ارشيف من :أخبار لبنانية

تسوية «متوازنة شكلاً» في التنازلات والضمانات.. والحَرَج

تسوية «متوازنة شكلاً» في التنازلات والضمانات.. والحَرَج

السعودية تبلغ الحريري فحوى «التفاهم».. وجواباً أولياً لدمشق

خضر طالب

قبل نحو أسبوع، وصل مدير مكتب رئيس الحكومة سعد الحريري ابن عمته نادر الحريري إلى نيويورك للاطمئنان إلى صحة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز. يومها تبلّغ نادر الحريري مضمون التسوية التي أنجزها نجل الملك عبد الله، الأمير عبد العزيز مع سوريا برعاية مباشرة من خادم الحرمين الشريفين والرئيس السوري بشار الأسد، فحملها مدير مكتب رئيس الحكومة على عجل إلى بيروت وأبلغها إلى رئيس الحكومة الذي أبدى عدم رضاه عليها، وهو ما بلغ مسامع الملك شخصياً الذي أوعز لمساعديه دعوة الحريري للحضور إلى نيويورك، وهو ما حصل فعلاً يوم الأحد عندما استقل طائرته الخاصة مغادراً مطار رفيق الحريري في بيروت.

مجدداً تبلّغ الحريري فحوى بنود التسوية التي اتفقت عليها الرياض ودمشق مرفقة بالتمني عليه السير فيها نظراً لحراجة الوضع في لبنان ولأن سقوط التسوية سيجر مشكلات كبرى تطيح كل مقومات الواقع اللبناني. أبلغه المحيطون بالملك عبد الله أن هذه التسوية «متوازنة» وهي السقف الأعلى الذي أمكن الحصول عليه. لم يعرف رد الرئيس الحريري وإن كان موقفه النهائي سيتبلور في الساعات المقبلة بعد إجراء مروحة اتصالات مع عدد من «المعنيين بالأمر»، وإن كانت دمشق قد تبلغت من المسؤولين السعوديين انطباعات أولية بأن الأجواء إيجابية.
ما هو مضمون التسوية؟
لم يتمكن أحد من اختراق جدار الكتمان الذي يطوّق الاتفاق بين دمشق والرياض، وإن كانت مصادر سياسية رفيعة قد تحدّثت عن تسوية «متوازنة شكلاً»، إلا أن حيثيات مضمونها تشير إلى تنازلات من النوع «الحاد» للرئيس الحريري وهو ما دفعه للتحفظ عليها مقابل تنازلات يعتقد أنها لن تشكّل حرجاً كبيراً للآخرين.
وبحسب المصادر نفسها، فإن ما تحمله التسوية يتضمّن آلية دستورية لبنانية، حيث إنها تنص على إعادة النظر في مجلس النواب بالاتفاق ـ التفاهم الموقع بين لبنان والمحكمة الدولية ووقف التمويل اللبناني للمحكمة وتالياً سحب القضاة اللبنانيين. في المقابل يحصل الحريري على ضمانات ببقائه في رئاسة الحكومة وحفظ فريق عمله، والأمني منه خصوصاً، وتفعيل عمل الحكومة لتكون قادرة على الإنتاج.
أما البنود الأخرى للتسوية التي لا ترتبط بقضية المحكمة فثمة تفاهم على سحب السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وحصر العمل العسكري لحزب الله بالمقاومة، إضافة إلى منح رئاسة الجمهورية الصلاحيات الإجرائية والشروع بالآليات الدستورية لتشكيل مجلس الشيوخ والتشجيع على إنجاز قانون الانتخاب الجديد.
في الانتظار، يبدو الرئيس الحريري مربكاً تجاه طريقة التعاطي مع التسوية التي أنجزتها المملكة مع سوريا، فهو غير قادر على «مقاومة» الرغبة الملكية السعودية بالسير فيها نظراً لواقع ارتباطه بالمملكة، وكذلك فهو محرج من مواجهة جمهوره وحلفائه بمضمون التسوية التي وإن كانت تحفظ له موقعه ودوره ومستقبله السياسي، إلا أنها تتطلب منه التضحية بشعارات سياسية كبيرة ما زال بعض قياداته مصراً عليها ومتمسّكاً بها، في حين أن الحلفاء أظهروا امتعاضاً واضحاً منها لأنها جرت بعيداً عن أي دور لهم فيها.
الواضح أن سعد الحريري في وضع لا يحسد عليه، لكنه يدرك أن القرار الذي سيتّخذه سيكون تاريخياً، سواء كان هذا الموقف إيجابياً أو سلبياً في التعاطي مع التسوية، لأن وقع هذا الموقف سيحدّد لأجل غير مسمّى مستقبل لبنان وطبيعة الواقع الذي سيحيا في ظله اللبنانيون.. قبل أن تطل أزمة جديدة في المسار التاريخي للبنان.
وفي الانتظار أيضاً، يبدو حزب الله أمام معضلة ليست سهلة في طريقة التعاطي مع المرحلة المقبلة التي سينصرف فيها لمعالجة الندوب العميقة التي أصابته في صميم حضوره اللبناني ودوره المقاوم، كي يتمكن من استعادة صورته التي لطالما رُفعت كرمز للعنفوان في الصراع مع إسرائيل.
ولهذا ربما كان حزب الله مسارعاً إلى قبول مضمون التسوية التي قدّم فيها أيضا تنازلات عن العناوين السياسية التي خاض معاركه الداخلية تحت مظلتها طيلة السنوات الخمس الماضية، فهو يريد تكريس الجهد لاحقاً لاعادة ترميم ما بناه من آمال في العقل العربي بتضحيات كبرى، وجاء اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري كضربة موجعة له على مستويين: فهو متضرر من هذا الاغتيال نظراً لأهمية الدور الذي كان يلعبه الرئيس الشهيد في تأمين مظلة حماية سياسية للمقاومة برزت نتائجها في عدوان نيسان 1996 وبرز حجم فراغها في عدوان تموز 2006 عندما لم يواكب الانتصار الميداني انتصار سياسي على غرار تفاهم نيسان. كما أنه تضرّر من محاولات تشويه صورته بتوجيه الاتهام إليه في تلك الجريمة، وهذا ما يرى فيه خطراً أكبر من العدوان العسكري بعينه ويكمل خطة الإطباق على الحزب كمقاومة، والتي انطلقت مع القرار 1559 الذي فجّر الوضع اللبناني.

صحيح أن الرئيس الحريري يبدو أكثر إحراجاً في التسوية، لكنه أيضاً محكوم بها وبالسير فيها لأن خلاف ذلك لن يبقي من قضية استشهاد الرئيس رفيق الحريري شيئاً في ذاكرة اللبنانيين التي ستنــشغل فقــط بما تسبب به أي اتهام لفريق لبناني ملزم بالجلوس معه وشراكته في الوطن والسلطة..
كل تلك الأفكار تختلج في صدر سعد الحريري، وهو سيبلغ «عائلته» السعودية الكلمة الفصل التي تحدّد صورة لبنان في المستقبل، بعد أن أبلغ «صلة الرحم» بأن باب الخيارات ضيّق جداً، بغض النظر عن قناعته الشخصية أو قناعتهم بما قد يحمله القرار الاتهامي من اتهام سيُترك للأيام الحكم عليه من خلال وقائع ستظهر تباعاً لدحضه وإسقاطه من العقل اللبناني بعد إسقاطه من أجندة المشاريع التي تريد إشعال الفتنة في لبنان.
أما التنفيذ فسيكون مطلع السنة الجديدة، وستكون الإشارة بأن التسوية وضعت على سكة التنفيذ مع وصول الأمير عبد العزيز بن عبد الله إلى دمشق.. وهي زيارة على الأرجح لن يطول انتظارها...


2010-12-29