ارشيف من :أخبار لبنانية

إعادة السفير الأميركي إلى دمشق... من تنازل لمن؟

إعادة السفير الأميركي إلى دمشق... من تنازل لمن؟

نبيل هيثم ـ "السفير"

ماذا بعد مصادقة الرئيس الأميركي باراك اوباما على تعيين السفير روبرت فورد في دمشق، وما هي مفاعيل هذا التعيين وتأثيره على مسار العلاقات الثنائية، وهل له تأثير مباشر سلباً أو إيجاباً على المسعى العربي حول لبنان، ومن تنازل لمن في سبيل إتمام هذا التعيين وإعادة السفير بعدما سحبته ادارة جورج بوش بعد اغتيال الرئيــس الشهيد رفيق الحريري في العام 2005؟

اقترنت المصادقة مع تبخيس اميركي بما وصفتها صحيفة «نيويورك تايمز» «الآمال المعقودة» على المرسوم الذي اصدره اوباما، مشيرة الى ان قلة يعقدون الآمال حول تغيير كبير مع وصول السفير الى دمشق، وحدّدت «أهدافًا أكثر تواضعاً» من تعيينه خاصةً «مع استمرار التوتر في العلاقات السورية - الأميركية والاتهامات المتبادلة بين الدولتين». وأحد هذه الأهداف، بحسب الصحيفة الأميركية، أن «تكون لدى الولايات المتحدة الأميركية نافذة أكثر وضوحاً على سوريا في أوقات التوتر المتزايد على الجهة الأخرى من الحدود، أي في لبنان». كما ان الصحيفة اكدت ان الاوضاع في لبنان ستكون من ضمن اولويات السفير الجديد».

وفي السياق ذاته، صب موقف السفيرة الأميركية في لبنان مورا كونيللي التي قالت انه «لا يجب النظر الى تعيين سفير للولايات المتحدة في دمشق كمكافأة للحكومة السورية». واشارت الى ان وجود سفير في دمشق سيؤدي الى تحسين قدرتنا على توجيه رسائل حازمة للحكومة السورية ولإبراز أولوياتنا وما يقلقنا بصورة واضحة الى سوريا».

مقابل هذا التبخيس، تظهر صورة مغايرة في دمشق، التي مرت على مصادقة اوباما على التعيين كحدث عابر وكشأن اميركي يرمي الى تصحيح خطأ ارتكبته ادارة جورج بوش.
واذا كانت العودة الاميركية عما تعتبره دمشق «خطأ سحب السفير» قبل خمس سنوات، تعد في جانبها الشكلي ترجمة لقرار ادارة اوباما بإعادة السفير الى العاصمة السورية، فإنّ تلك الخطوة، وكما ينقل زوار دمشق، اشعرتها بأنها حققت انتصاراً دبلوماسياً أكيداً يضاف الى سلة الانتصارات التي حققتها في سنوات الحصار والتضييق ومحاولات التطويع الاميركية ـ الغربية.

ويقول مسؤول سوري «إن دمشق ليست هي من طلب سحب السفير الاميركي، وهي لم تطلب اعادته، فواشنطن هي التي بادرت الى سحب سفيرتها في العام 2005 متذرِّعة بحادثة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، في خطوة استهلالية لحرب كانت معدّة ضد سوريا من أجل عزلها والاطاحة بنظامها وتطويعها والحاقها بالمشروع الأميركي في مرحلة ما بعد احتلال العراق، بدليل ما كشفته محاضر الأليزيه ومذكرات جورج بوش وتوني بلير وبعض وثائق موقع «ويكيليكس»، وبالتالي فان اشنطن هي التي قررت اعادة سفيرها، ومرد ذلك ليس الى تغيير شاب الموقف السوري او تراجع عن ثوابت سورية، بل ان التغيير شاب الموقف الاميركي. وهذا أمر واضح لا لبس فيه».

ويلفت المسؤول السوري الانتباه الى ان دمشق لا تقلل من أهمية رفع التمثيل الدبلوماسي الأميركي، فهي من حيث المبدأ مع نسج افضل العلاقات، لكنها تقرأ في ذلك إقراراً أميركياً بأهمية موقع دمشق ودورها الإقليمي ومحوريته استناداً الى وقائع لمستها واشنطن نفسها حينما تمكنت دمشق من ان تكسر الحصار وتفك العزلة عن نفسها وان تعبر القارات نحو بناء منظومة علاقات غربية واوروبية وفرنسية وتركية على وجه الخصوص، لم تستطع الولايات المتحدة الأميركية منعها، لا بل فرضت عليها التفكير جدياً منذ ذلك الحين، في اعادة تجسير العلاقات مع سوريا، وهناك الكثير من الشواهد والإشارات والرسائل التي تلقتها دمشق من الإدارة الأميركية سواء الحالية أو السابقة، حول رغبتها في نقل العلاقة إلى مستوى جديد من التواصل والحوار، وتندرج في هذا السياق، زيارة مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان ومدير دائرة الشرق الأدنى في مجلس الأمن القومي الأميركي دانيال شابيرو، وكذلك زيارات عدد من الشخصيات الأميركية للقاء الرئيس بشار الأسد، وأيضاً اللقاء الذي عقد بين وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون ووزير خارجية سوريا وليد المعلم في ايلول الماضي على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للامم المتحدة وقبله اللقاء بينهما في اسطمبول في آذار 2009 على هامش مؤتمر المانحين الدوليين لإعادة إعمار قطاع غزة، بعد العدوان الإسرائيلي، بالاضافة الى اللقاءات التي أجراها نائب وزير الخارجية السورية فيصل المقداد مع مجموعة مسؤولين اميركيين في الربع الأخير من العام الماضي.

ان سوريا، يقول المسؤول السوري نفسه، لم تحد عن ثوابتها او عن مواقفها السياسية لبنانياً وعربياً ودولياً، والولايات المتحدة اضطرت ان ترسل سفيرها الى دمشق في ظل استمرار سوريا على هذه الثوابت وما زالت الارض الدمشقية ساحة التقاء لحركات المقاومة اللبنانية والفلسطينية. مع الاشارة الى ان آخر لقاء لحركتي «فتح» و«حماس» في اطار السعي للمصالحة، حصل قبل فترة على ارض دمشق، وهناك رغبة من قبل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بزيارة دمشق، التي مازالت تدرس الظروف الموضوعية لإنضاجها.

وبرغم سياسة الترغيب والترهيب التي مورست عليها لفك عرى التحالف مع ايران، يضيف المسؤول السوري فإن دمشق ما تزال تحافظ على مستوى العلاقة الذي اثبتت الوقائع الموضوعية انه خارج اطار التأثر بأي ضغط وبأية محاولة للتأثير عليه بذرة غبار منذ انتصار الثورة الايرانية حتى الآن، واما «حزب الله»، فإن سوريا التي انتصرت مع المقاومة في لبنان في مواجهة الحرب الاميركية الاسرائلية الغربية في تموز 2006، لا تعتبر المقاومة في لبنان على انها عنصر حماية للبنان ودفاع عن امنه واستقراره فحسب، لا بل ان سوريا تعتبر المقاومة و«حزب الله» خط الدفاع الاول عن سوريا نفسها وما يصيبه يصيبها في الصميم، والرئيس بشار الاسد ابلغ هذه الثابتة الى الرئيس سعد الحريري خلال السحور الدمشقي الاخير بينهما. وهذا يفسَر وقوفها الصارخ بمواجهة القرار الاتهامي المفبرك ضد «حزب الله»، كما يبرر رغبتها ليس في تأجيل القرار فقط بل في الاطاحة بالمحكمة الدولية من اساسها.
وينقل زوار دمشق هنا ان الكلام المنسوب للرئيس بشار الاسد خلال لقائه الاسير المناضل سمير القنطار والذي نبّه فيه الى ان اسقاط القرار الاتهامي يوازي اسقاط 17 ايار، يلاقي الموقف الأخير لمرشد الثورة الاسلامية في ايران السيد علي الخامنئي من ان اي قرار يصدر عن تلك المحكمة هو قرار باطل وغير شرعي..

ويؤكد مطلعون على الموقف السوري أن دمشق التي لم تتنازل عن ثوابتها في احلك الظروف التي مرّت بها في السنوات الاخيرة، تلمس حجم التسليم الاميركي بموقعها، وحجم التراجع الذي اصاب المشروع الاميركي من العراق الى افغانستان فلبنان كما اصاب دور الولايات المتحدة على مستوى عملية التسوية في المنطقة ولإسرائيل الدور الاول في ضرب هذا الدور. ومن هنا برزت الحاجة الاميركية التي تبدت مؤخراً في عقد تفاهمات في العراق ولو انها ما زالت نسبية، وهي الآن تبحث مع الايرانيين في إمكان إسقاط هذه الصيغة العراقية على الواقع الافغاني، فيما الاختبار الكبير ربطاً بتلك التفاهمات سيتبدى على ساحة لبنان، في المدى القريب لا سيما ان حركة المسعى العربي السوري السعودي ناشطة وهناك حديث متزايد عن تقدم جدي وليس منطقياً الافتراض ان حركة الاتصالات السعودية مع سوريا تمّت بمعزل عن الاميركيين الذين كانوا في الصورة جملة وتفصيلاً... وليس بريئاً الفصل بين المسعى العربي وقرار الرئيس الأميركي باراك أوباما.

2011-01-03