ارشيف من :أخبار لبنانية

بعد إسقاط حكومة الحريري: تكليفٌ على أنقاض المحكمة؟

بعد إسقاط حكومة الحريري: تكليفٌ على أنقاض المحكمة؟

نقولا ناصيف ـ "الاخبار"

أكثر من أي رئيس آخر سبقه في رئاسة الحكومة، وخصوصاً بعد اتفاق الطائف، لم يملك الرئيس سعد الحريري سرّ تأليف حكومته الأولى، ولا سرّ استمرارها والنأي بها عن الانقسامات، ولا سرّ إسقاطها، دوّن بذلك السابقة الأكثر شقاءً في تجربته القصيرة في الحكم

فتح إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري ـــــ وهي بالكاد حكمت سنة ـــــ الباب واسعاً على أزمة دستورية وسياسية في آن. إحداهما ملازمة للأخرى، وقد وضعتا سرّ الحلّ في المحكمة الدولية: حكومة جديدة على أنقاضها، أو استمرار الفراغ وتصريف الأعمال في ظلّ استمرار النزاع عليها. وقد ينطوي الترابط بين الأزمة الدستورية والأزمة السياسية على خلاصة مزدوجة:

ـــــ لم يعد الحريري يمسك وحده بالحلّ، وقد أصبح جزءاً من المشكلة مقدار ما هو جزء من الحلّ.

ـــــ لم تعد سوريا تضطلع بدور الوسيط في مواجهة هي شريك أساسي فيه، إلا أنها باتت، أكثر من أي وقت مضى، تضع الحريري في المقلب الآخر منها.
وبعد استقالة 11 وزيراً يمثلون أكثر من ثلث وزراء حكومة الوحدة الوطنية، بات رئيس الجمهورية ميشال سليمان أمام استحقاقات بالغة التعقيد، لا تفسح بالضرورة في المجال أمام توقّع تأليف حكومة جديدة سريعاً، ولا الاتفاق على الرئيس المكلف سريعاً أيضاً، ولا تجاهل المصدر الفعلي لإسقاط الحكومة وهو المحكمة الدولية، التي أصبح الموقف منها شرطاً لبناء سلطة إجرائية جديدة أو الدوران في حلقة الفراغ.

إلا أن استقالة 11 وزيراً البارحة، أبرَزَ المعطيات الآتية:

1ـــــ أنها المرة الأولى منذ إقرار إصلاحات الطائف، ومن ثم تعديل الدستور، تسقط حكومة بعد استقالة أكثر من ثلث وزرائها. وتمثل هذه الاستقالة إحدى ست حالات نصّت عليها المادة 69 من الدستور، التي تجعل الحكومة في حكم المستقيلة. ووفق حالات كانت قد ألفتها الحياة السياسية اللبنانية منذ اتفاق الطائف، عندما استقالت حكومات بعد انتخاب رئيس الجمهورية أو انتخاب مجلس نيابي جديد أو اتفاق رئيسي الجمهورية والحكومة على استقالتها أو أقدم رئيسها على الاستقالة، بيّنت استقالة الوزراء الـ11 مقدرة فريق آخر، سوى رئيسي الجمهورية والحكومة، على التلاعب بمصير الحكومة وتعريضها للانهيار وفق أصول نصّ عليها الدستور.

وما لم يسع المعارضة القيام به عام 2006 بإسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة لتعذّر امتلاكها الثلث +1، فاستقال ستة من أعضائها لم يحل طعنهم في شرعيتها وميثاقيّتها دون استمرار إمساكها بالسلطة الإجرائية، ولم تتمكن من إسقاطها بالقوة إلا بعد أحداث أمنية في 7 أيار 2008، أمكنها إسقاط حكومة الحريري بوسائل دستورية لا ينكرها عليها أحد.

وتكمن المفارقة هنا في أن المعارضة توسّلت اتفاق الدوحة عندما وافقت على المشاركة فيها، وتوسّلت اتفاق الطائف عندما قرّرت إسقاطها.
2ـــــ يؤكد انضمام الوزير عدنان السيد حسين إلى سلة الاستقالات الـ10 الالتباس الذي أحاط بما عُرف عند تأليف حكومة الحريري بالوزير الوديعة الذي هو في آن وزير رئيس الجمهورية ووزير أحد فريقي النزاع، شأن الوديعة السنّية في الحكومة الوزير عدنان القصار الذي لم يُتح امتحانه كزميله الشيعي. ذلك أن على الوزير الوديعة، عند أوان المفاضلة بين الخيارات، الالتحاق بالفريق السياسي والطائفي لا البقاء في خانة رئيس الجمهورية.

ولعلّ الأمثولة الأسطع في ما حصل أمس، سقوط الوهم الذي رافق تأليف حكومة الحريري، عندما أعطي رئيس الجمهورية خمسة وزراء كي يحول، من خلال دوره التوافقي، دون الإخلال بالتوازن داخل مجلس الوزراء، ويكون ضامناً عدم امتلاك أي منهما نصاب الترجيح. لم يرجّح سليمان مرة الكفة إلى قوى 8 أو 14 آذار، إلا أن وزيريه الوديعتين لم يكونا بدورهما كفيلين بحماية دوره التوافقي في لحظة انفصال الخيارات.

كان على هاتين الوديعتين أن تمنحا كلاً من فريقي 8 و14 آذار نصاباً مستتراً لا يلبث عند الامتحان أن يفصح عن نفسه بأنه نصاب حقيقي. عدنان السيد حسين وزير الثلث +1 لدى المعارضة، وعدنان القصار وزير النصف +1 لدى الموالاة.

3ـــــ ليس سهلاً توقّع إجراء استشارات نيابية لتأليف حكومة جديدة قريباً. فالدستور لا يقيّد رئيس الجمهورية بمهلة محدّدة للدعوة إلى إجرائها بغية تسمية الرئيس المكلف في ضوء نتائجها، وحجم التناقض والتباعد بين الأفرقاء لا يتيح إنجاح استشارات كهذه ما لم تشترك فيها الموالاة والمعارضة على السواء، ما يحمل الرئيس، ربما، على التريّث في الدعوة إلى الاستشارات الملزمة.
لا تكمن المشكلة هذه المرة في التأليف، بل في التكليف، سواء أعيدت تسمية الحريري رئيساً للحكومة إذا حافظت قوى 14 آذار عندئذ على غالبيتها النيابية، أو سُمّي سواه.

ما يبدو واضحاً من الآن لدى أقطاب المعارضة الخيار الآتي: لن تذهب المعارضة إلى استشارات نيابية لتسمية الرئيس المكلف، ولن توافق على المشاركة فيها، قبل الاتفاق سلفاً على مصير المحكمة الدولية وموقف الرئيس المكلف من طريقة إخراج لبنان منها.

في المقابل، فإن ما استحال انتزاعه من الحريري على رأس حكومته، بما في ذلك تخويفه بإطاحتها، لن يسهل انتزاعه منه بعدما فقد مقوّمات وجوده في السلطة. في ظلّ فرض الاستقالة عليه، لن يسع مجلس الوزراء الانعقاد، ولا رئيسا الجمهورية والحكومة ممارسة صلاحياتهما الدستورية في السلطة الإجرائية وتلك التي يشتركان فيها مع السلطة الاشتراعية، ولا يسع الحريري اتخاذ قرارات أو تمثيل الحكومة اللبنانية. بات رئيس حكومة تصريف أعمال في النطاق الضيّق لتصريف الأعمال.

4ـــــ ما لم يفصح عنه رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط في بكركي صباحاً، عندما تكلم عن قوى ظلامية ضربت التسوية السعودية ـــــ السورية، جهر به في وقت لاحق الوزير غازي العريضي في مكالمة هاتفية أجراها أمس، بتكليف من جنبلاط، بمسؤول سوري رفيع نقل فيه قرار الزعيم الدرزي قطع علاقته نهائياً بالأميركيين الماضين في تخريب لبنان، وأن جنبلاط لن يكون شريكاً في هذا التخريب.

إلا أن الرسالة التي حرص جنبلاط على إبلاغها لدمشق، تضمر مراجعة جدّية للموقع الذي كان قد اتخذه في الأشهر المنصرمة، عندما وقف في الوسط: خرج من قوى 14 آذار من غير أن ينضم إلى قوى 8 آذار، وفي الوقت نفسه جنّب وزراءه الثلاثة الاصطفاف في المعارضة، ولم يقرب من ولاء نواب اللقاء الديموقراطي من غير الحزبيين لقوى 14 آذار، فظلّ في حسابات الحريري وحلفائه أنه لا يزال، حتى الآن على الأقل، جزءاً لا يتجزأ من الأكثرية النيابية المنبثقة من انتخابات 2009 بزعامة الحريري.
على أن مغزى رسالته لدمشق لا تتوخى، بالتأكيد، هذه الحسابات.


2011-01-13