ارشيف من :أخبار لبنانية
قوّة الحريري في "ضعفه"
حسن عليق- صحيفة "الاخبار"
هل يجرؤ رئيس الحكومة سعد الحريري على عقد تسوية في ملف المحكمة الدولية، تعاكس كل رغبات جمهوره؟ وهل بإمكانه أن يخطو تلك الخطوة مع ما يصل إلى مسامعه من خلافات مسؤولي الصفين الأول والثاني في تياره السياسي، ثمة سوابق جعلته مرتاحاً، استعان على تخطّيها بنظرية... so what؟
يقصد رئيس الحكومة سعد الحريري غرفته ظهراً. يخلع الكرافات التي نصحه بها صباحاً عبد العرب (أبو كريم، المسؤول عن أمنه الشخصي). وبدلاً من البذلة الرسمية، يرتدي ثياباً أخف كلفة: جينز وبلايزر. يتوجه إلى غرفة الطعام حاملاً السيجار الكوبي. الرواد اليوميون اتخذوا مواقعهم إلى الطاولات الكثيرة. باسم ونادر وهاني هنا. كذلك عقاب صقر. مجموعة من إعلاميي «العربية» و«الحياة» ومجموعة «المستقبل». بعض الأصدقاء الشخصيين للرئيس. ينضمّ إليهم أحياناًَ الضابط المدلّل محمد برجاوي.
يجلس الحريري إلى طاولته. وبين الحين والآخر، يقترب منه أحد الصحافيين. يسأله عن خبر ما ليؤكده. الرئيس الشاب قليل الكلام في التفاصيل. بحسب أحد عارفيه، هو متأثر بنشأته في البلاد «التي لا جمرك فيها إلا على الحكي». يحمل صحنه قاصداً طاولة البوفيه، فيلحق به عدد من الإعلاميين محاولين الحصول على معلومة. المائدة لا تذكّر بأن ساكن القصر ملياردير. هي أشبه، نوعاً لا كمّاً، بموائد أبناء الطبقة الوسطى.
لا يفوّت الحريري مجالاً لنكتة من دون استغلاله. أجواء شاغلي قصر «وادي أبو جميل» تعبق بالتلقائية. هي أقرب ما تكون إلى حفلات الغداء التي يقيمها الأصدقاء. بالتأكيد، ثمة دوماً مكان للانتهازيين والمبخّرين.
الرئيس لا يزال في بداية حياته السياسية. خمس سنوات من العمل الذي بدأ إكراهياً لم تزده إلا ثقة بالنفس.
من أين له هذه الطمأنينة؟ إنها استراتيجية الـso what.
رئيس الحكومة يُدرك جيداً ما يعانيه جمهوره العريض وتياره. اهتز طوال السنوات الماضية من دون أن يقع. يعلم مشاكل تياره ونوابه ووزرائه وجمهوره. أقسى ما مر به في حياته السياسية كان تلك اللحظات التي أعقبت يوم الخامس من أيار عام 2008. ورغم ذلك، فإن الشيخ سعد بقي متماسكاً. انهارت منظومة بنيت منذ عام 2006 في أقل من ساعتين. ومنذ ذلك الحين، بدأ التراجع. حُلّت الشركات الأمنية مخلّفة وراءها مئات العاطلين من العمل المستعدّين للتسرب نحو خصومه. بعد الانتخابات النيابية في حزيران 2009، شحّت الأموال التي بإمكانه استخدامها في العمل السياسي. ارتفع «النق» وسط جمهوره الذي اعتاد منذ عام 2005 البذخَ من دون حساب. «جرى التعامل مع هذا الجمهور بطريقة دفعته إلى تحميل تيار المستقبل مسؤولية جفاف حليب بقرته»، بحسب ما يقول أحد المقربين من الحريري.
لكن ذلك لم يشفع للجمهور. تُرك بلا سند. تيار المستقبل بدا كتنظيم عمره 100 عام أو أكثر، لناحية ترهّله. خلافات وطموحات ومؤامرات. عجز تام عن مواكبة السياسات التي يعتمدها الرئيس، وخصوصاً بعد القرار السعودي بالانفتاح على سوريا. لم يشرح أحد للجمهور ما كان يجري بين بيروت ودمشق والرياض. كان مسؤولو التيار ومؤيدوهم يستبعدون طوال الوقت أن يذهب سعد الحريري إلى دمشق. بعد ذلك، خففوا توقعاتهم، قائلين إن زيارته ستكون بصفته رئيساً للحكومة، لا ابناً لرفيق الحريري. بدأت زياراته لدمشق تتوالى، من دون أن يردّ له أحد من مسؤولي الشام زيارة واحدة. بعد مدة، انقطعت الزيارات بقرار سوري. كان يقول لجمهوره إن انفتاحه على سوريا نهائي، وإن قراره بهذا الشأن استراتيجي. أعطته سوريا في المقابل مزيداً من الضغط عليه، ومذكرات توقيف بحق أركان فريقه السياسي والإعلامي والأمني والقضائي.
نتائج ترهُّل التيار وعدم قدرته على مواكبة انعطافات الرئيس ظهرت في الانتخابات البلدية التي تلقّى فيها الحريري أقوى صفعة من جمهوره منذ بداية عمله السياسي.
كل ذلك يعرفه الحريري، ويعرف أن جمهوره أحبط مجدداً. فمسؤولو التيار ونوابه هربوا إلى الأمام لتبرير العلاقة المستجدة مع دمشق، وسوّقوا أن سوريا ستقف في صف الحريري لمواجهة حزب الله وميشال عون. تبدّدت هذه الأحلام سريعاً، فعاد الجمهور إلى الإحباط.
كل ذلك يعرفه الحريري، ويدرك أيضاً أن مؤسساته الإعلامية قاصرة عن تسويق الأفكار التي لا يحبذها تياره، وأن هذه المؤسسات لا تنجح إلا في أيام التحريض. سنحت لها فرصة قد لا تتكرر، خلال أحداث أيار 2008. فعودتها بعد توقيفها عن العمل ضاعفت نسبة مشاهدتها بنحو غير مسبوق، وبأضعاف ما يمكن أن تتيحه لها أي حملة إعلانية. لكنها لم تحسن استثمار ذلك. كانت من أكثر القطاعات تأثراً بأزمة انقطاع السيولة المالية المعتادة عن التيار.
يُدرك الحريري ذلك. وتصل إلى مسامعه أيضاً شكاوى مؤيديه من أداء نوابه ووزرائه، ومن الخلافات المستحكمة بينهم وبين منسّقي التيار في عدد من المناطق والقطاعات. في البقاع الغربي، خرج إلى العلن الخلاف بين النائبين جمال الجراح وزياد القادري. وفي الشمال، معظم النواب «يغارون» من شعبية اللواء أشرف ريفي. وفي بيروت، كانت الماكينة المستقبلية عاجزة عن رفع نسبة التصويت في الانتخابات البلدية عن حاجز الـ18 في المئة. وحدها صيدا نجت، بفضل الحضور الدائم لعمة الرئيس، النائبة بهية الحريري، وابنها أحمد.
ذلك كلّه وأكثر، يعرفه الرئيس الحريري كما يعرف راحة يده. وحتى اليوم، لم يقم بأي خطوة جدية لمعالجة الخلل الحاصل، إلا قراره خفض ميزانية تلفزيون «أخبار المستقبل» بنسبة 20 في المئة.
علامَ يبني ارتياحه؟
يقول بعض عارفي الحريري إن الهدوء يحكم ردود أفعال الأخير. وهو لم يخرج عن طوره، حتى في أحلك أيام أيار 2008، عندما كان شبه محاصر في منزل عائلته بقريطم، بعد انهيار ذراعه الأمنية. وفي هذه الأيام، يواجه الحريري المستنقع الذي يشدّ تياره إلى الأسفل، مستنداً إلى استراتيجية عنوانها: So what! (الترجمة الأقرب إلى معنى هذه العبارة هي: «وإن يكن»، أو «شو يعني»!).
فإزاء الواقع السلبي، سياسياً وتنظيمياً وشعبياً، المحيط بالحريري، لا يزال الرئيس الشاب متفائلاً. وتفاؤله مبنيّ على نقاط قوة ما لا يملكها أحد غيره، بحسب المقرّبين منه.
التيار مترهل، so what؟ فالحريري يملك حيثية شخصية شعبية وسط الطائفة السُّنية، لا يجاريه فيها أحد. وهو السياسي الوحيد القادر خلال شهر واحد (شهر رمضان) على استقبال 30 ألف شخص إلى مائدته في قريطم. وهؤلاء، يصافحهم الرئيس فرداً فرداً، علماً بأنهم يمثّلون الطائفة السُّنية جمعاء، فمنهم زعماء الأحياء والمخاتير ورؤساء البلديات والموظفون البارزون في الدولة والقضاة والضباط والنواب والوزراء الحاليون والسابقون والمديرون العامون وكل من يملك حيثية شعبية وعائلية. عملياً، «هو يلتقي كل أبناء الطائفة السُّنية خلال شهر رمضان»، يقول أحد المطّلعين على ما يدور في وادي أبو جميل.
وبرأي الأخير، فإن من يواجهون الحريري داخل الطائفة (باستثناء جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية) عاجزون عن جمع 500 شخص بيروتي في لقاء سياسي واحد. وخارج بيروت، ليس ثمة من يهدد نفوذه داخل الطائفة. «نجيب ميقاتي ومحمد الصفدي لا يريدان خوض مغامرة ضده. عبد الرحيم مراد وأسامة سعد في البقاع وصيدا، لكل منهما حجمه الذي إن لم ينقص فلن يزيد، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأحباش». ويؤكد مقربون من الحريري أنه قادر على استرجاع كل من ابتعد عن تياره خلال العامين الماضيين، وخصوصاً أن معظم هؤلاء لم ينتقل إلى الضفّة الأخرى. وبرأيهم، إن الحريري قادر على اكتساح كل المناطق ذات الأغلبية السُّنية، في أي انتخابات تجرى. وبسبب الخطاب السياسي العالي النبرة السائد حالياً، «بإمكان الحريري استعادة كل البلديات التي خسرها في الانتخابات الأخيرة».
هذا شعبياًَ. أما في الدولة اللبنانية، فتأخذ نظرية «So what» حيّزاً أكبر. يسأل أحد المقربين من الحريري: «كل ما جرى خلال السنوات الماضية، هل أضعف قدرة سعيد ميرزا أو أشرف ريفي أو وسام الحسن أو عبد المنعم يوسف على التحكم بالإدارات التي يمسكون بها؟ وهل بإمكان أيّ كان تعيين موظف في وزارة المال من دون رضى الحريري؟ وهل بإمكان أي مرسوم في الدولة أن يبصر النور من دون توقيع ريا الحسن؟ وهل تتجاهلون عشرات الإدارات والمؤسسات الرسمية والخدماتية التابعة مباشرة لرئيس الحكومة؟». يضاف إلى ما قيل، «حلفاء أثبتت الأيام أنهم لا ينفكّون عن الحريري، فضلاً عن كون بعضهم غير قادر على الابتعاد عنه». في المقابل، «ما الذي يمكن خصومنا أن ينفذوه، سوى التعطيل؟ لا شيء، إنهم فاقدون للمبادرة. والتعطيل يسري على الجميع».
هذا مختصر نظرة الحريري إلى الداخل اللبناني. أما خارجياً، فالـ«so what» تتضخم. هل ثمة من يقدر على تسمية سياسي في العالم خارج أميركا، قادر على نسج اتصالات بالقدر ذاته الذي يملكه الحريري، من باكستان إلى دول الخليج إلى الدول العربية كلها، ومن روسيا إلى الولايات المتحدة، مروراً بأوروبا وبعض دول أميركا اللاتينية؟ وهل رأيتم رجلاً من خارج العائلة المالكة السعودية، يحظى بهذا الاهتمام من الملك الذي يحضنه؟ ومهما قيل عن إقفال «الحنفية» المالية السعودية عن حوض سعد الحريري، فهل ثمة من يتوهم أن الملك السعودي سيسمح بانكسار رئيس الحكومة في لبنان؟ وهل ثمة سياسي واحد في العالم يُحاط بالحفاوة ذاتها التي يلقاها الحريري الابن في دولة مثل روسيا، هي في موقع الحليف المفترض لخصومه السياسيين؟ يطرح أحد عارفي الحريري هذه الأسئلة، قبل أن يجيب نفسه بالقول: إن سعد الحريري، بقدراته المالية وعلاقاته، هو واحد من أعضاء «النادي الحاكم» في العالم. ثم يحدثونك عن التراجع والانهيار، إيه so what؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018