ارشيف من :أخبار لبنانية
فليسأل الحريري محكمة بشير السودان...
عبد الغني طليس، السفير
بعدما تأكد للمجتمع الدولي أن الرئيس السوداني عمر البشير وافق تماماً، ومن دون قيد أو شرط، على انفصال جنوب بلده عن السودان الأم ليصبح دولة «جديدة»، أعطي الضوء الأخضر في هذا المجتمع الدولي «العادل» من أجل شطب الديون والعقوبات الدولية على نظام البشير، والأهم الأهم أعطي القرار الدولي بإسقاط المحكمة الدولية التي أنشئت للاقتصاص من الرئيس السوداني ونظامه بتهمة ارتكاب جرائم حرب وإبادة... إلى آخر المعزوفة!
ماذا يعني هذا «اللعب» الدولي بقرارات الأمم المتحدة «الدولية»؟ يعني ببساطة، تكاد تشبه إلقاء القبض على مجرم متلبس بارتكاب الجريمة «عينك بنت عينك»، أن النظام الدولي الأميركي ـ الأوروبي «المحترم» قرر إنشاء محكمة دولية لتهديد نظام البشير مباشرة بذريعة الموضوع «الدارفوري»، لكن هدفه الأساسي، بها، كان الضغط على النظام من أجل القبول بانفصال جنوب السودان عن السودان، وعندما تحقق هذا الهدف أو وافق البشير على ترك الاستفتاء يمر تمهيداً للانفصال، أسقطت العقوبات الدولية وأسقطت الديون، والأهم الأهم (التكرار ضروري) أسقطت المحكمة الدولية ضده.
عند الكثير من المتابعين في العالم لم تكن المحكمة الدولية ضد الرئيس السوداني، عدالة دولية حقيقية تريد إقامة «المودة والرحمة» بين الدول أو بين الشعوب. كانت أداة لإنجاز مشروع كبير يغير الخريطة في افريقيا «العربية»، وهكذا كان. الا ان بعض حسني النية حتى لا نقول خفاف العقل كانوا يرون في حركة المجتمع الدولي تلك دليلاً على أن العالم ليس غابة. وبوصول الموضوع السوداني إلى هذه الخاتمة «السعيدة»، وإسقاط المجتمع الدولي ذاته، المحكمة التي صنعها وسوقها وحرّكها ضد البشير ونظامه، سينكشف لهم أن العالم غابة بالفعل، هذا اذا كانت هناك عيون ترى وتكتشف.
عندما يقرأ دولة الرئيس سعد رفيق الحريري هذا الواقع السوداني، ألا يخطر في باله أن يطبقه على الواقع اللبناني؟ لا نتحدث هنا عن واقعة حصلت في التاريخ القديم وغطى عليها النسيان والأيام، بل عن نموذج حي و«من لحم ودم»، عن المحاكم الدولية وكيف تُنشأ، ولماذا، ومن الذي يتصرف بها تصرف المالك بملكه، ومتى تُرفع كالسيف المصلت، ثم متى تنام، كالقطة الناعمة... لتُدفن بعد ذلك!
المشروع الذي خلف المحكمة الدولية ضد البشير، بات أمراً واقعاً على الأرض، إذاً.. فلتسقط المحكمة بيد المجتمع الدولي، فأي مشروع خلف المحكمة الدولية الخاصة بلبنان يريد فرض أمر واقع ما على أرض لبنان والمنطقة الاقليمية، فإذا تحقق، فلتسقط إذاً تلك المحكمة؟!
المشروع اثنان، ليس بينهما معرفة من قتل الرئيس الشهيد رفيق الحريري. المشروع الأول: ضرب المقاومة، وفي الحد الأدنى ضرب سمعتها النظيفة في الانتصار على اسرائيل. المشروع الثاني: ضرب المسلمين بعضهم بالبعض الآخر، سنة وشيعة، وما يجري في العراق حيث الأميركيون محتلون ومسيطرون فوق الأرض وتحتها نموذج، هو الآخر، حي و«من لحم ودم»... متطاير يومياً. أما من قتل الرئيس رفيق الحريري حقاً، بالنسبة إلى لعبة الأمم، فغير ذي بال بحد ذاته، ولن يكون، ومن قُتلوا من زعماء العالم، قبل استشهاده، وبعده نماذج، هي الأخرى، لم يُغطِّ عليها النسيان ولا الأيام، بل شاءت الإرادة الدولية السامية ان تمر عليهم مروراً لا تتوقف عنده أمم متحدة ولا مجلس أمن ولا من يجلسون...
عندما شاهد الرئيس سعد الحريري، خلال الاسبوع الماضي، ما حصل في كنيسة القديسين في الاسكندرية، من مجزرة وحشية بحق مصلين ليلة عيد مقدّس، وما تلى ذلك من انهيار نفسي واضح في أغلب المجتمع المصري المعافى المصرّ على أخلاقياته أمام ردود الفعل الهائجة التي كادت تفلت من الأيدي و.. الأوامر الكنسية والأزهرية، والأمنية معاً، ألم يخطر في باله، ان «يطبقه» ـ لا سمح الله ألف مرة ـ على الواقع اللبناني المأزوم إذا ما أعطى القرار الظني «الموعود» أرضية «قانونية» ومبرراً، لجهة ما، لتقوم برد فعل تعتقد أنه ثأر في تجمّع «مُعاد»؟ وهل من يفجر ظاناً انه «مسلم»، في مسيحيين، لأنهم مختلفون عنه في الارتباط الإلهي، سيجد صعباً عليه ان يفجر نفسه ظاناً انه مسلم، في مسلمين آخرين، وقد «قالت» له المحكمة الدولية انهم متهمون باغتيال رئيسك وزعيمك وشهيدك؟ ... فهذا المفجر «العتيد»، لن يكون لديه، قطعاً، وقت ليقرأ عن.. آخر محكمة دولية في السودان وكيف «لُعِبَ» بها لتحقيق غرض أميركي ـ أوروبي ضد السودان نفسه، والأرجح ان أحدا من مُرسليه لم يقرأ اصلا ولن يقرأ حتى لا يضطره الأمر إلى الخجل من نفسه. ولا خجل...
مجرد صدور القرار الظني، يعني الدخول فيه حكماً، ويعني وضع جبل من نار في لبنان، وقذف الواقع السياسي، وربما الأمني، في بطن الجبل، فأية علاقات سياسية، وحتى طائفية بين اللبنانيين عندها؟ وأية حكومة؟ وأية حقيقة؟ وأي بلد؟
والسؤال الأخطر: أية قدرة للرئيس سعد الحريري، أو حتى للمملكة العربية السعودية، راهناً، على منع صدور القرار الظني، بعدما قلنا لـ«المجتمع الدولي» حقق عنا، وحاكم عنا، و.. فكر عنا في ما ينبغي ان نفعل.. وهذا المجتمع لا يحقق ولا يحاكم ولا يفكر عن أحد... بل عن نفسه؟!
يخشى بعض اللبنانيين ان «يزعل» منا المجتمع الدولي إذا ما نبهناه إلى خطورة قراره الظني الذي بات معروفاً، بحجة اننا نحن من طلب منه المحكمة الدولية «وقتلنا حالنا» من أجلها.. فلماذا لم يخشَ المجتمع الدولي ان «يزعل» اللبنانيون منه عندما أثبت لهم، «بالمحكمة» السودانية، انه بهلوان؟
نقول «مبروك» للرئيس السوداني عمر البشير، إسقاط المحكمة الدولية السخيفة «والمركبة» ضده، أما سقوط المحكمة الدولية من أجل لبنان فسيعني ان نقول «مبروك» حقيقية لنجاة روح الرئيس الشهيد رفيق الحريري من ان تُغتال بعد اغتيال جسده.
أما الذين يصرّحون بأنهم لن يقبلوا بإسقاط المحكمة الدولية داخل لبنان وخارجه، حالياً، فسيصرحون حتماً بأشياء أخرى بعد السقوط!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018