ارشيف من :أخبار لبنانية
الحريري يربح محكمة خلافية ويخسر حكومة وفاقية « 7 أيـار» سـياسـية في مواجهـة... الهجـوم الأميـركي
عماد مرمل
مرة أخرى، ثبت ان معركة المحكمة الدولية ليست في جوهرها بين فريق لبناني يؤيدها وآخر يرفضها، بل هي معركة تدار من واشنطن تحديدا، وبإشراف مباشر من الرئيس الاميركي باراك أوباما الذي اضطر مؤخرا الى خلع قفازاته الدبلوماسية وارتداء بزة «المارينز»، وبالتالي لم يكن صعبا ضبط البصمات الاميركية على سكين الضغوط التي مورست لتعطيل المسعى السوري - السعودي.
كان يكفي ان يستقيل وزراء المعارضة من الحكومة ومعهم «الوزير الملك»، حتى تسقط آخر الاقنعة عن الوجه الحقيقي للمواجهة الراهنة. البيت الابيض يسارع الى إصدار بيان متوتر يهاجم «حزب الله» بالاسم، ويعلن عن الدعم غير المشروط لسعد الحريري وعن توحيد الجهود مع لاعبين إقليميين ودوليين لحماية المحكمة، فيما كانت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون تتولى إيصال الرسالة باليد الى من يعنيه الامر في المنطقة.
لقد بات العنوان الفعلي لمرحلة ما بعد إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري واضحا ومحسوما: الولايات المتحدة تقود تحالفا دوليا في مواجهة «حزب الله» بما يمثله من حجر أساس في محور المقاومة والممانعة الذي يمر في دمشق وطهران.
ولعل نجاح «السيناريو السوداني» هو الذي أغوى واشنطن ودفعها الى محاولة استنساخه في لبنان، مفترضة انه يمكن استخدام المحكمة الدولية من أجل ابتزاز «حزب الله» وحلفائه الإقليميين، تماما كما جرى استخدام المحكمة الجنائية لإخضاع البشير إلى مطلب انفصال السودان مقابل حماية رأسه. «ولكن ما فات مهندسي السياسة الأميركية هو أن لبنان ليس السودان، و«حزب الله» ليس البشير، وسوريا ليست مصر» يقول قطب مسيحي معارض.
وما يجب أن يدركه الحريري، وفق ما يقوله خصومه، انه قد يكون الحلقة الأضعف في هذه المواجهة الكبرى وربما ضحيتها السياسية الأبرز، كما تبين من السقوط السريع لحكومته في أعقاب فشل المسعى السوري- السعودي، أما «شـيك» الدعم الدولي الذي سـيعود به من جولته الخارجية فليس قابلا للصرف في بيروت، ولعل تجربة 7 أيار 2008 الشهيرة هي أكبر دليل على أن هذا النوع من «الشيكات» هو بلا رصيد في الداخل، حيث تختلف موازين القوى وقواعد المقاصة، إذ اكتفت السفن الأميركية التي كانت تجوب المتوسط في تلك المرحلة بمراقبة المعارضة وهي تضع يدها على بيروت وتحاصر رموز 14 آذار في مقراتهم، من دون أن تحرك ساكنا.
واليوم، تكاد التجربة تتكرر. المعارضة باشرت عمليا في تنفيذ 7 أيار سياسية، والضجيج الأميركي لن يعدل كثيرا في «أجندتها» التي تتضمن خطوات لاحقة إذا اقتضى الأمر، وبالتالي فإن الحريري سيكتشف مرة جديدة عند عودته الى بيروت ان دعم العالم كله لن ينفعه أمام التحديات الداخلية، وأن لقاءه مع باراك اوباما لا يعوض افتراقه عن نصف اللبنانيين على الاقل.
لقد ربح الحريري محكمة خلافية، وخسر حكومة وفاقية. بهذا المعنى، فهو قرر ان يقايض عصفورا في اليد بعشرة على الشجرة، والارجح ان عصافير الشجرة لن تكون قادرة اصلا على التحليق في الاجواء اللبنانية، لان الاستقالة من الحكومة والحملات المنظمة التي شنها «حزب الله» خلال الاشهر الماضية، أدت عمليا الى إفراغ القرار الاتهامي من مضمونه وصولا الى امتصاص مفعوله مسبقا. لقد بات القرار مهشما قبل ان يولد، فيما المحكمة فقدت نصفها الآخر المتمثل في حكومة لبنانية تتعاون معها وتنفذ طلباتها التي تبدأ بالتمويل ولا تنتهي بتنفيذ مذكرات التوقيف المفترضة.
وإلى جانب الخسارة الاستراتيجية، لن يتأخر الوقت قبل ان يشعر الحريري بنزيف سياسي جانبي، سيتسبب به اضطراره الى تحمل أعباء حكومة تصريف الأعمال التي ستكون بمثابة «الاسم الحركي» للفراغ حتى إشعار آخر، الامر الذي سيجعله مشلول الحركة والصلاحيات لفترة طويلة، بحيث لن يكون قادرا سوى على توقيع بعض المعاملات الادارية، ضمن الحدود الضيقة لمفهوم تصريف الاعمال وليس بوصفه شريكا كاملا في الحكم.
والخسارة المتأتية عن إسقاط الحكومة تتجاوز شخص الحريري الى فريقه السياسي الاوسع المتمثل في 14 آذار، ذلك ان الاكثرية النيابية التي بنى عليها هذا الفريق أمجاده ستصبح معطلة في التوازنات الجديدة، بل ربما تتبدل هوية الأكثرية بحد ذاتها، مع توقع تظهير صورة معدلة للاصطفافات السياسية، من شأنها ان تمنح الارجحية البرلمانية الى المعارضة.
والارجح ان «إعادة التموضع» ستطال الدور السوري ايضا. لقد قبل بشار الاسد ان يأتي الى لبنان برفقة الملك عبد الله على متن طائرة واحدة متخليا عن الكثير من الاعتبارات الشكلية والسياسية، بعدما ضرب عبد الله على صدره وقال له: سيادة الرئيس أنا أعالج الموضوع (أزمة المحكمة).
اطمأن الاسد الى الضمانة الملكية، وخاض في نقاشات مضنية طيلة اشهر مع القيادة السعودية، سعيا الى حياكة عباءة التسوية خيطا تلو خيط، ولكن تبين ان النخوة العربية ليست كافية وحدها لإنجاز التسويات، فلم يتمكن عبد الله من الحسم في لحظة الحقيقة.
لم يتعامل الاسد مع الامر باعتباره مجرد إخفاق عابر لمبادرة سياسية. بالنسبة اليه، ما حصل أبعد وأعمق من ذلك، وهو الذي زج بكل رصيده في المسعى المشترك لإنجاحه.
وهناك من يقول ان الضربة التي وجهتها المعارضة الى حكومة الحريري تمت بالتنسيق مع القيادة السورية التي أرادت ان تُثبت انها ما تزال الرقم الاصعب على الساحة اللبنانية، وأنه إذا أراد البعض ان يرد على تضرر مصالحه في العراق عبر الملف اللبناني، فهو مخطئ في حساباته.
ويبقى السؤال: إذا كانت المعارضة قد بدأت معركتها قبل صدور القرار الاتهامي من هذا السقف المرتفع عبر استقالة وزرائها وإسقاط الحكومة، فكيف سيكون رد فعلها بعد صدور القرار، وما هي الأوراق الأخرى التي تخفيها؟
يجيب البعض «كان المحظور أن تسقط الحكومة بعد القرار، حيث سيقال إن ذلك ردة فعل على اتهام «حزب الله». اليوم سقطت الحكومة قبل القرار.. إذا صدر القرار اليوم أو غدا لن تكون له قيمة فعلية، ذلك أن من يريد الوصول الى رئاسة الحكومة صار لزاما عليه أن يفاوض على شروط السلطة لا المحكمة التي أصبحت وراءنا مع كل الدعم الدولي لها».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018