ارشيف من :أخبار لبنانية

هل «هبّت» رياح عمر كرامي في جبهة المعارضة؟

هل «هبّت» رياح عمر كرامي في جبهة المعارضة؟

خضر طالب ـ "السفير"

«هبّت رياح الحريري».. تلك هي العبارة التي استعملها الرئيس عمر كرامي بعد لقائه رئيس الجمهورية الراحل الياس الهراوي في بداية الاستشارات الملزمة بعد الانتخابات النيابية في العام 1992.. بعده كرّت السبحة، وجاء رفيق الحريري رئيساً لحكومات ما بعد الطائف «على النظيف» بعد أن كانت حكومة عمر كرامي، الأولى بعد الطائف مباشرة، قد تولّت جمع السلاح وحلّ الميليشيات بدمجها في الدولة.

يعود الزمن إلى الوراء ويكرّر نفسه مع بعض الفوارق: على الأرجح أن رياح عمر كرامي هي التي «هبّت» في جهة واحدة من البلد، لكنها قد تكون كافية لحمله إلى الرئاسة الثالثة التي امتهنها وخَبِرَ مشكلاتها، خصوصاً في زمن الأزمات، ويفترض أن تكون مهمته «تنظيف الأرض» مجدداً من خلال حلَ «الميليشيات السياسية» وجمع «السلاح المذهبي» الذي استشرى خلال خمس سنوات من «حرب أهلية» مختلفة في الأسلوب والأدوات عن تلك التي كانت مشتعلة قبل العام 1991، فضلاً عن أنه «صاحب حق» في إصدار «عفو عام» يطوي صفحة ماضية، مكرراً عفو 1991 بصيغة مختلفة، ليصدر ملحقاً لـ«العفو الخاص» الذي أنجزه الرئيس سعد الحريري عندما «تنازل» عن «حقّ» ليس له بالعفو عن قاتل شقيقه الرئيس الشهيد رشيد كرامي.. ولكن بصيغة جديدة.

صحيح أن عمر كرامي لم يتبلغ رسمياً بعد بأن خيار قوى المعارضة قد وقع عليه لترشيحه، لكن الرياح تسرّبت من كل أبوابها نحو طرابلس وصولاً إلى مكتبه الذي غصّ بالملتزمين معه في أحلك الظروف، وكذلك بالمؤيدين الجدد الذين سارعوا لحجز مكان في مساحة المصفقين للسلطة أياً كان من يشغلها، ثم «لاحقه» المقربون في عطلة الأسبوع إلى منزله في طرابلس لإلغاء «إجازته» وإعلان تأييده.

لكن كرامي الذي بات خبيراً في نعمة الحكم وصدماته، بدا متهيباً من حمل كرة المسؤولية، لأنه يدرك حجم وحساسية المهمة إذا أوكلت إليه، وهو يراقب بدقة المواقف التي تصدر تباعاً من كل المواقع، بهدف إجراء حسابات دقيقة تجنّبه الانزلاق إلى رئاسة الحكومة من دون مظلة كافية لحماية مهمته المليئة بحقل الألغام.

ولذلك فإن الرئيس كرامي يعرف أن التكليف هو بداية المشوار وليس نهايته، لأن مشاورات التأليف حافلة بالمطبات والألغام، خصوصاً أنه سيكون في مواجهة مفترضة مع الرئيس الحريري الذي يسعى للجمع بين رئاسة حكومة تصريف الأعمال وبين التكليف الذي يستطيع من خلاله أخذ وقته الكامل، وزيادة، في عملية التأليف التي سيستخدمها كورقة للضغط في التجاذب القائم.

لكن عمر كرامي سرعان ما تلقى جرعة دعم غير مباشرة من «خصوم» محليين لم يتوقعها، وهي أصلاً لم تكن لخدمة تكليفه، لكنها تصبّ حكماً في مصلحته لأنها تعني أنه لن يكون وحيداً في التحدّي.. وإن كانت لكل حساباته.

أما الخصوم الذين تقاطع موقفهم مع مصلحة كرامي، فكانوا في موقع الدفاع عن النفس ضد حملة منظّمة رأوا فيها إساءة إليهم وإلى ما يمثّلون بعد استقالة وزراء المعارضة وانطلاق الحديث عن تكليف شخصية أخرى غير رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري بتشكيل الحكومة الجديدة.

كان الرئيس نجيب ميقاتي أبرز المرشحين ومن خلفه حليفه الجديد الوزير محمد الصفدي، ومعهما حليفاهما النائبان أحمد كرامي وقاسم عبد العزيز، محكومين بالدفاع عن أنفسهم، فسارع الدكتور خلدون الشريف لـ«ربط القنوات» بين ميقاتي والصفدي اللذين تلقفا الفكرة لعقد اجتماع تنسيقي تطور إلى إصدار بيان مشترك خرج عن المألوف في السلوك السياسي للرجلين، لكنه أكمل مسار التمايز الذي كان بدأ يلوح بين كل منهما وبين الرئيس سعد الحريري وتيار المستقبل، ووجّها في الوقت نفسه رسالة واضحة إلى كل خصومهم أنهم لن يكونوا مستفردين، فإذا بالبيان يصوغ خصوصية لمدينة طرابلس تحديداً خارج الإطار الذي كانت موضوعة فيه كمدينة يحكم الرئيس الحريري قبضته عليها. وربما ستحشر هذه الخصوصية رباعي التحالف الجديد أيضاً في حال كان الرئيس عمر كرامي مرشّحاً لرئاسة الحكومة، لأن الواقع الطرابلسي قد يدفعهم إلى التصويت لـ«إبن مدينتهم» وشريكهم في الحضور الشعبي فيها، بغض النظر عن طبيعة العلاقة القائمة بينهم وبينه، وسيؤدي ذلك في حال حصوله إلى «عَصَب» طرابلسي يؤمّن غطاء مريحاً للرئيس كرامي في حال أُلقيت تبعات التكليف عليه.

ويفترض بحسب المعلومات أن يجتمع اللقاء الرباعي مجدداً اليوم لاتخاذ موقف نهائي بشأن الشخصية التي سيرشحونها لرئاسة الحكومة، وذلك في ضوء المشاورات الجارية التي ستبدأ ملامحها بالظهور اليوم أيضاً، مما يشير بوضوح إلى أن لا شيء محسوماً لديهم بالنسبة لمرشحهم حتى الآن.
لكن اللقاء التنسيقي والبيان الصادر عنه يحمل في طياته دلالات هامة، فهو فرض لأول مرة معادلة جديدة لواقع التمثيل السني لا يلغي تفوق الرئيس الحريري فيه إلا أنه يكرّس وجود فريق سني آخر من خارج مظلة تيار المستقبل التي احتكرت هذا التمثيل منذ الانتخابات النيابية مستفيدة من انكفاء الرئيس ميقاتي وتحالف الوزير محمد الصفدي مع الرئيس الحريري في إطار قوى 14 آذار.

كما أن هذا اللقاء أعاد لعاصمة الشمال هويتها الخاصة، وكياناً مستقلاً في السياسة كانت ملامحه قد بدأت تلوح في أكثر من استحقاق انتخابي محلي عندما كانت للقيادات المحلية الرأي الراجح في هذه الاستحقاقات، وأعاد إليها حيوية سياسية خسرتها عندما سلّمت قرارها السياسي طوعاً منذ العام 2005 إلى الرئيس الحريري في العاصمة بيروت، وربما تعيدها إلى موقعها كشريك تاريخي للعاصمة الأولى، وإلى دور سياسي رئيس في المعادلة اللبنانية.
ربما لم تتحوّل هذه المعادلة إلى ثنائية سنية كاملة على المستوى السياسي، لكنها حتماً تفرض تنوّعاً بغض النظر عن الأحجام، وتؤسس لمرحلة مختلفة في احتساب موقع سنّة لبنان، بخلاف المرحلة السابقة التي لم تستطع أي قوة في الشارع السني من إثبات حضورها تحت ضغط الاصطفافات المذهبية التي عطّلت أي فرصة لهذه القوى للخروج إلى النور السياسي.

إلا أن الأبرز في هذا التنسيق هو أنه سيكون له أثر بالغ على توازن القوى السياسية في لبنان خلال المرحلة المقبلة، أياً كانت المخارج التي سترسو عليها عملية التكليف والتأليف الحالية.

وكان الرئيس ميقاتي والوزير الصفدي والنائبان أحمد كرامي وقاسم عبد العزيز قد اجتمعوا مساء الجمعة في منزل النائب كرامي وتداولوا في الحملة التي أرادت في رأيهم قطع الطريق على ترشيح أي شخصية غير الرئيس سعد الحريري لرئاسة الحكومة، وأصدروا بياناً كان لافتاً في مضمونه خصوصاً لجهة وضع الرئاسة الثالثة في خانة الموقع الوطني ورفض حصرها بموقع طائفي.
وجاء في البيان:

1. إن استقالة الحكومة اللبنانية وعلى الرغم من إطارها الدستوري السليم جاءت في جو من الانقسام السياسي الحاد مما أوحى بدخول البلاد في أزمة مفتوحة على كل الاحتمالات وعليه نوجّه الى القيادات السياسية اللبنانية من دون استثناء دعوة لتحويل هذه الأزمة الى فرصة للحلّ ولتأكيد التمسك بوحدة الدولة وتنوّع مكوناتها.

2. إننا من موقعنا النيابي الطرابلسي والشمالي نتفهّم هواجس اللبنانيين جميعاً وبالتحديد هواجس الطائفة السنية التي نعتز بالانتماء اليها، لكننا فوجئنا مع الأسف بموجة من التصريحات الغريبة عن أدبياتنا السياسية والاجتماعية بأسلوب يسيء الى الطائفة ورموزها ويهدّد مستقبل لبنان.

3. إن تشكيل حكومة جديدة هو استحقاق وطني يعني جميع اللبنانيين وتسمية الرئيس المكلف هي شأن دستوري، وإذا كانت المذهبية السياسية قد أفرغت استحقاقات دستورية من مضمونها الديموقراطي فإن الاستثناء لا يجوز أن يصبح قاعدة. وعليه نؤكد من منطق الحرص على مقام رئاسة الحكومة أن هذا الموقع تتولاه الطائفة السنية وفقاً للتوزيع الطائفي للرئاسات، لكنه موقع وطني بامتياز.
4. إن الأساس في أي حل لأزماتنا ينبغي أن يرتكز، ليس على التسويات الظرفية بل على قاعدة العودة الى الدستور ووثيقة الوفاق الوطني في الطائف بنصّها وروحيتها.

5. مع شكرنا للإرادة الصادقة لكل من المملكة العربية السعودية وسوريا وللجهود المخلصة لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس بشار الأسد نؤكد أن الحوار اللبناني - اللبناني يبقى هو الأساس في أي حلّ وبالتالي تقع علينا كلبنانيين مسؤولية تقرير مصيرنا بما يضمن وحدة الدولة واستقرارها ويقدّم للبنانيين الصابرين على واقعهم المرير حلولاً للأزمات الاقتصادية والمعيشية.

6. إننا نؤكد تمسكنا بدولة الحق والمؤسسات والعدالة باعتبارها الضامن الوحيد لجميع اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم كما اننا نتمسك بالحوار وسيلة وحيدة لمعالجة أزماتنا.

2011-01-17