ارشيف من :أخبار لبنانية
بطاقات معايدة
نصري الصايغ
يقولون: «ليس لدينا مانديلا».
هذا افتراء. لدينا في سجون الاحتلال، 6400 مانديلا.. سعيد العتبة، أمضى في الأسر اثنين وثلاثين عاماً، أحمد ابو السكر أمضى سبعة وعشرين عاماً، وإخوانهم وأخواتهم، إذا جمعت سنوات أسرهم، بلغت آلاف الأعوام.
لدينا، من زمن بعيد، ألف مانديلا. ولكن، ما العمل، ما دمنا نفضل الأجنبي على العربي. لدينا أجيال من المقاومين الأسرى. فمنذ عام 1967، اعتقلت اسرائيل (بعض العرب مفتون بديموقراطيتها، وبعض الغرب مجنون باحتذائها) 760 ألف فلسطيني، أي ما يقارب المليون. اعتقلت 13 ألف فتاة وامرأة. أسرت 25 ألف طفل وفتى، بين الثانية عشرة والثامنة عشرة.
ويقولون: «ليس لدينا مانديلا».
رحم الله الكاتب والقاص سعيد تقي الدين. سئل إن كان يقلد في كتاباته مارك توين. أجاب: مارك توين يقلدني.
ما هذه الميضعة؟ (أي مركب النقص)
ويقولون: ليس لدينا غيفارا.
وهذا افتراء أيضاً. برغم الهالة الأسطورية الرائعة التي حاز عليها القائد الفذ الـ«تشي»، فإن لدينا من القيادات النضالية، ما يجعل قامة غيفارا، ضئيلة جداً. بعض هؤلاء، على قيد الحياة، وعلى أيديهم وشم الانتصارات. أليس السيد حسن نصر الله، في مرتبة، فوق المراتب؟
هذا موسم أعياد. لنقل للسيد: «كل عام وأنت بخير». امنيتنا، أن نشهد للأمة والوطن وفلسطين، بما يليق من عمل وجهد وصبر. هذا موسم أعياد. ولي على التخوم في جنوب الجنوب، أصدقاء، لم يكشفوا عن أسمائهم. سهرت معهم على الحدود، راقبنا العدو من الشريط إلى الشريط. أحصينا حركاته. هؤلاء الأصدقاء، الذين «ترهبنوا» في المرابطة، لا يعرفون عن السياسة اللبنانية إلا القليل. مشغولون بسياسة المقاومة وما يلزمها من سهر وعشق وصلاة وعمل. لهم أقول: أيها الأصدقاء المجهولون، كل عام وأنتم بخير. لوِّحوا لبيت لحم بالتحية، فأنتم أقرب إلى القدس لأنكم أكثر الساهرين من أجلها.
هذا موسم أعياد. لنقل للأسرى الفلسطينيين: «وعد علينا أن ترجعوا إلينا»، ووعد آخر علينا، أن نرجع إليكم. لن تمنعنا الزنازين من إضاءة الشموع في الساحات احتفاءً بحريتكم القادمة. أنتم، تعرفون طعم الحرية أكثر منا. حرية الروح لا تخضع للقيود والسلاسل. وأنتم، أمراء الروح، فيما نحن، من المحيط إلى الخليج، تنسانا الروح أحياناً، فندب دبيب الزاحفين على الجباه.
وعد علينا، أن نتذكركم. وسنسمح لأنفسنا بتقليد الأجنبي، في إحدى فضائله. التقى الفرنسيون، ليعيدوا مع صحافيين مخطوفين في أفغانستان. امتلأت ساحات المدن والبلدات. شارك الجميع بالاحتفال. الموسيقيون، الكتاب، المفكرون، الطيبون، الأهالي، قالوا للصحافيين المخطوفين: «نحن معكم، إذاً، أنتم معنا، ولو من بعيد».
ليتنا نقلدهم، فنقيم للأسرى أعيادهم ونجعلها أعيادنا. وليتنا نجعل من أسرهم، قضية إنسانية دولية. فنحن بشر من أعز الناس وأشرف الناس وأحق الناس، في ما خص فلسطين. ولا يساوي لدينا الجندي جلعاد شاليط، إلا ما يساويه جندي مغترٍ ومعتدٍ ومعادٍ، تنطبق عليه قوانين الأسرى. لا أكثر ولا أقل.
هذا موسم بطاقات المعايدة. وهذه بطاقة «لفرح العطاء»... وتحديداً، للصديق ملحم خلف. فهذا رجل يتفتق أملاً. يكره اليأس والقنوط. ليس لديه أوقات يهدرها في النق والحزن والألم. يومه يبدأ بـ«وقل اعملوا»، ولا يتوقف عن الإنجاز. لا حسابات شخصية في حسبانه. لا حسابات طائفية في وجدانه. المحبة فعل حضوره في أبي سمرا والتل بطرابلس. المحبة وليمة إيمانه في برج أبي حيدر. حاضر في كل مدينة وقرية بحاجة إلى حنان، فيما الآخرون يقيمون في أماكن، يطيب لهم فيها مناخ الطائفية. وبالامس حمل فرح العطاء الى كنيسة سيدة النجاة في بغداد مصطحباً معه ذخائر الروح لقديسي الديانات.
وهذه بطاقة لـ«ممكن»، وتحديدا لغاده فغالي، المرأة التي قالت للمستحيل، كن «ممكناً»، فصار بسرعة. وقفوا في طريقها، فاختصرت المسافة وأنشأت بفترة وجيزة، مشروعاً تنموياً، نسائيا، ومشروعاً تربوياً رائداً.
مثل هذا الرجل ومثل هذه المرأة، آلاف من الشموع التي تضيء عتمتنا الكالحة والمزمنة. هي شموع، يحاول أصحاب الغايات، وضعها تحت المكيال السياسي والطائفي والحزبي. وهذه الشموع، يصح فيها قول الإنجيل: «لا يوقد سراج ويوضع تحت المكيال، بل على منارة ليضيء على الجميع».
لدينا شموع... وليس لدينا منارات، لأن رجال العتمة احتلوا منصاتها. فلنكشح هذه العتمة، ولنقل لهذه الشموع، سلمت يداك وشكراً.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018