ارشيف من :أخبار لبنانية

زوار دمشـق: الحريـري ينـاور.. ولا التزامـات سـورية

زوار دمشـق: الحريـري ينـاور.. ولا التزامـات سـورية

عماد مرمل، السفير
 

عندما سجل المنتخب السوري هدف التقدم في مرمى المتنخب السعودي خلال المباراة التي جمعتهما، أمس الاول، في إطار كأس آسيا، في الدوحة، وضع المتحمسون للمسعى السوري ـ السعودي أيديهم على قلوبهم، لان المرحلة لا تحتمل غالبا ومغلوبا.

لاحقا، سجل السعوديون هدف التعادل، فانفرجت أسارير متابعي المباراة من جمهور السين ـ سين، وتمنوا ان يستمر التعادل حتى يطلق الحكم صافرة النهاية كون هذه النتيجة هي الأكثر ملاءمة في ظل الظروف الراهنة. ولكن السوريين أصروا على صنع المفاجأة، فسجلوا بعد دقائق قليلة هدف الفوز. ابتسم احد حلفاء سوريا وقال للمحيطين به مبتسما: هذا هو رد دمشق على الكلام الذي أدلى به الرئيس سعد الحريري الى جريدة «الحياة».

لم يعد خافيا ان «الفريق الآخر» الذي طالبه الحريري بأن يفي بالتزاماته يضم في صفوفه دمشق التي ينتظر منها رئيس الحكومة ان تسحب من جهة مذكرات التوقيف الصادرة عن القضاء السوري بحق بعض الشخصيات الموالية له، وأن تمارس من جهة أخرى الضغط المطلوب على حلفائها اللبنانيين وفي طليعتهم «حزب الله» لإلزامهم بتسديد دفعة سياسية على الحساب، تكون بمثابة «عربون» التسوية.

لكن الأجواء في دمشق مغايرة كثيرا لما قاله الحريري فوق السطور وبينها، في حديثه الصحافي الأخير، ويبدو ان السوريين تعاملوا مع «رسالته المشفرة»، على أساس انها ضلت طريقها وعنوانها، باعتبار ان مضمونها لا يعكس حقيقة الامور، وينقصه الكثير من الدقة والأمانة.

ولعل ما يجدر التوقف عنده في طلبات الحريري من القيادة السورية، انها تكرس التعامل مع دمشق باعتبارها «فريقا» لا وسيطا او راعيا، بما يخالف أصلا «فلسفة» المسعى السوري ـ السعودي الذي لطالما كان يُنظر اليه من زاوية انه يشكل «شبكة أمان» إقليمية للوضع اللبناني، في تعبير عن رغبة الرياض ودمشق في مساعدة اللبنانيين على تحقيق التفاهم حول كيفية مواجهة تداعيات القرار الاتهامي بأعلى قدر ممكن من المناعة والحصانة.

هذه المرة، أوحى الحريري بأن جزءا أساسيا من مشكلته هو مع دمشق مباشرة، لتخرج الى الضوء معادلة جديدة قوامها ان الازمة هي في عمقها بين رئيس الحكومة والرئيس بشار الاسد، وبالتالي فإن التسوية المطلوبة حريرية ـ سورية، برعاية سعودية. هكذا، حُفظ للرياض دور «الوسيط النزيه»، بينما جرى تظهير صورة دمشق على نحو يوحي بأنها تساهم في صناعة الحل انطلاقا من كونها جزءا عضويا من المشكلة. وعلى أساس هذه المعادلة، أصبحت القيادة السورية متهمة، تلميحا حينا وتصريحا حينا آخر، بأنها تنصلت من الوفاء بالتزامات مسبقة قدمتها للحريري خلال المفاوضات مع الملك عبد الله.

إلا ان زوار دمشق يؤكدون في المقابل ان لا صحة على الاطلاق لوجود التزامات سورية مسبقة من أي نوع حيال الحريري، مشيرين الى ان رئيس الحكومة هو المُطالب بمبادرة جريئة، تحت سقف التسوية السورية ـ السعودية، وبعدها من الطبيعي ان يتدفق الدم تلقائيا في عروق هذه التسوية، بحيث تواكب المعارضة الحريري في خطوات موازية، تقود في نهاية المطاف الى «تصفيح» الساحة اللبنانية في مواجهة القرار الاتهامي والمحكمة الدولية.

ويشدد زوار دمشق على ان مسألة مذكرات التوقيف الصادرة عن القضاء السوري بحق عدد من الشخصيات السياسية والامنية والقضائية والاعلامية المحسوبة على فريق 14 آذار، ليست مطروحة للبازار او للمساومة تحت الطاولة او فوقها، وطريق التعامل معها واضح ومعروف، ومن كان محرجا بسببها، فهذا شأنه وهو يعرف كيف يعالج مشكلته.

ويلفت زوار دمشق الانتباه الى ان أحدا لا يستطيع إيقاف مفاعيل مذكرات التوقيف او شطبها بشحطة قلم، لانها ليست وليدة قرار من الحكومة السورية حتى تتراجع عنه، بل هي إجراء قضائي تم اتخاذه وفق الاصول المرعية الإجراء، بناء على دعوى شخصية من اللواء جميل السيد بعد استنفاد كل المراحل القانونية التي تسبق عادة صدور مذكرة التوقيف.

ويؤكد زوار دمشق ان معالجة مسألة مذكرات التوقيف هي في يد من يشتكي منها، إذ يكفي ان يوافق رئيس الحكومة وحلفاؤه على إحالة ملف شهود الزور الى المجلس العدلي، حتى يُفتح باب واسع لمتابعة هذا الملف امام القضاء الوطني المختص، وحينها يُفترض ان تزول العقبات امام عودة دعوى اللواء السيد الى لبنان، لا سيما انه كان ملزما في الاساس باللجوء الى القضاء السوري بعدما أقفلت في وجهه السبل الاخرى.

ويرى زوار دمشق ان اتهام الحريري للفريق الآخر بعدم تنفيذ ما تعهد به ليس سوى مناورة ومحاولة هروب الى الامام من إحراجات داخلية خارجية تواجهه، معتبرين ان ذرائع رئيس الحكومة لا تفيد في تبرير إحجامه حتى الآن عن الإقدام على الخطوة المنتظرة منه بالدرجة الاولى، وإذا كانت هناك من التزامات لم تُطبق فليست سوريا هي التي تنصلت من تطبيقها بل الرئيس سعد الحريري الذي كان يقول شيئا للرئيس الاسد ويفعل شيئا آخر، وليس أدل على ذلك من الموقف المبتور الذي اتخذه حيال شهود الزور، إذ هو كان يعلم جيدا ان عليه استكمال إدانته لهم في مقابلته الشهيرة الى جريدة «الشرق الاوسط» بإجراءات عملية تتيح محاسبتهم ومعرفة خلفياتهم، عبر إحالة قضيتهم الى المجلس العدلي، الامر الذي تهرب منه وما زال.

ويشير زوار دمشق الى ان القيادة السورية تنتظر اتصالا سعوديا لوضعها في أجواء المشاورات التي أجراها الملك عبد الله على أكثر من خط في نيويورك، وما أفضت اليه من نتائج، وعندها يبنى على الشيء مقتضاه، مع العلم ـ كما يضيف هؤلاء ـ ان الاعلان عن أي اتفاق يجب ان توازيه قدرة على حمايته كنص ثم، وهنا الاهم، حماية تنفيذه.


2011-01-11