ارشيف من :أخبار لبنانية

سليمان للأسد: تشجيع الحريري على خطواته الإيجابية

سليمان للأسد: تشجيع الحريري على خطواته الإيجابية

نقولا ناصيف، الأخبار

الملك عبد اللّه عرض لكلينتون موقفه وتطورات التسوية وهي نقلتهما إلى الحريري (أرشيف ــ أ ب)بين هبّة باردة وأخرى ساخنة، باتت التسوية السعودية ـ السورية معلقة عليهما. تتسارع الاتصالات واللقاءات، وتتعارض المواقف منها، في وقت تبدو فيه التسوية واقعة، لكن لا أحد يعرف متى تبصر النور، وإن ستبصر النور فعلاً

أبرزت المعلومات القليلة من مصدريها في واشنطن ونيويورك، في اليومين الأخيرين، المعطيات الآتية:
ـــ اتسم كلام وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون لرئيس الحكومة سعد الحريري بعموميات، كانت أقرب إلى الضبابيّة. أكد كل منهما أولوية اهتمامه حيال لبنان: كلينتون تحدّثت عن المحكمة الدولية ودعم الحريري وحكومته، وبان عن المحكمة والقرار 1701 والانسحاب الإسرائيلي من الغجر. إلا أن أياً من كلينتون وبان لم يشر إلى الجهود السعودية ـــــ السورية. اكتفيا بتأكيد دعم المساعي الآيلة إلى حفظ الاستقرار في لبنان.

ـــــ حرص الحريري على الرد على زائريه بتحديد هذه المساعي، فقال إنها سعودية ـــــ سورية، وإنه يعوّل عليها كثيراً، بينما تجاهلت كلينتون وبان هذه الصفة.

ـــــ سبق اجتماع كلينتون والعاهل السعودي الملك عبد الله، اجتماع ضم مساعدها لشؤون الشرق الأدنى السفير جيفري فلتمان ونجل الملك ومستشاره الأمير عبد العزيز، قبل يومين من زيارة الوزيرة للملك. وذكرت المعلومات أن التفاصيل الجدّية في ما يدور بين الرياض ودمشق أثيرت في هذا الاجتماع، في حين أن اللقاء بين الوزيرة والملك في حضور زوجها الرئيس بيل كلينتون تناول جملة ملفات أحدها لبنان. إلا أنها تناولت أيضاً صحة الملك، وقد اهتم الزوجان كلينتون بالسؤال عنها.

ــ نظرت كلينتون إلى ما سمعته من الملك، وأسرّت به إلى الحريري، على أنه دعم خاص لرئيس الحكومة اللبنانية. وأبلغت إليه أن عبد الله يمحضه ثقته، وأظهرت له ممّا سمعته من الملك مدى تأييد السعودية لجهود الحريري وحكومته، فيما وضع الأخير مجدّداً الدعم الذي تصوّرته الوزيرة سعودياً فحسب، في نطاق مساعي ثنائية تبذلها الرياض ودمشق لمعالجة المشكلة اللبنانية.

ـــــ تكمن الأهمية الفعلية لزيارة الحريري نيويورك في نتائج اجتماعه أمس بالملك. وهو في زيارته الأولى لنيويورك، في 28 كانون الأول، لم يتسنّ له الاجتماع به إلا بعد موعد ثان استغرق أقل من خمس دقائق. لم تستطع طائرة الحريري الهبوط في مطار نيويورك بسبب العاصفة الثلجية فتوجهت إلى بنسلفانيا، وعندما عادت إلى نيويورك كان الوقت قد تأخر وأخلد الملك المريض للنوم. في اليوم التالي كان اللقاء قصيراً للغاية. في اجتماعهما الثاني أمس يبرز المنحى الذي سلكته، أو ستسلكه، التسوية السعودية ـــــ السورية في ضوء المؤشرات التي يمكن أن تفصح عنها الأيام المقبلة، بعد عودة الحريري إلى بيروت.

وضع مختلف من الداخل يبدو الوضع مختلفاً إلى حدّ.

بعد الموقف الأخير لرئيس الحكومة، الجمعة الماضي، معترفاً بوجود اتفاق سعودي ـــــ سوري منجز، وتأكيده التزام بنوده، وإن قرنه بشرط التزام الفريق الآخر تعهّداته، ارتفعت نبرة المواقف المتعارضة في منحى تجاوز أهمية إقرار الحريري، دون سواه من حلفائه، بالتسوية، إلى الخوض في تفسيرات متضاربة لتعهّدات متبادلة بين قوى 8 و14 آذار، على نحو مماثل للتعارض الذي أعقب اعتراف الحريري في 6 أيلول الماضي بشهود الزور وإساءتهم إلى العلاقات اللبنانية ـــــ السورية، وتبرئة نظام الرئيس بشّار الأسد من اغتيال والده الرئيس رفيق الحريري. دار الجدل حول تفسير هذين الاعترافين بالقول إنه سياسي أكثر منه قضائياً، وغير ملزم لحلفاء الحريري، ولا لمسار المحكمة الدولية حيال شهود الزور واحتمال ضلوع سوريا في اغتيال الرئيس السابق للحكومة.
الأمر نفسه مع الموقف الأخير للحريري، إذ تجاذبه الآتي:

1ـــــ غالت قوى 8 آذار في التعامل معه، وأبرزت ما أعلنه الحريري على أنه تراجع إضافي في سلسلة طويلة. وباستثناء حزب الله الذي نفى أن يكون قد التزم تعهّدات ملازمة لتنفيذ الاتفاق، أحرجت المعارضة رئيس الحكومة عندما وجدت في إقراره بوجود التسوية خطوة ناقصة. ورغم أن ما أفصح عنه لم يتلقّه حلفاؤه بالإيجابية التي اتسم بها، إلا أن الأسلوب الذي قاربت به المعارضة الخطوة تعمّدت إرباكه أمام حلفائه عوض تعزيز وجهة نظره.

2ـــــ وجد رئيس الجمهورية ميشال سليمان في موقف الحريري خطوة بناءة، وأجرى السبت الماضي، غداة حديث رئيس الحكومة إلى الحياة، مكالمة هاتفية بالرئيس السوري، دعاه فيه إلى تشجيع رئيس الحكومة على خطوات مماثلة، ومساعدته على سبيل بلورة التعاطي الإيجابي لأفرقاء الداخل مع التسوية السعودية ـــــ السورية. وأطلع سليمان الأسد على نتائج اجتماعه بالحريري الجمعة الماضي، بعد إدلاء الأخير بحديثه وقبل توجهه إلى نيويورك.

3 ـــــ لا يزال الالتباس يحيط بما أعلنه الحريري عن انتظاره تنفيذ الطرف الآخر التزاماته. وأوحى بأن الاتفاق السعودي ـــــ السوري قد أبصر النور فعلاً، إلا أن الفريق الآخر ـــــ من غير أن يحدّد هويته ـــــ لم يفِ بتعهّدات كان قد قطعها. والواقع أن كلاً من رئيس المجلس نبيه برّي وحزب الله نفيا علمهما بالتزامات من هذا النوع. ما حمل برّي على اتخاذ موقفين مختلفين: الأول سبق الحديث الأخير للحريري عندما اطلع منه، قبل توجهه إلى الرياض، بمكالمة هاتفية من المطار، على مناخات إيجابية تتصل بالجهود السعودية ـــــ السورية، رغم أن برّي كان ينتظر الحريري في عين التينة. والثاني عندما اضطر رئيس المجلس، بعد صدور الحديث، إلى الرد على الحريري بموقف آخر يدحض فيه وجود التزامات مسبقة أو متزامنة مع التسوية السعودية ـــــ السورية. لم يجد برّي سبيلاً إلى فهم إشارات متناقضة أرسلها الحريري عندما سلّم بقيام التسوية، ثم أدخل عليها عاملاً ملتبساً لم يفصح عنه، هو وجود إخلال في تنفيذ تعهّدات ترتبت على الفريق الآخر.

4ـــــ لأن رئيس المجلس وحزب الله يتصرّفان باعتبارهما غير معنيين بتلك التعهّدات، يوحي الحريري بأن الطرف الآخر المقصود هو سوريا، وتوقعه سحبها مذكرات التوقيف الغيابية التي أصدرها القضاء السوري مطلع تشرين الأول الماضي. وهو أمر يشير إلى موقع سوريا في التسوية كطرف تطبّق عليه أحكام التسوية تلك، لا الشريك الآخر ـــــ إلى السعودية ـــــ فيها. وبحسب بعض المطلعين عن قرب على الجهود السعودية ـــــ السورية، فإن الإطار الذي يحيط بها يتركز على المعطيات الآتية:

ـــــ لدمشق دور مماثل للرياض، وهو رعاية تنفيذ التسوية بعد إعلانها، وإلزام طرفي النزاع احترام أحكامها.

ــ ليس مطلوباً من سوريا أي التزامات مسبقة أو متزامنة مع تطبيق التسوية، وخصوصاً ما يتصل بمذكرات التوقيف الغيابية. وهي ليست مدعوة إلى تقديم بادرة حسن نيّة لرئيس الحكومة. أما مصير مذكرات التوقيف، فشأن مختلف يتصل أساساً بالمسار الذي سيشقه ملف شهود الزور في حكومة الحريري، والمرجعية القضائية التي سيتفق مجلس الوزراء على إحالته عليها. فتصبح مذكرات التوقيف الغيابية عندئذ في عهدته.

ـــــ تعيد التسوية، بجهود السعودية، تطبيع العلاقات بين الأسد والحريري، المقطوعة تماماً منذ تشرين الأول المنصرم، وإعادة بنائها وفق أسس جديدة لا تبعث الريبة لدى كل منهما في الآخر. إلا أن هذه تمثل جزءاً من كل، هو إحياء العلاقات المميّزة اللبنانية ـــــ السورية المجمّدة مذ ذاك.


2011-01-11