ارشيف من :أخبار لبنانية

ماذا قال الحريري لبري حول "الالتزامات الغامضة"؟

ماذا قال الحريري لبري حول "الالتزامات الغامضة"؟

عماد مرمل، السفير
 

صحيح ان اعتراف الرئيس سعد الحريري بإنجاز التفاهم السوري - السعودي قد حسم الجدل الذي كان يدور حول ما إذا كانت التسوية قد تمت أم لا، لكن هذا الاعتراف، على أهميته، لم يكن كافيا لإنهاء حالة المد والجزر الداخلية، باعتبار ان جانبا من كلام رئيس الحكومة لـ«الحياة»، المتعلق بالشكوى من عدم تنفيذ الفريق الآخر التزاماته، أثار العديد من علامات الاستفهام والتعجب، وبالتالي مدّد الاقامة على رصيف الانتظار.

حتى الامس القريب، كان الكثيرون ينتظرون عودة الحريري من نيويورك حيث التقى الملك عبد الله بعد خروجه من المستشفى، لمعرفة الاتجاه الذي ستسلكه الازمة، والآن فإن هؤلاء أنفسهم ينتظرون نتائج ذهابه مرة أخرى الى نيويورك لاستشراف معالم المستقبل القريب، لا سيما انه اجتمع في المرة الثانية مع وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون بحضور جيفري فيلتمان، الى جانب لقائه بالملك عبد الله.

ولا تخفي أوساط قيادية بارزة في المعارضة قلقها من مفاعيل الدخول الاميركي القوي على خط التسوية، الذي اتخذ في الايام الاخيرة اشكالا ضاغطة مختلفة، متوقفة عند تأكيد كلينتون امام رئيس الحكومة ان واشنطن تعترض على أي صفقة على حساب العدالة والمحكمة الدولية، ناهيك بأن مصادر أميركية موثوقة وضعت الاجتماع مع الحريري في سياق رغبة الادارة الاميركية في منع أي خطوات من شأنها عرقلة مسار العدالة او عمل المحكمة.

وتعتبر الاوساط ان المحك الاساسي الذي يواجه ولادة التسوية يكمن في تجاوز حقل الالغام الاميركي بسلام، وهذا ما يرتب مسؤوليات كبرى على المملكة العربية السعودية ورئيس الحكومة تحديدا، لناحية مدى قدرتهما على حماية التزاماتهما من الضغوط الاميركية، وأي اجتهادات أخرى لا تعدو كونها قنابل دخانية للتغطية على التحدي الاصلي.

وتلفت الاوساط الانتباه الى ان «حزب الله» فعل ما يقدر عليه في هذه المرحلة، إذ انه خفّض وتيرة محركاته السياسية والتزم بالتهدئة إفساحا في المجال امام تأمين المناخ الملائم لإنضاج التسوية، كما انه تجاوب مع مبادرة الرئيس نبيه بري في ما يتعلق بمعالجة ملف شهود الزور، على الرغم من انه لم يكن مقتنعا بها كثيرا. أما إذا كان المراد سحب مذكرات التوقيف السورية بحق مناصري الحريري، فإن ذلك يصبح تحصيل حاصل بمجرد إنجاز اللمسات الاخيرة على التسوية.

من هنا، تؤكد الاوساط القيادية في المعارضة ان ما أدلى به الحريري لجريدة «الحياة» في ما خص تنصل الفريق الآخر من تعهداته، ليس سوى جزء من دخان التمويه على الحقيقة، معتبرة انه كان على رئيس الحكومة ان يمتلك جرأة تحديد طبيعة التعهدات التي يشكو من عدم ترجمتها بدلا من اعتماد سياسة الغموض غير البناء.

أما الرئيس نبيه بري فقد اختلطت مشاعره وتضاربت، عندما قرأ حديث الحريري الى «الحياة»، فهو من ناحية شعر بالرضى لكون رئيس الحكومة أقر بما كان أعضاء تياره ينفونه باستمرار في شأن الوصول الى تسوية، ومن ناحية أخرى انتابه إحساس بالدهشة لقول الحريري انه ينتظر خطوات وأجوبة من الفريق الآخر قبل ان ينفذ هو ما التزم به.

وما زاد استغراب بري ان الحريري كان قد اتصل به في أعقاب وصوله الى نيويورك وقال له ما معناه: دولة الرئيس، إن مسعى السين - سين الذي لطالما راهنت عليه يبدو انه نجح. ثم توقف الحريري عن الكلام المباح، من دون ان يوحي لرئيس المجلس ولو تلميحا بما كان سيقوله تصريحا في اليوم التالي لجريدة «الحياة» حول عدم تطبيق الالتزامات المفترضة.

توقع بري ان يزوره الحريري ليضعه في حقيقة الاجواء التي عاد بها من الولايات المتحدة الاميركية، وليشرح له ماذا كان ينتظر من المعارضة، لكن المسافة بين دارة رئيس الحكومة ونيويورك بدت بالنسبة الى رئيس الحكومة أقرب من تلك التي تفصل بين دارة رئيس الحكومة وعين التينة، فغادر مجددا، على عجل، الى النصف الآخر من الكرة الارضية، مفترضا ان كرته السياسية ستستقر في ملعب المعارضة وسوريا، اقله الى حين عودته، ما يتيح له كسب وقت إضافي بكلفة أقل، بعدما يكــون قد نجـح في «إشغال» خصومه بمواقفه المثيرة للجدل، وبالتالي استدراجهم الى موقع الدفاع.

لكن بري لم يترك الحريري يهنأ كثيرا باستعادة زمام المبادرة، فعاود على الفور تسديد كرة المسؤولية الى ملعب رئيس الحكومة من خلال بيانه الذي نفى فيه ان تكون المعارضة قد تنكرت لأي التزامات، مشيرا الى ان الخطوة الاولى في طريق تنفيذ الحل مطلوبة من رئيس الحكومة تحديدا.

ومنعا لأي دعسة ناقصة، وتحوطا لاحتمال وجود تفاصيل لا علم له بها، أجرى بري اتصالات بقيادة «حزب الله» ودمشق مستفسرا عما إذا كانت هناك التزامات من أي نوع، قد قُدمت من قبلهما الى الحريري ولم يتم الوفاء بها لسبب او لآخر، فجاءه الجواب مزيجا من النفي والاستغراب، إذ أكد له المعنيون في الحزب وسوريا انهم يجهلون بالفعل ما الذي يقصده رئيس الحكومة بكلامه عن خطوات وأجوبة ينتظرها من غيره.

وموضوع «الالتزامات الغامضة» كان قد أثير خلال اجتماع عقد مؤخرا بين الحريري والمعاون السياسي للرئيس بري النائب علي حسن خليل.

حاول خليل عبثا ان يفهم من الحريري ما الذي يرمي اليه عبر إيحاءاته، لكن رئيس الحكومة تمنّع عن تقديم الايضاحات الوافية والشافية، مكتفيا بـ«الترميز». وإزاء إلحاح معاون بري، قال له الحريري: ما أستطيع ان أبلغه لك هو ان حركة «أمل» ليست معنية بالالتزامات التي ما زال الآخرون يتأخرون في تنفيذها.

نقل خليل الى بري فحوى النقاش مع الحريري، فما كان من رئيس المجلس الذي استهجن إشارات رئيس الحكومة، إلا ان اتصل به، وقال له: يا شيخ سعد، أنا حريص على ان أبذل كل جهد ممكن من أجل تسهيل الأمور، وأنا مستعد للتكلم مع الاخوان في «حزب الله» وسوريا للمساعدة في تطبيق أي التزامات إذا وُجدت، لكن قبل ذلك أريد ان أعرف منك ما الذي التزموا به، لأنه بحسب معلوماتي، ليس هناك شيء من هذا القبيل.
إلا ان الحريري ظل متمسكا بتحفظه عن الشرح والتوضيح، ثم كان ما كان عبر جريدة «الحياة».


2011-01-10