ارشيف من :أخبار لبنانية

حكومة انقلابية

حكومة انقلابية
نصري الصايغ
لا أرباح للمعارضة بعد. حساب الخسائر يطال فقط، فريق الرابع عشر من آذار.
نتائج فرز اليوم الأول، من عمر الاستقالة، أفضت إلى ما يلي:
خسرت قوى 14 آذار الحكومة برمّتها، وباتت طريق القرار الاتهامي مقطوعة لبنانيا. خط سير المحكمة متوقف خارج حدود لبنان. لن تتمكن من العبور إلى الداخل. لا حكومة راهناً، قادرة على التعامل، مع مقتضيات القرار الظني الاجرائية، ولا قدرة لها على تنفيذ شروط بروتوكول التعاون.
وقد ينفتح باب الخسائر على ما يلي ايضاً:
أ ـ امكانية انتقال الأكثرية من معسكر 14 آذار إلى فريق 8 آذار. وهذا، في ظن بعض المطلعين، بحاجة إلى «رتوش» قوي جداً، محلي وإقليمي، كي يهجر وليد جنبلاط حال الوسط التي لم تعد مجدية. فالحسم بات مطلوباً وملحاً.
ب ـ امكانية تسمية رئيس حكومة جديد، يحظى بسمعة حريرية جيدة، تعود إلى إرث الحريري الأول، ويتمتع بصلابة قومية، ومواقف حاسمة مع المقاومة. كما أن الأسماء المتداولة الأخرى، ذات حظوظ، انما وفق المهمات المطلوب تنفيذها: مهمة تسوية فاضلة، أم معركة فاصلة.
ج ـ امكانية تأليف حكومة، من دون تيار المستقبل وحلفائه، تحظى بتأييد شرائح سنية، يصار إلى تكبير حجمها وتوسيع دائرة حضورها، لتصبح ذخيرة كافية، لمواجهة تهمة «الفراغ السني». وليس من الضروري أن تنجح هذه القوى في سد الفراغ. فلبنان، يحفظ لنا في احداثياته، انه من الصعب. اختراق القلاع الطائفية المزمنة، برمايات خفيفة، ولو كانت من «أهل البيت» أو من ظلاله.
د ـ ان حكومة من هذا الوزن، ستقدم حتماً على تدبيج بيان وزاري استثنائي، تقطع فيه دابر المحكمة، فتستعاد إلى مجلس النواب، ليجردها من قانونيتها وإيقاف تمويلها وسحب القضاة اللبنانيين منها.
هـ ـ ان حكومة غير مقيَّدة بتسوية، قد تذهب بعيداً في ملاحقة شهود الزور. ومن يدري ماذا ستكون النتائج. هل تقدم تلك الحكومة، على تنفيذ مذكرات توقيف، بعد احالة الملف على المجلس العدلي؟ هل يستبدل اعتقال الضباط الأربعة السابقين بسواهم؟ وعشرات الأسئلة التي تتفتق عليها عبقرية المرحلة؟
و ـ قد لا يكون بعيداً وضع قيود دبلوماسية ضرورية على تحرك السفراء الأجانب في لبنان، فلا يبقى بعض السفراء، مندوبين سامين، يجولون في طول البلاد وعرضها، مشكلين شللاً وفروعاً لدولهم.
ز ـ قد لا يكون مستبعداً، فتح ملفات الحكومات السابقة، بدءاً من البحث عن المغاور التي ابتلعت 11 مليار دولار، وصولاً إلى «عقارات سوليدير» وأخواتها. ففي لبنان، كل شيء ممكن، عندما يصل الخلاف إلى هذه الدرجة، وعندما تسقط الحكومة بهذا الشكل غير المسبوق. وعندما يكون درء خطر المحكمة ـ وفيها شبهة أعظم من جريمة 17 أيار ـ بحاجة إلى عملية جراحية، أقرب ما تكون إلى الاستئصال.
قد لا يحدث شيء مما ورد اعلاه. لكن الأشباح هذه، مقيمة في المجهول الآتي، وعلى الفريق الذي دشّن الخسائر يوم أول من أمس، بخسارة الحكومة أن يتحسب لخسائر أكبر. فهذا بلد اسمه لبنان، ولبنان، أقدمت فيه قيادات 14 آذار، بعد زلزال اغتيال الحريري على تنفيذ انقلاب سياسي شامل، من أجرأ الانقلابات على الإطلاق، لا شبيه لنتائجه، حتى مع كثير من الانقلابات العسكرية، في زمن الصعود إلى السلطة على ظهر دبابة. وكان قد حدث انقلاب بعد اغتيال بيروت عام 1982 وانتخاب بشير الجميل رئيساً برعاية مناحيم بيغن وأرييل شارون، اطيح به بانقلاب مضاد.
ماذا لم تفعل حكومة انقلاب 14 آذار، بعد اغتيال الحريري؟ يكفي أن نقول، انها غيّرت وجه لبنان، ولا تنفي الانتخابات النيابية والتظاهرات المليونية صفة الانقلابية عن حكومات تلك الحقبة. بعض ما أقدمت عليه كان دستورياً، وبعضه مضاد للدستور وبعضه مضاد لطبيعة العلاقة بين الطوائف. وبعضه، مضاد لموقع لبنان الجغرافي والأخوي.
ماذا لو قررت الحكومة القادمة، إذا اقتضت ذلك ظروف المعركة وتوفرت لها القوى الضرورية، استكمال الانقلاب المضاد؟ كان سعد الحريري قد بدأ هذا الانقلاب المضاد، وتوقف في منتصفه، عندما تراجع عن استكمال نتائج اعترافه بشهود الزور وما أقدموا عليه من اقترافات أساءت إلى المحكمة وإلى سوريا وإلى لبنان وإلى العائلة؟
ماذا لو قررت حكومة الانقلاب الثاني، القيام بحركة تصحيحية لذاك المسار، فماذا يبقى في السياسة، لقوى 14 آذار، ولتيار المستقبل؟
السياسة، علم في الحساب. أي، علم في توقع النتائج.
ان لكل تغيير في الداخل اللبناني، ظروفا إقليمية مؤاتية، فماذا لو أن ظروف سوريا مؤاتية، استباقاً لظروف دولية غير مؤاتية من جهة المحكمة ومن جهة دول الاعتدال العربي ومن جهة اسرائيل كذلك؟
إن قراءة للتوقعات السوداء، قد تهدي ذوي البصر والبصيرة، لاجتراح حل يدير أذنه الطرشاء للمحكمة.
هذا الكلام الوارد أعلاه، قد يستدعي رفع شعار مؤقت وآني: «تعالوا إلى تسوية.. ولو عرجاء».
2011-01-14