل ما يتعلق بلبنان والمقاومة. تحدث غيتس خلال زيارة سابقة لباراك بما يُعدّ ترداداً لما يقوله الإسرائيليون، وشدد على أنه «في هذه المرحلة، لدى حزب الله صواريخ تفوق ما لدى معظم الحكومات في العالم... ومن الواضح أنها تهدد استقرار المنطقة بأسرها... ونحن نراقب ذلك باهتمام بالغ».

من المفيد الإشارة إلى تطور المقاربة الإسرائيلية لما تسمّيه تل أبيب «خطوطاً حمراء» حيال سلاح المقاومة وتراكمه، ما يشير بدوره بطريقة غير مباشرة إلى إمكانيات تل أبيب وإلى الأسباب التي تدفعها إلى الانكفاء والابتعاد عن الخيار العسكري ضد لبنان والمقاومة، رغم مرور ما يزيد على أربع سنوات ونصف سنة على انتهاء الحرب الأخيرة، التي تقرّ إسرائيل بأن حزب الله يستغلها في عمليات مراكمة قدراته العسكرية... إذ تتّسم التقديرات الإسرائيلية ومواقفها العملية بـ»التغاضي» مع كل تجاوز قام به حزب الله للخطوط الحمراء، والاكتفاء بقدر من الصراخ والشكاية الإسرائيليين: تجاوزت تل أبيب سابقاً لامتلاك حزب الله عشرات الآلاف من الصواريخ، بعد أن كان العدد «خطاً أحمر». ومع تحول ذلك إلى أمر واقع، بدأت تل أبيب بالتحذير من امتلاك حزب الله لصواريخ ذات نوعية ودقة، باعتباره تجاوزاً للخط الأحمر الجديد، إلى أن استقرّ الخط على منظومات دفاع جوي متطورة، رغم وجود إشارات في أداء الجيش الإسرائيلي ومواقفه، تظهر أنه يتعامل مع هذه المسألة بجدية، بناءً على التقدير أن حزب الله قد «امتلك شيئاً ما» في هذا المجال. أما التعامل الإسرائيلي الجديد، كما لو أن حزب الله قد بات يمتلك سلاحاً كيميائياً، فقد يشير أيضاً إلى انتقال تل أبيب من خط أحمر قديم إلى خط أحمر جديد.


2010-12-27