ارشيف من :أخبار لبنانية
التأجيل غير المعلن للاتهام فرصة لإنضاج التسوية.. أو الانفجار
نبيل هيثم ـ "السفير"
تتوزّع الحركة الدبلوماسية الغربية في لبنان بين دورين يكملان أحدهما الآخر وضمن سياسة «العصا والجزرة»، فالسفيرة الأميركية في بيروت مورا كونيللي تكمّل دور جيفري فيلتمان وتتولى التحريض على «حزب الله» بلغة واضحة مقرونة بعواطف جياشة على المحكمة الدولية، بينما يقوم ممثل الأمين العام للأمم المتحدة مايكل ويليامز بمحاولة جس نبض المعارضة عبر دعوتها إلى السير بالمحكمة وعندما تنعقد يمكن أن يصار إلى تقديم دفوع شكلية تحت عنوان عدم دستورية المحكمة وعدم قانونيتها!
بعض البعثات الغربية المعروف عنها أن دولها خاضعة للإرادة الأميركية كانت تتحرك في اتجاه «حزب الله» وتحاول بتقاسيم سياسية هادئة وحتى ودودة جس نبض الحزب ومحاولة معرفة كيفية تصرفه بعد صدور الاتهام.
البعض من السفراء لم يتردد في المزايدة على الحزب عبر القول له إنهم يشعرون بالظلامة والافتراء اللذين يتعرض لهما «حزب الله»، وتلك تكون توطئة للسؤال الذي يؤرق فريق الهجوم على المقاومة: ماذا ستفعلون بعد صدور القرار الاتهامي، هل ستنزلون بسلاحكم إلى الشارع، هل ستقومون بالانقلاب الى جانب الكثير من الأسئلة من هذا القبيل التي تصل كلها إلى تكرار قول مقتضب أطلقه الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله مؤخرا وفيه «بعد صدور القرار لكل حادث حديث».
وإلى جانب الدور التمثيلي الذي يلعبه الدبلوماسيون، فإن بعضهم يلعب دور «الحمام الزاجل» في نقل الرسائل والنصائح الى «حزب الله»، على شاكلة «ان المحكمة الدولية تتوخى العدالة وتعمل باستقلالية تامة فلماذا انتم قلقون منها، ولماذا لا تقبلون بالقرار الاتهامي؟... انتم تبالغون في الشك والقلق.. إن المجتمع الدولي هو الذي يضمن أن تصل المحكمة والتحقيق الى تحقيق العدالة ... لا أحد يملك مضمون القرار الاتهامي سوى المدعي العام للمحكمة دانيال بيلمار ولم يصدر عنه ما يشير الى اتهام «حزب الله».. وحتى لو تضمن القرار اتهاما لأفراد وأشخاص، فهذا لا يعني ان «حزب الله» هو المتهم (وقد سبق للفرنسيين أن أطلقوا هذه المقولة)».
وإذا كان بعض الدبلوماسيين يطلبون من «حزب الله» انتظار صدور القرار وعدم إطلاق الأحكام المسبقة عليه او التشكيك فيه، فإنهم يعكسون من ناحية ثانية ان لا موعد نهائيا لهذا القرار، «فلا أحد يعلم شيئا عن قرار بيلمار، لكن المناخ السائد يوحي بتأجيل القرار» حسب تعبير أحد الدبلوماسيين الغربيين. ويردد آخر «إن المعطيات التي أمتلكها تخولني توقع عدم صدور القرار عن بيلمار قبل شباط المقبل. ويقول ثالث «لقد سمعت من الفرنسيين أن لا قرار اتهاميا في المدى المنظور»، فيما يجزم أحد السفراء أن بيلمار سينتهي من إجازته في العاشر من كانون الأول 2011وسيكون عليه أن يرفع خلال مهلة أيام مسودة الاتهام الى قاضي الإجراءات التمهيدية القاضي دانيال فرانسين وبعدها لكل حادث حديث.
الى جانب هذا المسلسل الدبلوماسي الطويل الذي يعبر عن إرباك الدول في التعامل مع المحكمة وقرارها الاتهامي، تملك جهات حزبية لبنانية فاعلة قرينتين تؤكدان دخول المحكمة في بازار التسويات وبالتالي التأجيل، الاولى، تبدت في الاشارات الفرنسية التي تلاحقت في الاسابيع الاخيرة بأن لا صدور قريبا للقرار الاتهامي. والثانية، تخالف كل المنحى التصعيدي الاميركي والتحريضي الأميركي وصولا الى «عيدية جيفري فيلتمان»، وتفيد بأن مراجع لبنانية تلقت تأكيدات من قبل مسؤولين أميركيين بأنّ واشنطن لا تتوقع صدور القرار الاتهامي قبل آذار وربما نيسان!
ويقول مواكبون لحركة التحقيق الدولي إن بيلمار يعمل وفق قاعدة «أنه اذا لم يكن القرار الاتهامي موجودا فسيسعى جاهدا لإيجاده وعلى أية صورة، وبالتالي لا مفر من صدوره لسبب جوهري يرتبط بأصل وجود المحكمة الدولية، إذ لا محكمة دولية من دون محاكمات، ولا محاكمات من دون قرار اتهامي، ولا قرار اتهاميا اذا لم يحاول فريق التحقيق البحث عن أدلة وقرائن». في اعتقاد هؤلاء المواكبين أن هناك جملة عوامل تمنع صدور القرار الاتهامي حتى الآن، أبرزها:
أولا، عدم قدرة المدعي العام الدولي على بناء قرار اتهامي، بعدما نجح «حزب الله» في هدم الأساس الذي يرتكز عليه ويتعلق بفرضية تزامن الاتصالات. وهناك معلومات وردت من داخل المحكمة الدولية تفيد بأن بيلمار محبط بعدما تعطل قراره بشكل كامل وفقد عصب وجوده المتمثل بفرضية التزامن.
ثانيا، عدم القدرة على التحكم بالوقائع اللبنانية بعد صدور القرار الاتهامي ضد «حزب الله».
ثالثا، عدم وجود أية مرجعية أمنية او قضائية أو سياسية لبنانية قادرة على تلقف قرار اتهامي ضد «حزب الله»، وتلبية موجباته ومتطلباته في المداهمات والتوقيفات الخ.... ذلك أن هناك مراجع سياسية وأمنية وقضائية أبلغت من يعنيهم الأمر أنها لن تبادر الى القيام بأية خطوة من هذا القبيل على الاطلاق. فضلا عن أن بعض الفرقاء اللبنانيين الأساسيين المحسوبين على المحكمة باتوا أقل حماسة للقرار الاتهامي عما كانوا عليه من قبل.
رابعا، ان سوريا رفضت مطالبات أميركية وغربية بالتدخل في لبنان، خاصة أن تلك المطالبات لم تكن بالنسبة الى دمشق اكثر من دعوة لها لأن تكون شريكة في حماية قرار اتهامي يطال حلفاءها في لبنان وفي مقدمهم «حزب الله»، كما قد يطال دمشق نفسها مستقبلا، وخصوصا أن فريق الاتهام نفسه ما يزال يدير لعبة المحكمة اليوم، كما أدارها في زمن الاتهام السياسي لسوريا.
خامسا، ان باريس ابلغت واشنطن وبعض العرب بأنها تبلغت من الرئيس السوري بشار الاسد حرصه على الوصول مع الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز الى حل في لبنان في سياق المسعى العربي السوري السعودي. كما تبلغت ايضا ان صدور القرار الاتهامي قبل الوصول الى تسوية حول لبنان، يعني أن سوريا ستكون متفرجة وعلى الحياد ولن تبادر الى ان تقلع شوك من يزرعون الشوك بأيديهم.
سادسا، ان المدعي العام للمحكمة دانيال بيلمار لم ينجز تقريره بعد، ولا يستطيع ان يقدمه بصورته النهائية الى قاضي الاجراءات التمهيدية دانيال فرانسين ما لم يكن منجزا بالكامل. وآخر المعلومات الواردة من هولندا تفيد بأن بيلمار تعاقد قبل فترة قصيرة مع «معهد هولندي متخصص بأعمال التحقيق والتفتيش» وهذا يعطي اشارة الى ان التحقيق لم ينته بعد.
سابعا، اذا صح القول أن بيلمار يحتاج الى حوالى ستة اسابيع بعد عودته من إجازته لتقديم مسودة القرار الى فرانسين، فإن الأخير يحتاج الى الفترة نفسها تقريبا لدرس المسودة وإبداء رأيه فيها وتحديد النقاط التي يوافق عليها او النقاط التي سيردها الى بيلمار لاعادة النظر فيها. ما يعني ان تلك الإجراءات تحتاج الى نحو ثلاثة اشهر تحتسب من لحظة تقديم بيلمار مسودة تقريره الى فرانسين.
يستخلص مما تقدم ان القرار الاتهامي دخل في مرحلة تأجيل غير معلن وغير محدد بسقف زمني دقيق، ومن الطبيعي ان تفتح مرحلة التأجيل على فرصة، يفترض الاستثمار عليها اما في الاتجاه الذي يذهب بالواقع اللبناني الى التسوية... وإما في الاتجاه الآخر نحو الانفجار.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018