ارشيف من :أخبار لبنانية
المخالفات الدستورية في مشروع منع بيع العقارات بين أبناء طوائف مختلفة
في الوقت الذي ينادي فيه رئيس مجلس النواب نبيه بري بإلغاء الطائفية السياسية، وفي زمن تنادي به النخب الوطنية بإقرار قانون انتخابي خارج القيد الطائفي، يطالعنا الوزير والنائب المحامي بطرس حرب بمشروع قانون يقضي بمنع بيع العقارات المبنية وغير المبنيّة الكائنة في لبنان بين أبناء طوائف مختلفة غير منتمية إلى دين واحد، ليشكل صدمةً وطنية كبرى لأنه يصنَّف كمشروعٍ طائفيٍ بحت في زمنٍ كفر فيه اللبنانيون بالويلات التي جرَّتها الاستغلالات الطائفية.
وإذا كانت نية واضع المشروع سليمة لناحية تعزيز اللحمة الوطنية وحظر تفريغ منطقة من أقلياتها، فإنه حتماً سيؤدي إلى عكس النتائج المبتغاة منه. فهو سيزيد من الفرز الطائفي للأقضية اللبنانية، إذ سيمنع أبناء طائفة معينة من السكن في منطقة طائفة أخرى، أي سيمنع ابن طرابلس من السكن في بشري أو زغرتا، وسيمنع ابن الجنوب من السكن في منطقة صيدا، وسيمنع ابن صيدا من السكن في الشوف الدرزي، وسيمنع ابن كسروان من السكن في صور، وسيمنع ابن الغبيري من السكن في الحدث، وسيمنع ابن الأشرفية من السكن في المصيطبة.. والنتيجة تعزيز الفرز والانقسام الطائفي، وصولا لى وقتٍ نجد فيه أقضية من لونٍ واحد ومن ثم مدن وقرى من لون واحد، بعكس ما يبتغيه واضع المشروع.
أما بالنسبة للزعم القائل بأن حظر البيع إنما يحمي الأقليات الطائفية في أقضيةٍ معينة. فهذا زعمٌ غير دقيق، فالمهم في التواجد الأقلوي في محيطٍ من طائفةٍ أخرى ليس التواجد العقاري، بل التواجد البشري. ونلاحظ أن معظم حالات البيع بين الطوائف المختلفة إنما هو بيع حاصل من شخصٍ غير مقيم في منطقة البيع، وتكون أرضه بوراً ومنزله خراباً، ولا يستفيد منه، وإذا بهذا المشروع يريد أن يبقى الخراب على حاله، فلا صاحب الملك سيستفيد من ملكه ولا المقيم في المنطقة بمقدروه الانتفاع من هذه الثروة العقارية، ومع الوقت ستتحول قرى اللون الطائفي الأقلوي إلى قرى خاوية على عروشها، وستتدنى أسعار العقارات، فيستفيد منها الأجنبي الذي يستطيع الاستفادة من هذا الواقع ليشتري الأراضي اللبنانية بثمنٍ بخس، وهذا الوضع سيعزز الكراهية بين الطوائف بدلاً من الإلفة والمحبة في ما بينهم.
إن هذا المشروع في حال إقراره، عدا عن إسهامه الحكمي في الفرز الطائفي والمذهبي، فإنه يخالف عدة مواد في مقدمة الدستور اللبناني:
ـ يخالف الفقرة (ج) من مقدمة الدستور التي نصت على أن لبنان جمهورية.. «تقوم على العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز او تفضيل». إلا أن هذا المشروع في حال إقراره سيلقي عبأً مرهقاً على عاتق فئة من المواطنين وتمييزاً لهم عن غيرهم في معاملات بيع العقارات والأملاك غير المنقولة. وعلى فرض أن قانوناً سيلقي عبئا كهذا على عاتق مواطنين، فعلى الأقل عليه أن يعوِّضهم عن الأضرار التي قد تلحق بهم من جرَّائه. فمن سيحرم من بيع عقاره، ومن سيحرم من شراء عقارٍ بأمس الحاجة له لا بدَّ من أن يعوَّض عليه سنداً لمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة.
ـ يخالف الفقرة (ط) من مقدمة الدستور التي تنص على أن لا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان. وهذا المشروع أياً كانت دوافعه فإنه سيزيد من الفرز الطائفي للشعب اللبناني بخاصة أن معظم الأقضية اللبنانية مفروزة مسبقاً للأسف على أساس طائفي مع احتوائها على أقليات من طوائف أخرى، لذا فإن هذا المشروع اذا كتب له النفاذ، فإنه سيكون بمثابة مقدمة للتقسيم.
ـ يخالف الفقرة (ط) التي تنص على أن أرض لبنان واحدة لكل اللبنانيين. فلكل لبناني الحق في الاقامة على أي جزء منها والتمتع به في ظل سيادة القانون، فلا فرز للشعب على اساس أي انتماء كان، ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين». ونرى حتماً أن هذا المشروع يخالف البنود الأربعة التي تتألف منها هذه المادة.
أما لناحية الزعم بأن حق الملكية المنصوص عنه في المادة 15 من الدستور ليس حقّاً مطلقًا لا حدود له، بل هو حقّ خاضع لقيود تفرضها المصلحة الوطنية والظروف الاستثنائية، فنجيب بأن المصلحة الوطنية تفرض التعايش بين الطوائف لا فرزها، وأن حماية الأقليات ودفعها للتمسك بأرضها لا يكونان بمعاقبة الفرد بل بتوفير المقومات اللازمة ليتمسَّك بأرضه، وأبرز هذه المقومات هو الإنماء المتوازن وتحقيق فرص العمل والعيش في المناطق التي يحصل فيها البيع. وإذا أمَّنت الدولة هذه المقومات، فإن مالك العقار سيتمسك تلقائياً بعقاره وأرضه وداره، ولن يدفعه فقر ولا حاجة إلى ترك منطقته والهجرة إما داخلياً وإما للأبد خارجياً.
فأن يكون الإنسان مالكاً ثمّ يُحرم من التصرف بملكه إذا كان محتاجاً لثمنه، إما لأن وزارة العمل قصَّرت في تأمين فرص العمل، أو لأن وزارة الصحة لم تؤمِّن له الاستشفاء اللازم، أو لأن وزارة التربية لم توفِّر التعليم اللائق المدرسي والجامعي لأبناء المناطق التي يحصل فيها البيع والهجرة، أو لأن وزارة الثقافة لم تنشر روح الوطنية والتمسك بالأرض، أو لأن الوزراء والنواب منهمكون بالمناكفات والتحريض الطائفي بحيث لا يأمن أبناء أقلية طائفية معينة من السكن في منطقة تقطنها أكثرية من طائفة أخرى، ثمَّ بعد كلِّ هذا التقصير الرسمي نلقي على عاتق مواطن ضعيف وزر سياسات واستراتيجيات خاطئة. ولا يمكننا أن نصف هذا التقصير إلا بأنه بمثابة مخالفة لنص الفقرة (ز) من مقدمة الدستور التي تنص على أن الانماء المتوازن للمناطق هو ركن أساسي من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام.
والأدهى في هذا المشروع أنه جعل من مخالفة أحكامه جناية توازي عقوبتها عقوبة من يرتكب الخيانة العظمى، وهي بقسوتها تخالف مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة، هذا في حال كان من الممكن القبول - وفق مبادئ علم الجزاء والإجرام ـ بتصنيفها ضمن فئة الجنايات.
استناداً إلى هذه الملاحظات، نعتقد أن هذا المشروع لن يصل للمجلس النيابي، وهو إن وصل وأُقرَّ فإن المجلس الدستوري سيكون له بالمرصاد.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018