ارشيف من :أخبار لبنانية

بلمار، أو بوانتاج، أو دوحة...

بلمار، أو بوانتاج، أو دوحة...
جان عزيز ـ "الاخبار" 

من السهل نظرياً قراءة إرهاصات المرحلة المقبلة وحساباتها الموزّعة على أطراف المواجهة التي تشهدها.

فمن جهة أولى، هناك الفريق الحريري، والذي بات بعد موقعة نيويورك، ملزماً بركوب الرهان الدولي كلياً. ذلك أن لحظة جديدة أصبحت مؤسِّسة لهذا الفريق، هي لحظة نيويورك، والتي تصلح من الآن فصاعداً تسمية جديدة بدلاً من التسمية البائدة لفريق 14 آذار.

حسابات الفريق النيويوركي موقّعة على موازين المكوّنات الثلاثة التي أدت إلى تلك النتيجة: أولاً ميزان واشنطن الثابت باعتماد سيف بلمار على عنق الواقع اللبناني، ببعديه السوري والإيراني. ثانياً ميزان الرياض الذي رجحت فيه كفّة بندر وأبناء فيصل على كفّة الملك. وثالثاً ميزان سعد الدين الحريري نفسه، الذي لم يكن «شريكاً صامتاً» في معادلة نيويورك، بل كان مكوّناً فاعلاً وصاحب رأي مطابق للنتيجة التي خلص إليها لقاء مانهاتن.

هكذا بات فريق الأكثرية السابقة محكوماً بالرهان على حسابات نيويورك، وبالتالي مرتبطاً حصرياً بانتظار «إقالة» بلمار للمعارضة اللبنانية، رداً على إسقاط وزرائها لفريق بلمار في بيروت. الاستحقاق الأول، وربما الأوحد، لفريق نيويورك بدءاً من اليوم سيكون القرار الاتهامي. وفي غياب حكومة قائمة وفق الدستور اللبناني، سيكون من الأسهل تخيُّل الخطوات الآتية: يصدر بلمار قراره. يصدّقه فرانسين. تطلب المحكمة الدولية من السلطات اللبنانية التعاون لتنفيذ مقتضياته، فيتعذّر ذلك لكل الأسباب القائمة والمستجدّة، فينتقل الملف إلى مجلس الأمن، في ظل تنصّل الحريري من أي مسؤولية، بحكم كونه رئيس حكومة تصريف أعمال.

حتى إن البعض يرى أن هذه القطبة غير المخفيّة تمثّل التفسير الوحيد لذهاب الحريري في تعنّته حتى تطيير حكومته. ذلك أن دخول لبنان في نفق المواجهة مع المجتمع الدولي، لم يكن ينقصه إلا تحييد الحريري باستقالة حكومته، ليصبح مفهوماً ومنطقياً من قبل فريق المحكمة، على أن تواكبه كل بطارية الضغوط الدولية والداخلية، في ظل كلام وزير سيادي، قبل أيام، عن خروج أكثر من خمسة مليارات دولار أميركي من لبنان...

في المقابل، ينكبّ فريق المعارضة جدّياً على حسابات السبل الدستورية، وأولها الاستشارات النيابية لتكليف رئيس جديد للحكومة، ومن ثم استشارات تأليفها. والرهان في هذا المجال يرتدي فعلياً وجه «البوانتاج» النيابي البحت. فعلى ورق المعارضة، يملك الفريق الحريري 71 صوتاً نيابياً، في مقابل 57 صوتاً للمعارضة السابقة. هذا في حساب حزيران 2009، أما اليوم فالمشهد بات مختلفاً، بحكم الموقف الجنبلاطي. وفي تقديرات هذا الموقف، فإن جنبلاط قادر على قلب سبعة أصوات نيابيّة من جهة إلى أخرى، على أقل تقدير، وهي أصوات نوابه الحزبيين الخمسة، إضافة إلى نائبين مسيحيين ملتزمين كليّاً بقراره. ومع ارتفاع كتلة المعارضة بهذا الحساب إلى 64 نائباً، تظهر أوراق المعارضة أن الفريق الحريري لن يكون قادراً على المناصفة. ذلك أن عدداً آخر من النواب سيكون في موقع التحييد عن معركة استشارات التأليف، وهو عدد يتراوح في التقديرات الأوليّة بين 3 و5 نواب، وهو ما يكفي في المحصّلة لقلب الموازين العددية بين الأكثرية والأقلية السابقتين.

غير أن هذا السيناريو لا يعني حكماً في الحسابات العامة استبعاد الحريري عن رئاسة الحكومة، بل يفتح أمامه باب العودة وفق موازين جديدة، يمكن أن تقدم له سلّماً للنزول من مأزق المحكمة إلى تسوية الحكم، وهو السلّم الذي مُدّ لرئيس الحكومة السابق أكثر من مرة، في ظروف مختلفة منعته من اعتماده سبيلاً للخروج من الأزمة.

وفي مكان ثالث، يقف رئيس الجمهورية، وحساباته المتوقعة أن يتسلّم من الحريري عصا الانتظار، في سباق البدل بحثاً عن حل تسووي. بمعنى أن يتسلّح سليمان مرة جديدة بصلاحياته الدستورية للتأجيل، بدلاً من التشغيل، فيأخذ وقته غير المحدّد بمهل، قبل الدعوة إلى الاستشارات، لعلّ الانتظار الممدّد يحرّك مجدداً خطوط الاتصال لإحياء صيغة ما من صيغ الـ س/ س المنعيّة نيويوركيّاً. فإذا كانت المعارضة تنهج السبيل الدستوري الداخلي حصراً، والحريرية تراهن على آليات المحكمة وملحقاتها خارجياً، فالأرجح أن يسعى رئيس الجمهورية في حساباته إلى مزاوجة الداخل والخارج، الدستور للانتظار، والأصدقاء لمنع الانفجار، ولو على أمل دوحةٍ ما، تحيي الدوحة، أو تجنّب
2011-01-13