ارشيف من :أخبار لبنانية
رئيس الحكومة يقصد سوريا من دون أن يسميها.. والبداية من "المذكرات"
خضر طالب، السفير
رمى رئيس الحكومة سعد الحريري «حجراً» في «البركة» اللبنانية التي عاشت ركوداً منذ أسابيع على وقع ملاحقة إشارة ولو صغيرة عن «سراب» التحرك السعودي ـ السوري المشترك لإنهاء الأزمة في لبنان، ما شجّع كثيرين على الاعتقاد والمجاهرة بأنه لا توجد تسوية سورية ـ سعودية أصلاً وأن الأمر لا يتعدّى مجرّد أفكار متداولة بين الرياض ودمشق لم تتبلور إلى تفاهم أو مبادرة.
لكن «حجر» سعد الحريري ترك خلفه أنواعاً مختلفة من الترددات:
النوع الأول أصاب فريقه وحلفاءه بصعقة قوية بعد أن صالوا وجالوا لأسابيع في نفي وجود أي مبادرة، فابتلعوا ألسنتهم بعد كلام رئيس «المستقبل» إلى الزميلة «الحياة»، وانكفأوا مرغمين بفعل وقع الصدمة عليهم وغياب التبريرات التي يستطيعون الخروج بها على الملأ بعدما شككوا بوجود المسعى السوري ـ السعودي إلا في سياق عنوان الحفاظ على التهدئة في لبنان.
النوع الثاني، هو الارتياح الذي تركه كلام الحريري في أوساط اللبنانيين الذين كانوا عاشوا قلقاً حول طبيعة ومصير جهود العاصمتين السعودية والسورية، وهو أعاد إليهم الأمل الذي كادوا يفقدونه بإمكان الخروج من الأزمة الراهنة.
النوع الثالث، حمل أسئلة كثيرة حول توقيت موقف الحريري والجهة التي توجه إليها لدعوتها إلى الالتزام بما عليها حتى ينفّذ التزامه بالتفاهم السوري ـ السعودي. فالتوقيت يوحي أنه قد يكون إشارة الإنطلاق لتطبيق المبادرة، لأن الصمت الذي كان يتحصّن به الحريري إنما كان مرتبطاً بمسار الاتصالات بين دمشق والرياض، أما الاعتراف العلني بالمبادرة فشكل عملياً قطعاً للطريق على الاستثمار في الأزمة كما أنه يمنع الاصطياد في الماء العكر. لكن الأكيد أن الحريري ما كان ليطلق موقفه هذا لولا أن المبادرة قد وصلت إلى خواتيمها السعيدة، بل وأن هذه المبادرة حصلت على التغطية اللازمة أميركياً، في حين أن فترة الانتظار السابقة كانت مرتبطة بعدم نضوج الظروف الكاملة لوضع المبادرة موضع التنفيذ.
لكن النقطة التي أثارها الحريري في حديثه وبقيت، أمس، محور النقاش، هي المتعلّقة بهوية «الطرف الآخر» الذي دعاه إلى تنفيذ ما التزم به كشرط مســبق لوضع التزاماته موضع التنفيذ.
وإذا كان الانطباع الأولي يقود إلى الاستنتاج بأن «حزب الله» هو «الطرف الآخر» الذي خاطبه الحريري، إلا أن ردة فعل الحزب يوم أمس عبّرت عن جهل بما عليه من التزام يسبق وضع المبادرة السورية ـ السعودية قيد التنفيذ العملي، وهو ما أوحى باحتمال أن يكون الحريري قصد بـ«الطرف الآخر» سوريا تحديداً من دون معرفة ما هو الالتزام الذي قدمته سوريا للمملكة، وتحديدا للملك عبدالله وما إذا كان هناك التزام أصلاً، وهو ما يبقي هذا الشرط عالقاً حتى معرفة مضمونه والجهة التي التزمت به، علما أن الحريري في حديث صحافي سابق تحدث أيضا أن المطلوب التزام بما تم التعهد به أمام الملك عبدالله.
وقال متابعون لحركة الحريري انه يقصد سحب المذكرات السورية بحق المقربين منه، إذ أنه ليس منطقيا أن يذهب إلى التسوية وهناك من يريد رأس كل الفريق السياسي والإعلامي والأمني والقضائي الذي عمل معه خلال السنوات الماضية... وأن خطوة من هذا النوع فضلا عن حسم ملف شهود الزور، وبالتالي إعادة تفعيل حكومته، تؤول للحديث عن الأمور الأخرى والمقصود هنا المحكمة والقرار الاتهامي.
إلا أن بعض المتشائمين سارعوا أمس إلى اعتبار أن الحريري رمى من يده كرة النار التي يحملها على «الطرف الآخر» لأنه ما زال يراهن على عامل الوقت لإسقاط التسوية من دون أن يتحمّل وزر سقوطها، وإن بدا أن هذا الاحتمال ضعيفاً لأن الحريري لم يكن مضطراً لحسم الجدل ومنح التسوية «وثيقة ولادة» لبنانية وإعلان التزامه بمضمونها، في حين أن طرفيها المباشرين (دمشق والرياض) يفترض فيهما رعاية ولادتها وتظهيرها...
أين الحلقة المفقودة في كلام الحريري؟ بل وما هي العقدة التي تقف إلى اليوم عائقاً أمام إبرام التسوية؟
ثمة من يعتقد أن سعد الحريري انتقل من خلف المتراس الذي خاض منه معاركه خلال السنوات الخمس الماضية إلى منتصف خط التماس الفاصل بين مجموعات عدة من المتقاتلين، وهو يقف حائراً بين رغبته في أن يفرض وقوفه وقفاً لإطلاق النار وبين خشيته أن يتحوّل إلى هدف، لكنه فوجئ بأن الرصاص استمر حتى من ذلك المتراس الذي كان يقف خلفه.
فالحريري الذي اكتشف أن المشروع الذي رفع عناوينه اصطدم بوقائع غير قادر على تغيير حرف فيها وأن جل ما يستطيع فعله هو تأمين مخرج له يمنع عليه إعلان الاستسلام أو الهزيمة، اكتشف أيضاً أن التجاذبات التي تحيط به شديدة وقاسية وقريبة منه جداً. وتبين له أن تيار المستقبل الذي «اجتاح» الشارع السني بنسبة عالية في الماضي إنما تأثّر بمحاور الاستقطاب الداخلي والإقليمي، فأصبح «المستقبل» انعكاساً للإختلاف المصري ـ السوري، كما أنه يترجم التباين السعودي ـ السعودي في التعاطي مع الأزمة، في لبنان بعد أن انتصرت نظرية التسوية بواقع سلطة الحكم للملك عبد الله بن العزيز على نظرية المواجهة التي قادها في فترة سابقة الفريق السعودي المختلف مع سوريا... والذي ما زالت آثاره موجودة ووزنه لا يستهان به ولكن الحريري لن يلتزم إلا بما يقرره الملك عبدالله، ما خلا بعض المناورات التي لا تعدل في مضمون التزامه.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018