ارشيف من :أخبار لبنانية
واشنطن تطيح توافقات «س ــ س»... وتعهدات ساركوزي
بسام الطيارة
كان لقاء الرئيسين الفرنسي نيكولا ساركوزي والأميركي باراك أوباما كفيلاً بدفن كل أجواء التفاؤل التي كانت سائدة في الأيام الماضية. غير أن واقع التفاؤل، كما تشير مصادر، كان مبنيّاً على أوهام تحطّمت عند صخرة «الفيتو» الأميركي، الذي أطاح الحديث عن توافقات «س ــ س»، والتعهدات التي قدمها ساركوزي لهذا المسار
ما حصل في الساعات الأربع والعشرين الأخيرة لم يفاجئ إلا الذين «انتظروا العجائب» مما بات يدعى «س ــ س»؛ إذ إن مصادر عديدة سبقت «أخبار نيويورك» لتشير إلى غيوم سوداء ملبدة في أفق هذا المسار. إن مراقبة عملية إخراج «مسار فشل س ــ س» إلى العلن، بعدما كان يدور في أوساط ضيقة جداً، تدل على خطورة الوضع المتأزم، حيث لم يتردد مصدر دبلوماسي غربي في العاصمة اللبنانية من القول «إن التوتر ملموس لمس اليد».
ويضع أكثر من مصدر غربي الملامة في فشل «س ــ س» على «التسريبات التي رافقت كل خطوة فيه»، ويصفها بأنها «تنافس تسريبات ويكيليكس الشهيرة» وأن أهدافها كانت المزايدة من الطرفين ووضع شروط تعجيزية، هي في غالبية الأوقات «من بنات أفكار ممن هم بعيدون عن الطبخة».
إلا أن متابعين في عدد من العواصم المهتمة يؤكدون أن مسار «س ــ س» ليس أكثر من توافق بسيط برعاية سورية سعودية لا يتعدى ثلاث نقاط جرى التوصل إليها قبل سفر رئيس الحكومة سعد الحريري إلى باريس، وأنها حظيت بموافقة «بصورة عامة» من الأطراف الأربعة الأساسية، أي دمشق والرياض والحريري وحزب الله، وأن «العرقلة الأميركية» جاءت في الفترة التي سبقت زيارة الرئيس بشار الأسد لباريس، الذي جاء متشائماً ومتفائلاً في آن واحد: فالتشاؤم كان مرده «ضغوط أميركية» مورست على أطراف سعوديين ولبنانيين، أما التفاؤل فكان يعود إلى ثقته بأن جميع الأطراف سيذهبون نحو هذه «التسوية التي لا تقول اسمها»، والتي يمكن اختصار نقاطها الثلاث بأنها تهدف إلى «منع تداعيات المفاعيل السلبية للقرار الاتهامي». وهو ما جسدته تصريحات الدوائر الرسمية الفرنسية من أن أي قرار «لن يستهدف تنظيماً ولا حزباً ولا طائفة» في ظل توافق على أن المحكمة لا يمكن إيقاف آليتها و«توافق شديد» على ضرورة العمل على عدم تسيسها.
ومن سبل منع هذه التداعيات كان «إحياء النشاط الحكومي»، بانتظار القرار الظني، ومن ضمن هذا النشاط إنهاء ما يسمى «ملف شهود الزور». ويؤكد مصدر مقرب من الوفد السوري أن دمشق رغم نسبة التفاؤل التي حملها الأسد بعد مقابلته للرئيس نيكولا ساركوزي بـ«ضمان تنفيذ هذا الاتفاق البسيط»، فهي لونت بنسبة حذر كبيرة موقفها تخوفاً من «التأثير الأميركي». ورأت أن ما جرى التوصل إليه «ينتظر التنفيذ فقط»، وبالتالي فإن «كل تراجع عنه غير مقبول ويعدّ كل طرح أو شرط مسار جديداً»، ولا يمكن العودة إلى مسار «س ـــــ س» قبل تطبيق ما سبق الاتفاق عليه.
ويقول المصدر إن هذا الحذر السوري دفع الأسد إلى مقدار من الحيطة حين قال على درج الإليزيه: «ليس ثمة مسار سوري سعودي، بل تشاور سعودي سوري وفرنسي سوري»، وهو عنى بوضوح لا لبس فيه أن «س ــ س» هي ما «سبق الاتفاق عليه مع الملك عبد الله».
بالطبع كان ساركوزي «ضامناً» لهذا التوافق و«الاتفاق الذي لا يقول اسمه»، وإن هو غلفه بالكثير من الجمل الاعتراضية التي تذهب في اتجاه العموميات البديهية مثل «إن فرنسا مع المحكمة الدولية، وإنه لا يمكن وقف المحكمة». إلا أنه كان يزين هذا الغلاف بالحديث عن «استقرار لبنان».
إلا أن دبلوماسياً فرنسياً صرح قبل الأعياد، شرط كتم هويته، «يمكن ما اتُّفق عليه أن يصل إلى نتيجة»، وهو ما يفسر بعض التفاؤل الذي سبق أعياد نهاية السنة. إلا أن هذا الدبلوماسي حذر آنذاك من أن المعارضة الأميركية «يمكن أن تقلب الطاولة».
وقد سبق أن حذر عدد من المراقبين، بعدما طالت فترات إضاعة الوقت، من الإفراط في التفاؤل، وخصوصاً حين بدأ المقربون من حزب الله الحديث عن «أن كل شيء حاضر» وأن الاتفاق آت. وأشاروا إلى غياب قدرة السعوديين على فرض الاتفاق على حلفائهم، ما يمكن تفسيره بأن الممسكين بالملف في واشنطن يبدون في حالة انتظار لما يمكن أن يؤول إليه «صراع القوى في الرياض».
ويقول أحد الخبراء بشؤون المملكة إن «عدداً من الأمراء الذين يمكنهم أن يؤدوا دوراً مهماً في السنوات المقبلة، لا يريدون إعطاء الأميركيين «تسليفاً مسبقاً» وإنهم يفضلون أن تجري الأمور برعاية الملك من «تحمل مسؤولية أي قرار كبير». ويرى هؤلاء أن هذه المواقف اللينة سمحت للإدارة الأميركية بتمييع الموقف. وقد رأى البعض أن وجود ساركوزي والرئيس سعد الحريري في نيويورك بالنسبة إلى الملف اللبناني قد يدفع الأميركيين إلى التحرك لـ«خلق ما يمكن أن يتحول ديناميكية تعيد إحياء س ـــــ س»، إضافة إلى واجب عيادة الملك في فترة النقاهة التي يقضيها في المدينة الكبرى.
غير أن ما حدث كان معاكساً؛ إذ بمجرد ما اجتمعت الأطراف الوازنة في نيويورك، حتى أعادت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون بث تسريبات مشابهة لتصريحاتها في المنامة في الشهر الماضي. وصدرت تسريبات عديدة عن مصادر أميركية، لم ينفها أي ناطق، تشير إلى أن كلينتون «تؤيد المحكمة» وأنه «لا تفاوض ممكن بشأن المحكمة» وأنها شددت لرئيس الحكومة اللبنانية على أن واشنطن «تعترض على أي صفقة يمكن أن تحصل على حساب المحكمة».
وبالطبع يعني هذا، بعد لقائها مع الملك السعودي عشية لقاء الرئيسين ساركوزي وأوباما، أن «الضمانات الفرنسية لما سبق أن اتُّفق عليه قد سُحبت». ولا يتردد دبلوماسي عربي في القول «إن الكلام الذي ضمن عبره ساركوزي الاتفاق السابق لمنع تداعيات القرار الظني لم يعد مضموناً». ويفسر الدبلوماسي بأن «احترام الشرعية الدولية»، وهو ما يتوافق عليه الجميع، يمكن قراءته اليوم بأن «التعهدات بعدم وضع حزب الله على لائحة الإرهاب» لم تعد صالحة. ويتابع بأنه إذا طلبت المحكمة وضع الحزب على لائحة الإرهاب فإن باريس كان يمكنها من ضمن حزمة الضمانات التصدي للأمر في مجلس الأمن، وهو ما بات غير وارد. وقد يكون هذا نتيجة لقاء أوباما ـــــ ساركوزي، لا نتيجة لقاء كلينتون ـــــ عبد الله، ولا لقاء الحريري ـــــ كلينتون، حيث حصل ترديد لـ«المقولات الداعمة للبنان» التي يصفها أحد المتابعين بأنها مثّلت مكبراً لتصريحات كلينتون التي تناقلتها الوكالات.
وذكر مصدر لـ«الأخبار» أن من المترقب حصول لقاء فجر اليوم بين الرئيس الحريري والرئيس باراك أوباما. وبحسب بعض المصادر، من المتوقع أن يتوقف الرئيس الحريري في طريق عودته في باريس، حيث إن عدداً من المراقبين يرون أن «فرنسا مدعوة للعمل بقوة لإعادة ما خربه الأميركيون».
ومن هنا فإن توقعات هذه المصادر هي «العودة إلى مسار تفاوضي بين اللبنانيين بعيداً عن السعوديين»، تكون باريس مركز ثقله، بحيث إن برنامج الدعوات للشخصيات اللبنانية سيتابع مساره حسب ما كان مرسوماً له في السابق، مع توسيع مروحة الدعوات لتشمل شخصيات متعددة يمكنها أن تؤدي دوراً في أي حوار بين الأفرقاء اللبنانيين أو في أي محاولة لتأليف حكومة توافق وطني تتجاوز الحكومة الحالية. ولا تستبعد المصادر السعي إلى لقاء موسع للأطراف على شاكلة سيل سان كلو أو الدوحة للخروج من المأزق.
ويقول مسؤول فرنسي رفيع المستوى: «لن تترك فرنسا للبنان». ورغم أنه استبعد في المرحلة الحالية عقد لقاء موسع بدعوة فرنسية، إلا أنه يوكد أنه «إذا كان ذلك ضرورياً فسنقوم به». ورداً على سؤال عن دور واشنطن، أجاب بلغة دبلوماسية: «نحن دائماً على اتصال بأصدقائنا الأميركيين»، رافضاً تأكيد أو نفي ما إذا كان ساركوزي وأوباما قد تطرقا لمسألة الدعوة إلى مؤتمر بالتفاصيل. ويرى البعض أن واشنطن لن تمانع بعقد أي مؤتمر بعد صدور القرار الظني، لأن المجتمعين لن يستطيعوا تجاوز هذا القرار الذي سيعيد التوازنات في داخل أي مؤتمر يتعلق بلبنان.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018