ارشيف من :أخبار لبنانية

هل رفض عبد الله استقبال نائب الرئيس الأميركي؟

هل رفض عبد الله استقبال نائب الرئيس الأميركي؟

عماد مرمل ـ "السفير"

كل المعطيات والمعلومات، من مصادر متعددة، تدفع في اتجاه توقع ولادة قريبة للتسوية المنشودة التي جرى تلزيمها الى الجانبين السوري والسعودي خلال قمة بعبدا الثلاثية في بيروت.

ومع ذلك فإن التجارب علمت اللبنانيين أن يثقوا فقط في ما يرونه وليس في ما يسمعونه، لا سيما أن لبنان والمنطقة يقعان على خط زلازل إقليمي ودولي، يجعل الارض قابلة للاهتزاز دائما، ويُبقي الاحتمالات كلها مفتوحة الى حين حسم أحدها بشكل نهائي وقاطع.

من هنا، فإن الاحتفاظ بالحذر يظل حقا مشروعا، خصوصا أن عدم تظهير «نيغاتيف» التسوية حتى الآن يترك المجال متاحاً إما للتراجع عنها من قبل أحد الاطراف المعنيين بها، وإما لتعطيلها من قبل المتضررين منها أميركياً واسرائيلياً، الامر الذي يتطلب الإسراع في «قطف» اللحظة المؤاتية حاليا، مع بلوغ التفاهم السوري - السعودي مراحل متقدمة وامتلاكه قدرا عاليا من المناعة ضد الضغوط التي تمارسها واشنطن بأشكال مختلفة.

ولعل ملامح «الفرصة الثمينة» تعكسها بوضوح المتاعب التي تواجه واشنطن حاليا في المنطقة، حيث تمر في أسوأ لحظاتها وأضعفها، من أفغانستان الى العراق مروراً بفلسطين، ما يشجع الكثيرين، حتى بين أوساط حلفائها، على عدم الاستجابة العمياء لمطالبها، لا سيما أنه تبين أن الادارة الاميركية لا تبالي بهم كثيرا عندما يتعلق الامر بمصالحها وبكيفية ضمان خروجها من مستنقعات هذا الشرق، بأقل قدر ممكن من الخسائر والأثمان.

وقد لمس السعوديون هذه الحقيقة عبر تجربتهم الاخيرة في العراق، إذ ان الولايات المتحدة لم تجد حرجاً في دعم وصول نوري المالكي الى رئاسة الحكومة في العراق من خلال تفاهم ضمني مع طهران ولاحقا مع دمشق، عندما اقتضت حساباتها ذلك، ضاربة بعرض الحائط الموقف السعودي الذي كان يتمسك بترشيح إياد علاوي لهذا المنصب، حتى بدا وكأن الرياض خرجت خالية الوفاض من «المناقصة السياسية» في العراق.

أما في فلسطين، فحدّث ولا حرج، حيث الفضيحة الأميركية تصبح أكبر، في ظل عجز إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما أو امتناعها عن تقديم أي إنجاز الى «عرب الاعتدال»، وسط ارتفاع منسوب الشروط الإسرائيلية المذلة، الأمر الذي حوّل «التسوية المفترضة» الى نكتة سخيفة، لا مكان لها في الإعراب السياسي.
وإزاء هذا الواقع، بدا أن حمامة السلام الفلسطينية نفسها، «أبو مازن»، قد نُتف ريشها وتكسر جناحاها، بحيث لم تعد قادرة على الاستمرار في التبشير بوهم التسوية، ما يعني ان الادارة الاميركية باتت بحاجة اليوم الى ان تُقنع محمود عباس أولا بمواصلة المفاوضات قبل أن تضغط على دمشق وطهران لمنع «حماس» و«الجهاد» وباقي فصائل المقاومة من عرقلتها.

أمام هذا النوع من السلوك الاميركي في ساحات الشرق الاوسط، شعرت السعودية بأن واشنطن لم تقدم لها شيئا يفيد في تلميع صورة معسكر الاعتدال العربي ويُسوّق خياراته غير الشعبية أصلا، وأكثر من ذلك، تسبب هذا السلوك بأضرار مباشرة لمصالح المملكة في أمكنة عدة، وبالتالي فهي باتت تميل الى التصرف على قاعدة انها لم تعد مقيدة بـ«تلازم المسارات» مع واشنطن، وصولا الى ترجمة هذا التوجه عبر توسيع هوامش حركتها بعيدا عن التأثير الاميركي المباشر، كما يحصل على مستوى المسعى السوري - السعودي الهادف الى إيجاد تسوية لأزمة القرار الاتهامي والمحكمة الدولية، خلافا لرغبة الولايات المتحدة.
ووفق معلومات وصلت الى بعض الاوساط اللبنانية التي تربطها علاقة جيدة بالرياض، فإن التذمر السعودي من السياسات الاميركية المعتمدة في هذه المرحلة دفع الملك عبد الله بن عبد العزيز الى ان يرفض، بطريقة دبلوماسية، استقبال نائب الرئيس الاميركي جون بايدن الذي حاول زيارته في المستشفى الاميركي الذي كان يتلقى العلاج فيه في نيويورك.

بناء على هذه المعطيات، يمكن الافتراض ان الرياض قد تكون قادرة هذه المرة على الذهاب حتى النهاية في الجهد الذي تبذله مع دمشق لمنع تدهور الوضع في لبنان، بعدما أصبحت تملك ما يكفي من المبررات للتحرر من ضغط الاعتبارات والحسابات الاميركية، على قاعدة «المعاملة بالمثل»، ناهيك عن أن السعودية هي صاحبة مصلحة مباشرة وحيوية في إنتاج تسوية تفكك صواعق الانفجار المذهبي على مستوى الساحة اللبنانية، أولا لأنها تريد أن تحمي مصالحها الاستراتيجية في هذه الساحة، وثانيا لأنها تدرك جيدا أن شظايا أي عبوة مذهبية تنفجر في بيروت ستصيب نقاط الضعف في العمق العربي، من دون أي استثناءات.

تأسيساً على هذا المشهد، يبني البعض في لبنان ودمشق تفاؤله بإمكان وصول «المغامرة» السعودية ـ السورية الى خواتيمها السعيدة، من دون تجاهل خطر تعرضها الى «كمين» أميركي قبل بلوغها خط النهاية، ما يستوجب الإسراع في إتمامها وتسييلها الى تسوية منجزة، تجنباً لأي مفاجآت غير سارة في الأمتار الاخيرة.

ويُرجح العارفون أن تكون هذه التسوية، في حال إنجازها، أقل من اتفاق الطائف وأكثر من تسوية الدوحة، داعين الى مساعدة الرئيس سعد الحريري على تحمل كلفتها، خصوصا أنه قد يواجه مصاعب في تسويقها داخل الطائفة السنية المعبأة، ومنبهين الى ان إضعاف الحريري أو استنزافه سيؤدي تلقائيا الى تقوية التطرف السني الذي يشكل خطراً على خصوم رئيس الحكومة بالدرجة الاولى... كما على الحريري والسعودية بالدرجة الثانية.

2010-12-30