ارشيف من :أخبار لبنانية
تفاهم "س ـ س" سيُطلق "مختوماً بالأرزة"... وبالحكومة الحالية
خضر طالب، السفير
لم يخضع الكلام المنسوب إلى الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد، بشأن اعتباره إسقاط المحكمة الدولية شبيهاً بإسقاط اتفاق 17 أيار، لقراءة معمّقة في مدلول هذا الكلام، وإنما خضعت معظم التعليقات لمنطق التبني أو الاعتراض من دون الغوص في أبعاد مضمون هذا الموقف السوري الأول من نوعه. فالرئيس الأسد وضع سقفاً محدداً لم يعد ممكناً لأي كان اختراقه صعوداً، وأطلق رصاصة الرحمة على المحكمة الدولية، لكنه أيضاً حدد معالم التسوية التي أنجزت بين سوريا والمملكة العربية السعودية، خصوصاً أن موقفه جاء في سياق المشاورات الحاسمة بين دمشق والرياض، ما يعني بالتالي أن إسقاط المحكمة، بنسختها السياسية الموجهة ضد المقاومة، هو حجر الزاوية في التفاهم... ولو بالتدرّج.
منذ ذلك الحين، لم يتمكن الفريق المؤيد للمحكمة الدولية من الخروج من حالة الارتباك في ظل استمرار غياب معطيات حقيقية عن مضمون التفاهم السوري ـ السعودي، ما خلق حالة من التخبّط السياسي الذي نجح في «تعليق» موجة التفاؤل التي سادت قبيل حلول السنة الجديدة، وذلك في انتظار الخبر اليقين من أصحاب الشأن المعنيين بالتسوية، وخصوصاً رئيس الحكومة سعد الحريري، وذلك بعد أن جاء الانقسام بين المتفائلين والمتشائمين بقرب التسوية على صورة الانقسام السياسي القائم بين فريقي 8 و14 آذار، لدرجة أن بعض المتشائمين من قوى 14 آذار ذهب في اتجاه توجيه «تهمة» ترويج التفاؤل إلى قوى المعارضة (السابقة) لتحميلها مسؤولية الإحباط وإفشال التسوية.
ويبدو أن هذا التخبط لن يتوقف حتى يقول الرئيس الحريري الكلمة الفصل في ما تبلغه من المسؤولين السعوديين، وكذلك الموقف الذي اتخذه شخصياً من مضمون هذه التسوية بين المملكة العربية السعودية وسوريا، بعد أن أكمل بصورة أولية مشاورات عائلية «غير مكتملة» في الرياض، ثم سعى إلى استكمالها لاحقاً من الإمارات العربية المتحدة التي انتقل إليها قبل أيام آتياً من العاصمة السعودية، من دون معرفة ما إذا كان تمكن من الحصول على «تفويض» عائلي مطلق في هذا الخصوص، على أن يعود خلال الساعات المقبلة إلى بيروت، بعد أن تكون صورة الموقف قد تبلورت لديه بالكامل، من دون اغفال ما ردده البعض من أعضاء كتلته حول سعيه الى ضمانات عربية للتفاهم السعودي السوري، في موازاة حرص الجانب السوري على حصوله على ضمانات أميركية، وكذلك في موازاة ما يردده هؤلاء أنفسهم بأن «حزب الله» يسعى أيضا لضمانة ايرانية حتى يكون التفاهم مكتمل الأضلاع والضمانات.
ومن الثابت أن عودة الرئيس الحريري، المتوقعة قربيا جدا، ستطلق دينامية سياسية داخلية تنسجم بشكل ضمني مع فحوى التفاهم السوري ـ السعودي وتترجم بنود هذا التفاهم إلى «اللكنة» اللبنانية، ليكون الإخراج لبنانياً بالكامل، ومن خلال الآليات الدستورية وفي عهدة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان بالتعاون مع رئيسي المجلس النيابي نبيه بري والحكومة سعد الحريري.
هل يعني ذلك أن الأزمة انتهت، وأننا دخلنا، أو نكاد، في مرحلة جديدة؟
يلتقي كل الأطراف عند نقطة الخشية من الأيام المقبلة، وإن كان لكل حساباته المتناقضة التي تدفعه لتلك المخاوف.
فالمتفائلون يخشون حصول «أمر ما» يعطّل النتائج الإيجابية التي حققتها الاتصالات السورية ـ السعودية، كأن تدخل الولايات المتحدة الأميركية على خطها لتجميدها في انتظار ما ستؤول إليه مفاوضات اسطــنبول بينــها وبــين إيــران، برغم المؤشرات الإيجابية العديدة التي ظــهرت مؤخــراً والتي تهيئ لاجتماع مريح مبــدئياً في 24 كانون الثاني الجاري.
كما يخشى هؤلاء المتفائلون دخول أطراف داخلية على خط العرقلة، خصوصاً أن مواقف بعضها لا تزال تطلق من «خلف المتاريس» كأن شيئاً لم يحصل، ومن بين هؤلاء من هو في فريق الرئيس الحريري الذي يبدو أنه لم يُصدر «التعميم» الذي يترجم احتمال قبوله بالتسوية، إلا إذا كانت هذه الموافقة لم تتحوّل إلى قناعة وهو يراهن على سقوطها قبل أن تصل إلى خواتيمها... وهذا أمر مستبعد نظرياً حتى اليوم.
وفي الجهة الأخرى، يخشى المتشائمون أن تطيح التسوية بكل المواقع التي اكتسبوها سياسياً وفي السلطة، وأن تأتي على حسابهم. وبينهم من يحتسبون أنفسهم أنهم سيدخلون في «الظلمة» بعد التسوية بينما كانوا في مرحلة سابقة في دائرة الضوء، وبالتالي فإن التسوية ستطوي صفحتهم وتفتح صفحة جديدة لا تُكتب فيها أسماؤهم.
كما يخشى هؤلاء أن تكون التسوية بمثابة هزيمة سياسية فادحة يدفعون ثمنها لصالح خصومهم «المباشرين»، من دون أن يدركوا أن النقاشات التي أفضت إلى التسوية أخذت وقتاً لا بأس به من البحث في كيفية تظهير توازنها وحفظ مواقع كل الأطراف اللبنانيين فيها، بناء لإصرار الرئيس الحريري على حماية كل حلفائه وفريق عمله وإشراكهم في صياغة المرحلة المقبلة وعدم استفراد أي فريق أو أن يدفع أي شخص أو حليف سياسي ثمن التسوية، ونجح الرئيس الحريري في الحصول على ضمانات بهذا الشأن.
من هنا، يمكن القول إن مرحلة ما بعد التسوية باتت ملامحها واضحة، وعلى الأرجح ستكون طاولة الحوار الوطني بإشراف رئيس الجمهورية هي المحطة الأساس لإطلاق التسوية مذيلة بـ«ختم الأرزة»، أما الحكومة فإنها ستشكّل قوة الدفع لدوران عجلة تنفيذ بنود هذا التفاهم.
وخلافاً للمزاج السائد بتشكيل حكومة جديدة لتشرف على تطبيق بنود التسوية، فإن القراءة الموضوعية للمهل الزمنية الفاصلة عن صدور القرار الاتهامي تدفع للاعتقاد أن تتولى الحكومة الحالية تحديداً مهمة «كاسحة» الألغام، على أن يكون تشكيل حكومة جديدة برئاسة الرئيس سعد الحريري مجدداً مؤجلاً إلى مرحلة لاحقة، لأن «مغامرة» تشكيل حكومة في الوقت الراهن ستستهلك الوقت الباقي من العد العكسي لصدور القرار الظني، بينما تحاول التسوية استباق هذا القرار بتدابير داخلية لبنانية لاستيعابه.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018