ارشيف من :أخبار لبنانية
2010 ـ 2011: عربات سليمان والحريري وجنبلاط
نقولا ناصيف
بين عامي 2010 و2011، كما كان بين عامي 2008 و2009 في الزمن القريب، ولا قبل ذلك حتى، لن يتغيّر الكثير في لبنان. لا الأزمات، ولا الرجال، ولا الجوار. لن يتغيّر الجدل، ولا الانقسام، ولا التعارض في الخيارات وممارسة الحكم وتبادل الاتّهامات
تُحمّل السنة الراحلة أوزارها إلى السنة الجديدة. أزمة مفتوحة حتى الآن، وإلى أن تبصر التسوية السعودية ـــــ السورية النور على الأقل، بلا حلول موقتة ولا دائمة:
ـــــ الانقسام على المحكمة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري وتجريدها من الإجماع عليها، على غرار تجريد سلاح حزب الله من الإجماع عليه.
ـــــ الجدل الدائر بتناقض حادّ حول القرار الاتهامي، حتى نهاية الربع الأول من عام 2011 الذي يُرجّح إصداره.
ـــــ تعطيل السلطة الإجرائية إلى أن يُبّت ملف شهود الزور بإحالته على المجلس العدلي، وقد بات المعادل الرئيسي لمقدرة رئيس الحكومة سعد الحريري على ممارسة السلطة والحكم.
ـــــ عودة ثنائية الموقف الرسمي اللبناني من العلاقة مع سوريا في ظلّ القطيعة بين الحريري والرئيس السوري بشّار الأسد الذي أضحى محاوراً للرجلين الأكثر نفوذاً في اللعبة السياسية الداخلية، وهما رئيس الجمهورية ميشال سليمان بحكم موقعه الدستوري والأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله الحليف الاستراتيجي للأسد حيال موقع لبنان من الصراع مع إسرائيل، وضمان استمرار المصالح السياسية والأمنية لدمشق في هذا البلد.
بفعل الانقطاع الكامل للاتصال والحوار المباشر وغير المباشر بين الرئيس السوري ورئيس الحكومة، فقد الأخير امتيازاً راهن عليه عندما زار سوريا لأول مرة قبل سنة، وصَالَحَ الأسد ونظامه، وأوشك أن يتحوّل حليفاً لسوريا بإقراره بالعلاقات المميّزة بين البلدين وحماية المقاومة، وتسليمها هي بزعامته السنّية ودعمها وجوده على رأس حكومة تمكّنه من أن يحكم، وأن يستعيد مقدار ما تحتمل خبرته وقدراته دور والده الرئيس الراحل في الحكم وفي التحالف مع سوريا. إلّا أن كل ما صنعه الحريري الابن في ثمانية أشهر من الاجتماعات مع الأسد، والمغالاة في إيلاء العلاقة الشخصية أكثر ممّا تستحق وإبراز أولويتها على العلاقة السياسية، والتريّث في الإيفاء بتعهّدات كان قد قطعها له، أعادت علاقتهما إلى الصفر.
باتت مصالحتهما، الجديدة والثانية، من أجل ترميم ثقة لم تدم طويلاً، أحد عناصر التسوية السعودية ـــــ السورية نظراً إلى كون الحريري، شأن الرئيس السوري، طرفين رئيسين في وضعها موضع التنفيذ.
تُحمّل السنة الراحلة مآزقها للسنة الجديدة. إلا أنها تحمّلها أيضاً توازنات جديدة وشيكة ينتظرها عام 2011، منها:
1 ـــــ دخول رئيس الجمهورية في السنة الجديدة النصف الثاني من ولايته، وهو يواجه مشكلة تلو أخرى، من غير أن يفلح في تحقيق آمال وخيارات كان قد حدّدها في خطاب القسم وفي سلسلة مواقف أطلقها تباعاً: تعديلات دستورية تتيح لرئيس الجمهورية ممارسة صلاحياته، إصلاحات سياسية ومكافحة الفساد وإحياء الإدارة بملء الشغور. في السنة الراحلة، كما في السنتين اللتين سبقتها، لم يسعه في الداخل سوى المحافظة على دوره التوافقي بين طرفين يتعذّر تعايشهما، والتعايش مع أحدهما كما مع الآخر. التقى الأسد 3 مرات: في 15 حزيران عندما أطلقا عملية ترسيم الحدود بين البلدين، وناقشا الحدود البرية والبحرية المشتركة، فلم تشقّ طريقها إلى التنفيذ. وفي 30 تموز عندما استقبل في قصر بعبدا قمّة العاهل السعودي الملك عبد الله والرئيس السوري وتفويضهما حماية الاستقرار في لبنان تحت وطأة الانقسام على المحكمة الدولية والقرار الاتهامي. وفي 16 تشرين الثاني عندما ذهب إلى دمشق لمعايدة نظيره، وحمل معه مخاوفه من تنامي الانقسام الداخلي واحتمال تعطيل مجلس الوزراء.
مذ اختلف الحريري مع الأسد وانقطع عن زيارة دمشق، وانقطع الرئيس السوري عن الردّ على مكالماته، وانقطعت دمشق عن الردّ على معاونيه، على إصدار القضاء السوري مذكرات التوقيف الغيابية في 4 تشرين الأول، أصبح سليمان المحاور الرسمي الوحيد مع القيادة السورية سعياً إلى انتظام علاقة البلدين، وقد ترجّح فيها الدور السوري بين نقيضين مثيرين للجدل والانقسام الداخلي من حوله أيضاً: سوريا، كالرياض، وسيط بين اللبنانيين لحفظ الاستقرار واستمرار حكومة الوحدة الوطنية واجتراح حلّ للنزاع على المحكمة الدولية والقرار الاتهامي. لكنها أيضاً فريق في الصراع المتّصل بالوساطة نفسها، إذ تقف في صف حزب الله وحلفائه في مواجهة المحكمة والقرار الاتهامي وشهود الزور، وتستمر داعماً للمقاومة وسلاح حزب الله، في وقت تشجع فيه على نزع الإجماع عن المحكمة التي تعدّ دمشق نفسها غير معنية بها تارة، وتصفها بالمسيّسة وتشبّهها باتفاق 17 أيار طوراً. وهي إذ تسترجع التشبيه، تذكّر أيضاً بمساهمتها عامي 1983 و1984 في إسقاط هذا الاتفاق بالتعاون مع حليفها ـــــ الحليفين اللدودين ـــــ اللذين لا يزالان إلى حدّ بعيد يتلاعبان، منذ أكثر من عقدين ونصف عقد من الزمن، بالتوزانات الداخلية وخيارات التسوية والمواجهة، وهما رئيس المجلس نبيه برّي ورئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب جنبلاط.
أضحى رئيس الجمهورية، منذ النصف الثاني من السنة الراحلة، يدافع عن دوره التوافقي وعن نصاب مجلس الوزراء لتفادي انقسامه. لم تعد المشكلة في الدعوة إلى انعقاده، بل في سبل إرضاء خصوم الحريري كي لا يحولوا دون تعطيل اجتماعه. واجه المشكلة في ثلاثة استحقاقات: الأول في جلسة 9 حزيران المخصصة لاتخاذ لبنان موقفه من فرض مجلس الأمن عقوبات على إيران، فأسفر التصويت عن وقوف وزراء رئيس الجمهورية مع وزراء المعارضة ضد العقوبات، في مقابل الحريري ووزراء قوى 14 آذار ومعهم وزراء جنبلاط ممتنعين عن التصويت، بتعادل 14 صوتاً في مقابل 14. تجنّباً لانقسامه، اخترع مجلس الوزراء قرار اللاقرار.
لكن أفرقاء الداخل كانوا قد أخذوا في الاعتبار تنامي النفوذ الإيراني منذ مفاجأة الاجتماع الثلاثي في دمشق في 26 شباط، بين الأسد والرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد ونصر الله، والصدى المتناقض الذي لقيه في بيروت، قبل أن تأتي المفاجأة الثانية في 13 تشرين الأول بزيارة نجاد لبنان لأول مرة، ومناداته بالاستقرار والوحدة الوطنية وحماية المقاومة، وقبل أن يطلق مرشد الجمهورية الإسلامية المفاجأة الثالثة في 21 كانون الأول عندما وصف المحكمة الدولية بالباطلة واللاغية. وهكذا لم تعد طهران تكتفي بنفوذ متفاقم في لبنان، بل باتت قادرة على النفاذ إلى قلب مجلس الوزراء والتلاعب بخياراته ومواقفه وانتظامه.
ثم الاستحقاقان الثاني والثالث، عندما أخفق مجلس الوزراء في 10 تشرين الثاني ثم في 15 كانون الأول، في بتّ ملف شهود الزور، بعدما امتنع الرئيس عن طرحه على التصويت تفادياً لانقسام السلطة الإجرائية، فإذا بوزراء 8 آذار يعلّقون حضور جلسات مجلس الوزراء في موقف صريح يُنبئ بتعطيل اجتماعاته ما لم يُبتّ هذا الملف. لم يقتصر الجدل على تناقض موقفي الحريري وحزب الله، ومن ورائهما حلفاؤهما، بل طاول رئيس الجمهورية، سواء بحياده بينهما إذ لم ينحز إلى أحدهما، أو برفضه طرح الملف على التصويت رغم تأييده موقف المعارضة بإحالته على المجلس العدلي، وتأييده موقف الموالاة بعدم بتّه إلا في ظلّ توافق حكومي عليه.
رمى موقف رئيس الحكومة إلى صرف النظر عن ملف شهود الزور إلى ما بعد صدور القرار الاتهامي، بغية وضع حزب الله في دائرة الشبهة ومقايضته إذ ذاك بتسوية تحمله على تنازل مكلف، يبدأ بتسليمه بمسؤولية عناصر منه عن اغتيال الحريري الأب. ورمى موقف رئيس المجلس وحزب الله إلى الإصرار على إحالة الملف على المجلس العدلي، في خطوة ممهّدة لدفع الحريري إلى استباق القرار الاتهامي برفضه، وإخضاعه تالياً لتسوية تسبق انفجار المشكلة.
صار على رئيس الجمهورية أن يدافع عن صلاحياته الدستورية، وعن حقه في إدارة جلسة مجلس الوزراء عندما يترأسه، وعن طرحه التصويت أو عدم طرحه تبعاً لصلاحية دستورية مطلقة. وبات عليه، بعد شلّ مجلس الوزراء، إنقاذ طاولة الحوار الوطني من التعطيل بعد مقاطعة وزراء المعارضة جلسة 4 تشرين الثاني. ألحقوها باجتماعات مجلس الوزراء، ففقد رئيس الجمهورية المصدرين الحقيقيين والرئيسيين لممارسته دوره التوافقي: مجلس الوزراء عملاً بالأحكام التي ناطه بها الدستور، وطاولة الحوار الوطني تبعاً لما نصّ عليه اتفاق الدوحة.
2 ـــــ خروج جنبلاط نهائياً من قوى 14 آذار، وانضمامه إلى خطاب قوى 8 آذار في الموقف من التحالف مع سوريا وسلاح المقاومة، ثم الخروج التدريجي من المحكمة الدولية إلى حدّ مناداته مجلس الوزراء برفضها، بعدما تنصّل سلفاً من القرار الاتهامي، وقد عدّه شقاً مكمّلاً للقرار 1559. لم يشارك في الذكرى الخامسة لاغتيال الحريري الأب في 14 شباط، واكتفى بالصلاة على الضريح، ليتوجّه من ثم إلى لقاء نصر الله.
كان هذا الانتقال بين ساحة الشهداء وحارة حريك إيذاناً بالانتقال من قضية إلى أخرى، من التعلّق بالمحكمة إلى الالتصاق بالمقاومة، توطئة لزيارة دمشق ومصالحته مع الرئيس السوري في 31 آذار، بعد سبحة طويلة من الاعتذارات كان أشدّها وطأة عليه، وعلى حزبه وطائفته، وصفه في 13 آذار مرحلة عدائه للأسد وسوريا بـ«لحظة تخلّ». مذ ذاك زار سوريا 6 مرات، واجتمع بالأسد 3 مرات.
فُتحت أبواب نصر الله تماماً أمام جنبلاط، وأوصدت كلياً أمام الحريري منذ آخر اجتماع له بالأمين العام لحزب الله في 7 حزيران. لم يسع الزعيم الدرزي، على مرّ الأشهر الماضية، الاضطلاع بوساطة تعيد الحوار بين الحريري ونصر الله، أو تقنع الأخير بتحديد موعد لاستقبال رئيس الحكومة الذي تظلّم مراراً واشتكى، لدى الرئيس السوري حتى آخر لقاء به في 30 آب، سوء معاملة نصر الله له، برفضه معاودة الحوار معه. كان جنبلاط يقول، على مرّ السنة، إن وساطة بين الرجلين تفوق قدراته، لكنه كان يعرف أن الحريري وحده قادر على شقّ طريق كهذه بتنازلات موجعة سبقه إليها جنبلاط.
والأحرى أن هذه التنازلات باتت أكثر كلفة عليه، مذ كشف نصر الله في 22 تموز، لأول مرة، أن الحريري فاتحه بمضمون قرار اتهامي لعناصر من حزب الله باغتيال والده.
ورغم أن جنبلاط لم يقلب بعد الأكثرية أقلية، ولا نقل وزراءه ونوابه من قوى 14 آذار إلى قوى 8 آذار، ولا سمع من سوريا إلحاحاً على ذلك، ورفع من نبرة خطابه الذي أصبح منتمياً بكليته إلى قوى 8 آذار وسوريا، أبقى على خيط رفيع يجعله يصف نفسه كأنه راقص على حبل سيرك بين الفريقين، يقع إذا التفت إلى أحدهما. لم يضع نفسه في الوسط، لكنه سلّم بدور يمكّنه ـــــ كرئيس الجمهورية ـــــ من إبقاء قناة الحوار مفتوحة بين فريقي النزاع، كي لا ينفجر مجلس الوزراء. بيد أنه جهر برفضه المحكمة والقرار الاتهامي، وبإحالة ملف شهود الزور على المجلس العدلي، وبتباعد بينه والحريري من غير أن يتخلّى عنه، ما دام يراه الأقدر بين زعماء السنّة على تنفيذ التسوية السعودية ـــــ السورية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018