ارشيف من :أخبار لبنانية
تعطيل التسوية يكبّل السعودية ويدفع سوريا إلى "المراقبة".. عن قرب
خضر طالب، السفير
«نحن نسحب يدنا من التسوية... الأمور فوق طاقتنا... ونحن نتمنى عليكم ألا تتدخلوا»...
بهذه الكلمات التي قالها نجل الملك عبد الله، الأمير عبد العزيز هاتفياً للرئيس السوري بشار الأسد، طُويت الرعاية السعودية ـ السورية المشتركة للتسوية في لبنان، وباتت الأمور في مرحلة مختلفة أولى ملامحها أن السعودية ستكون عملياً خارج رعاية أي جهد آخر مباشر قد ينطلق لصياغة تسوية جديدة، وستكتفي بتشجيع ومباركة أي مبادرة تؤدي إلى حل الأزمة في لبنان، وبذلك تكون المملكة التي أبدت حرصاً شديداً على تأمين عبور لبنان هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه، قد تعرّضت مجدداً لـ«كمين» أميركي صَادَرَ منها تلك الرغبة وعطّل جهودها المشتركة مع سوريا، وذلك على غرار ما حصل قبل اشهر في العراق عندما أقصت الولايات المتحدة السعودية وذهبت إلى تسوية مباشرة مع إيران تحقق لها مصالحها في العراق.
وإذا كانت التجربة السعودية في العراق قد انتهت إلى خروجها من المعادلة العراقية بسبب الولايات المتحدة، فإن التجربة السعودية في لبنان التي وصلت إلى حائط أميركي مسدود أيضاً ستؤدي إلى تكرار الإحباط السعودي، وإلى سعي واشنطن لصفقة رابحة في المنطقة مع الدول التي تمسك بأوراق تحتاج الإدارة الأميركية إلى التفاهم عليها، وهو ما حصل في العراق وما هو مرجح أن يتكرر في لبنان.
يمكن القول إن طريقة سقوط المبادرة السعودية ـ السورية تقود إلى استنتاجات أولية يمكن تجميعها في عدد من النقاط:
أولا، إن الإطاحة الأميركية للتسوية ليست سوى محطة أولى في سياق مسار من السعي الأميركي للحصول من كل من سوريا وإيران على أثمان في أماكن أخرى، ولهذا فإن اجتماع اسطنبول في 21 الجاري بين الدول الغربية وإيران سيشكّل مؤشراً على المسار الذي ستتخذه طبيعة المواجهة ـ أو التفاهم ـ بين واشنطن وطهران وانعكاس ذلك على الوضع اللبناني.
ثانيا، باتت سوريا من دون شريك مباشر في التفاوض مع واشنطن بالنسبة للوضع في لبنان، وبالتالي فإنها ستكون الوصية المباشرة على أي حصاد من التفاوض مع واشنطن بعد أن أُقصيت السعودية أميركياً، وبواقع التفويض والتسليم الإيراني بالموقع والدور الذي يمكن أن تلعبه سوريا في لبنان كقوة أساسية لا يمكن العبور إلى لبنان إلا من خلالها.
ثالثا، لا تستطيع السعودية في المرحلة الحالية لعب أي دور في حماية موقع سعد الحريري في السلطة، أو ضمان عودته إليها، بعد أن اكتشفت أن دورها الرعوي لم يكن كافياً لحمايته من الضغوط الأميركية ولتمرير التسوية التي كان يمكن أن تؤمن له عبوراً آمنا للاستمرار في السلطة، وستكون مضطرة لإدارة ظهرها بألم إلى ما سيحصل في لبنان، لأنها أيقنت أنها ستكون عاجزة عن المساهمة في أي مبادرة جديدة.
رابعا، لا يمكن لسوريا أن تقوم بدور ضاغط على حلفائها في لبنان بعد أن استنفدت كل المهل الزمنية لضبط أي تحرك لهم يحميهم من تداعيات قرار ظني بات مضمونه معلوماً وكذلك أهدافه. وبالتالي فإن سوريا التي سعت مع السعودية للتسوية، ستقف في المرحلة المقبلة على مسافة تسمح لها بمراقبة نتائج المواجهة في لبنان من دون أي تدخل مباشر من قبلها. وهي تعلم أن واشنطن ستلجأ إليها في نهاية الأمر بعد أن تعجز أميركا عن استدراج سوريا إلى منازلة في لبنان لمفاوضتها لاحقاً من موقع الشريك، في حين أن المواجهة بين الولايات المتحدة وفريق المعارضة في لبنان ستؤدي إلى مشكلات أميركية لن تكون قادرة على تحمّل أعبائها، وهو ما سيدفعها لـ«استجداء» دمشق التدخل لإنقاذها من «براثن» المعارضة في لبنان.
خامسا، خسر سعد الحريري زمام المبادرة في التعاطي مع الأزمة وإيجاد المخارج لها، وبات أي تفاهم معه غير مضمون النتائج بسبب الضغوط التي يمكن أن تمارس عليه وتؤثر فيه من قبل الولايات المتحدة، خصوصاً بعد أن كانت اتصالات نيويورك قد قدمت نموذجاً عن عدم قدرة الرئيس الحريري على مواجهة هذه الضغوط، لكن الحريري ما زال يملك زمام المبادرة الشخصية إذا ابتعد عن «خط التماس» الفاصل بين قوى المعارضة والولايات المتحدة، والذي سيشهد مواجهة عنيفة لن يكون الرئيس الحريري قادراً على تحمّل حدّتها، ولو حاول حلفاؤه في فريق 14 آذار الالتفاف حوله لتأمين حماية له.
سادسا، ربحت المعارضة فرصة ذهبية عندما انكشف للرأي العام علناً أن سبب تعثّر التسوية هو الموقف الأميركي في حين أن المعارضة كانت إيجابية جداً في التعاطي مع هذه التسوية، وهي حرصت في بيان استقالة وزرائها على توجيه الشكر إلى كل من الملك عبد الله والرئيس بشار الأسد لتؤكّد أنها حفظت مقام القيادتين السعودية والسورية وأن المواجهة هي مع الأميركيين الذين أحبطوا التسوية في لبنان، وهي مواجهة ستكون مريحة في الداخل لأنها تفترض أن أي طرف لبناني سيتولى التصدي لفريق المعارضة فإنه يكون شريكاً للأميركيين بإسقاط التسوية وإنه كان يراهن على الموقف الأميركي لتعطيلها.
سابعا، اذا كان القرار الاتهامي مؤجّلاً مدة ثلاثة أشهر ـ كما تحدّثت بعض المعلومات ـ فإن ذلك يعني أن لبنان سيعيش أزمة حكومية موازية زمنياً لهذه الفترة كحد أدنى، أما إذا كان القرار معجّلاً وخلال أيام قليلة (بعض المصادر اللبنانية تتحدّث عن صدوره قبل مساء يوم الإثنين المقبل)، فإن ذلك يعني أن المواجهة ستكون محتدمة في لبنان من دون سقف خارجي يمنع انزلاق هذه المواجهة إلى احتمالات سياسية تمسك قوى المعارضة زمام المبادرة فيها وتملك خيارات عديدة في هذا السياق، خصوصاً أن هذه المعارضة هي التي تقوم بالهجوم اليوم بينما انتقلت قوى 14 آذار إلى موقع الدفاع في «آخر حصونها» التي تتمثّل برئاسة الحكومة والتي كانت تعتقد أن هذا «المكسب» غير قابل للخسارة بفعل التركيبة السياسية، وهي تحاول أن تتحصّن اليوم بـ«التركيبة الطائفية» لحماية حضورها في «التركيبة اللبنانية».
هل سينجح الرئيس الحريري في إعادة فرض نفسه مرشّحاً أوحد لرئاسة الحكومة؟
حتى الآن يمكن القول إن الرئيس الحريري لم يخسر كل الفرص لعودته إلى السرايا الكبيرة وما زال يملك «ورقة الجوكر» التي تعيد الأمور إلى نصابها وتسمح له بالعودة إلى الرئاسة الثالثة، لكن من لم ينطق «الكلمة السحرية» أمام الملك عبد الله في نيويورك لن يكون سهلاً انتزاعها منه في بيروت، إلا إذا كان ما سمعه من المسؤولين الأميركيين في نيويورك جعله يراهن على أن المعارضة لن تقدم على خطوة الاستقالة، وإذا أقدمت عليها فلن تجد لها وزيراً حادي عشر يقصم ظهر حكومته، وأن «ميزان» الحسابات من بيروت هو غير «ميزان» نيويورك.
ربما يكون النقاش اليوم خارج هذه الدائرة، فالمعارضة قطعت كل أمل بالتسوية وهي تعمل وفق قناعتها بأن غداً سيكون مختلفاً عن اليوم، خصوصاً أنها تعتبر أنها «ضبطت» الحريري «متلبّساً» عندما حرّض الأميركيين ضد الملك عبد الله، وجعل إدارة باراك أوباما تقتنع بصوابية وجهة نظره «لأنني اذا تنازلت للسوريين و«حزب الله»، لن تنتهي التنازلات إلا عندما تكتشفون أنني انتهيت سياسيا، كما أن الموافقة على التسوية تقطع الطريق على أية صفقة لاحقة، وأنا مقتنع أن «حزب الله» لن يقدم على أية خطوة قبل صدور القرار الاتهامي بما في ذلك الاستقالة من الحكومة».
طارت التسوية واعتذر السعوديون من السوريين... قبل أن يستنجد الحريري مجددا بساركوزي، ناصحا بمخرج اللقاء الدولي، فكان أن اعتذر السعوديون عن التدخل ورفض السوريون فكرة «التدويل»، في تعبير عن حساسية تاريخية من هذا العنوان الذي تلقفه الفرنسيون سعيا لمخرج وليس لإحراج السوري، علما أن التقرير الذي رفعه السفير الفرنسي دوني بييتون أظهر أن جميع قوى المعارضة اللبنانية متحفظة على الفكرة من دون أي استثناء، بينما كان فريق 14 آذار متحمسا لها... وسمع أحد الدبلوماسيين الغربيين كلاما واضحا من أحد قادة المعارضة المسيحية مفاده «لم يتعلموا من دروسنا وها هم يعيدون تكرار أخطاء المارونية السياسية ولكن بسرعة قياسية ودراماتيكية.. وإذا كانوا يحاولون فطع الطريق على سوريا، سنجد أن من يفرش السجادة الحمراء أمام اعادة تلزيم لبنان لسوريا على طريقة ما بعد اتفاق الطائف هو سعد الحريري».
رهان 14 آذار وخيارات المعارضة
اختلفت ظروف قوى 14 آذار وحساباتها عما كانت عليه بعيد الانتخابات النيابية الأخيرة، وفي ضوء ذلك اختلفت الأجوبة. في تلك الفترة كانت هذه القوى في فورة انتصار انتخابي صريح، ومع ذلك لم تتمكن من تشكيل حكومة من لون واحد تعبّر عن انتصارها، بل عجزت عن فرض شروطها حتى في طريقة تشكيل الحكومة وصيغة التوازن داخلها، ثم رضخت لصيغة البيان الوزاري الذي يخالف قناعات كثيرين من مكوناتها. أما اليوم فإن موازين الانتخابات تبدّلت بفعل التغيير الذي طرأ على التحالفات: خرج وليد جنبلاط من هذا الاصطفاف فخسرت قوى 14 آذار أكثريتها الصريحة بفقدانها أكثرية كتلته النيابية.. توسّعت المسافة مع الوزير محمد الصفدي الذي بات من المرشحين المنافسين للحريري على رئاسة الحكومة... خرج النائب نقولا فتوش من 14 آذار ناقماً على القوى النافذة فيها واقترب من المعارضة...
كل هذه المتغيرات «لن تغير شيئاً في المعادلة القائمة في لبنان وهناك قرار دولي بمنع «حزب الله» من السيطرة على لبنان» يقوا أحد قياديي 14 آذار، فضلاً عن أن هذه القوى تراهن على أن وقع القرار الاتهامي سيكون مدوياً بحيث يفقد المعارضة زمام المبادرة ويضعها في الزاوية بحيث تنشغل بالدفاع عن نفسها وتتعطّل قدرتها على إدارة معركتها الحالية. أما في وسائل الهجوم الذي باشرته قوى 14 آذار، من خلال رأس حربتها تيار المستقبل، فإنها اعتمدت السلاح الأمضى لديها والذي يقوم على أساس ما يمثّله الحريري سنياً وعلى أن أي استبعاد له عن الرئاسة يشكّل إقصاء للسنّة!
أما في أروقة المشاورات الجارية بين قوى المعارضة، فإن ثمة من يطرح تسمية شخصية مقبولة من جميع الأطراف ولا تشكّل استفزازاً، ويسمي هؤلاء الرئيس نجيب ميقاتي كخيار يمكن الاجتماع عليه ويملك رصيداً شعبياً ويمكنه أن يؤمّن مظلّة عربية لمهمته، خصوصاً أن نجيب ميقاتي كرّس استقلاليته وخصوصيته ورفع من رصيده في الشارع السني خصوصا واللبناني عموما، ما يجعله اليوم الأكثر قرباً إلى الرئاسة الثالثة بين المرشحين إذا قرر الموافقة على العروض المقدمة إليه، علما أنه اشترط لذلك أن يحظى ترشيحه بضوء أخضر سعودي ـ سوري.
أما في حال اعتذار ميقاتي، فإنه تمكن تسمية الوزير محمد الصفدي كخيار من فريق 14 آذار، لأنه برغم ما بينه وبين بعضهم من خلافات إلا أنه ما زال محسوباً في الحكومة على حصة هذا الفريق السياسي، علما أنه كان قد سلّف المعارضة الموقف الذي طلبته من الحريري، عندما بادر في الخريف الماضي الى اعلان موقف واضح من الرابية مفاده رفض أي قرار اتهامي موجه ضد «حزب الله».
وثمة قناعة في أوساط المعارضة بأن الفوز بأحد الاحتمالين، ميقاتي أولا والصفدي ثانيا، يعني عمليا كسب أربعة أصوات الى جانب المعارضة، فلا تحتاج بعد ذلك الا ثلاثة أصوات من رصيد وليد جنبلاط، لتحصل على أكثرية 65 صوتا.
وثمة من يطرح خيارا ثالثا، بتسمية الرئيس عمر كرامي كونه يحتمل مشروعية عنوانها الرئيس أن لديه الحق بالتصرّف في موضوع المحكمة الدولية، لأن سعد الحريري هو الذي قاد حملة العفو عن سمير جعجع قاتل شقيقه الرئيس الشهيد رشيد كرامي... ومن حق عمر كرامي أن يتصرّف في مصير محكمة دولية تنظر في قضية اغتيال والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
الخيار الرابع هو خيار اختيار شخصية مواجهة، قد يكون أحد أبرز رموزها الوزير البقاعي السابق عبد الرحيم مراد، وأفضل عنصر مرجح لمثل هذا الخيار، صدور القرار الاتهامي في الساعات الثماني والأربعين المقبلة. ولذلك فإن ما ستظهره الساعات المقبلة على هذا الصعيد، سيكون كفيلا بتحديد صورة رئيس الحكومة العتيد والحكومة المقبلة أو الفراغ الآتي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018