ارشيف من :أخبار لبنانية

أزمة المسيحيين أبعد من بيع الأراضي

أزمة المسيحيين أبعد من بيع الأراضي
ادمون صعب - "السفير"


كنا أمس نبحث عن منجّم مغربي ليكشف لنا «بخت» لبنان، في ما آلت إليه المشاورات السعودية ـ السورية، حول التسوية المنشودة للمحكمة الدولية والقرار الاتهامي، عندما فاجأنا مجلس الأمة الكويتي بالتصويت على الثقة برئيس مجلس الوزراء. وبات مجلس الأمة الكويتي (البرلمان) قدوة في احترام قواعد الحكم الديموقراطي، رغم ان الديموقراطية الكويتية حديثة العهد بالنسبة إلى الديموقراطية اللبنانية.

فقد نجح نواب المعارضة في دعوة رئيس الحكومة إلى استجواب، بدأ علنياً ثم تحول الى سري، حول مسؤوليته عن الأوامر التي أُعطيت للشرطة لاستعمال العنف مع متظاهرين، كان بينهم نواب لم توفّرهم هراوات الشرطة!

وانتهى الاستجواب بطرح الثقة، بصيغة «عدم التعامل» مع رئيس الحكومة الذي نجا وحكومته من السقوط بفارق بسيط في الأصوات، اعتبره نواب المعارضة انتصاراً لهم وللديموقراطية.

ولا يجد كثيرون عندنا أي مانع لرئيس مجلس النواب نبيه بري في توجيه نداء إلى قبطان طائرة الرئيس الحريري التي حطّت في الرياض قبل أيام ـ اثر عيادة رئيس مجلس الوزراء الملك عبد الله بن عبد العزيز، خادم الحرمين الشريفين، في المكان الذي يمضي فيه فترة النقاهة في نيويورك، ـ بأن يعيده إلى بيروت على عجل، لأنه مطلوب للمثول أمام مجلس النواب الذي بشّرنا رئيسه بأنه سيدعو إلى جلسة اشتراعية قريبة تسد الفراغ الذي أحدثه تعطّل جلسات مجلس الوزراء.

ويجب ان يدرك الذين أخذوا بالنظام الديموقراطي، ان أهمية هذا النظام تكمن في ان لديه حلولاً لكل المشاكل، شرط عدم التهرب من مواجهتها، وجبهها.
والديموقراطية تقول في «ألف بائها»، ان الحوار داخل المؤسسات يجب ان يؤدي إلى واحد من اثنين: إما إلى صوغ توليفة مشتركة يسلّم بها أصحاب وجهات النظر المختلفة، وإما يُؤخذ بوجهة نظر دون سواها، بالتوافق أو بالتصويت، على ألا ينسحب المعترضون ويقاطعوا، بل يخضعوا للخيار الذي يستقر عليه النقاش، ويسعوا إلى تصويبه والتقريب بينه وبين وجهة نظرهم التي قد تحل محله في مرحلة ما.

وقد تتيح التسوية، في حال ثبوت تضمّنها حلولاً لطريقة توزيع الصلاحيات داخل الحكم، التوجه نحو مشاركة حقيقية في إدارة الشأن العام، بحيث لا يكون على رأس أي سلطة من السلطات الثلاث حاكم فرد مطلق الصلاحيات، بل يكون هناك شركاء له، نائب او نائبان، يتمتع كل منهما بمثل صلاحيات الحاكم، ويمارسها كاملة في حال غيابه؛ أي ان يكون هناك نائب أو نائبان لرئيس الجمهورية، ومثلهما لرئيس مجلس الوزراء، وكذلك لرئيس مجلس النواب، على غرار ما هو معتمد في حاكمية مصرف لبنان.
وهكذا، تتوزع المسؤوليات على الطوائف بطريقة منصفة ومتوازنة، في انتظار إحداث مجلس للشيوخ، وتأليف الهيئة الوطنية للبحث في سبل إلغاء الطائفية السياسية.

على أمل ألا يعارض رئيس مجلس الوزراء ان يكون له شركاء في المسؤولية، بعدما تبدل موقع رئيس الجمهورية، فضلاً عن صلاحياته، بحيث لم يعد يمانع هو، ولا الطائفة التي ينتمي إليها، في أن يكون له نواب، بل ان هذه الشراكة ستتوسع لتصل إلى مجلس النواب الذي لدى رئيسه حالياً نائب كامل الصلاحية، ولا نظنّنه يمانع في ان يكون له نائب آخر، درزي مثلاً.

وهكذا، يطمئن المسيحيون، ونتجاوز المشاريع الطائفية العنصرية، كمثل المشروع الذي أعده الوزير بطرس حرب لمنع بيع العقارات بين الطوائف، وأثار زوبعة من الاحتجاجات، كنا نتمنى ان تجيب عن الأسئلة التالية:
 
ـ لماذا يبيع المسيحيون أراضيهم؟
ـ ولماذا أصبحت الأرض رخوة تحت أقدام المسيحيين؟
ـ لماذا يشتري المسلمون أراضي المسيحيين، بدلا من ان يحصل العكس، بأن يشتري المسيحيون أراضي المسلمين؟
ـ وهل التخلي عن الأرض، أرض الأجداد، المروية بدماء الشهداء، هو دليل ضعف في الانتماء الوطني، وكذلك الولاء للوطن؟
ـ هل لجأ الوزير حرب ومن وراءه، إلى طرح مشروع قانون يمنع بيع أراضي المسيحيين لغير المسيحيين، لأنه فشل ومن وراءه كذلك في إقناع المهاجرين بالبقاء، وليس في إقناعهم بعدم بيع أراضيهم؟
ـ ولأن الهجرة لأسباب اقتصادية لم تعد مقتصرة على المسيحيين، فلماذا يهاجر المسيحي بدون رجعة، بينما غير المسيحي يهاجر ويجمع مالاً ليشتري به أراضي مسيحيين وغير مسيحيين؟
ـ وهل للهجرة الدائمة علاقة بالتوطين؟
ـ وأين مسؤولية القادة المسيحيين الذين غامروا بـ«شعبهم» في حروب عبثية، بل انتحارية، قرابة عقدين من الزمن، انتهت بخيبة وسجون ومناف؟
ـ وهل كان للعامل الإسرائيلي دور في ما آل إليه الوضع المسيحي؟
ـ وأين مسؤولية السلطة الكنسية في محاسبة المغامرين بالمسيحيين، والمقامرين بمصيرهم؟
ـ وهل لتخويف المسيحيين من شركاء لهم في الوطن، دور في بيع الأرض والهجرة في قوافل لم تتوقف منذ عقدين من الزمن؟

ان أزمة المسيحيين في لبنان ـ وهم شركاء في الوطن، بل من مهندسيه ومعمّريه، وليسوا أقلية كما بدأ يشعر بعضهم ـ لهي أعمق وأشمل من بيع الأراضي.
إنها في النظام الطائفي!


2011-01-06