ارشيف من :أخبار لبنانية
الأمل بالياسمين
انتصرت انتفاضة الياسمين وهرب الدكتاتور. وسطّر الشعب التونسي لنفسه ولعالمه العربي صفحة مشرقة من التاريخ في هذا النصف الأول من العام 2011.
هي انتفاضة شباب تونس، أطلقها حامل شهادة عاطل عن العمل قرّر أن يحترق لتصاب تونس بالضياء. انتقلت من الأرياف الجنوبية الفقيرة إلى المدن الداخلية قبل أن تخترق العاصمة حيث انضمت إليها النقابات والجمعيات المهنية والأحزاب والمثقفون.
هي انتفاضة من كسر الخوف فاكتشف أن كل شيء يصير ممكناً بعد ذلك. صمدوا في وجه الرصاص والاعتقال والقتل. وأحبطوا محاولات الدكتاتور الاحتفاظ بسلطته أو العودة إليها بعد فترة فراغ في الحكم. انتصرت الانتفاضة دون دعم أو تدخل خارجي. بل انتصرت ضد خارج داعم للدكتاتور. تخلت فرنسا ساركوزي عن أقرب حلفائها، وانحازت أميركا أوباما إلى الشعب التونسي وحقه في «اختيار زعمائه»، بعد أن قضي الأمر. وكم هو معبّر أن يلجأ بن علي إلى العربية السعودية ليزيد في التأكيد على وحدة النظام العربي القائم على زواج الدكتاتوريات الجمهورية (التوارثية) مع الأنظمة السلالية المحافظة. وحده العقيد القذافي شذ عن جوقة الصمت والتلعثم الرسمي العربية، تحيي الشعب التونسي من طرف اللسان وكل يتحسس ذقنه. عبّر أطول حاكم في العالم عن «تألمه» لسقوط بن علي بعد أن تمنى له أن يحكم مدى الحياة. حقاً، إن من ساواك بنفسه ما ظلمك!
ميزة الانتفاضات الشعبية أنها تكشف آليات النظام الاجتماعي من الأعماق وتقلب السائد من الأفكار رأساً على عقب.
حسمت الانتفاضة التونسية في جدل الديموقراطية السائد في بلادنا. يتبارى فيه فريقان كلاهما متوهم أن «الغرب» يسعى لفرض الديموقراطية علينا، فيختلفان بين مرحّب بالتدخل الغربي الخلاصي، ولو على ظهور الدبابات، وبين رافض للديموقراطية باسم الخصوصيات القومية والدينية أو نكاية بـ«الغرب» الاستعماري. برهنت القوى الغربية مرة أخرى على أن الديموقراطية في أوروبا وأميركا منتوج محلي ليس للتصدير، بل هو يعيش على تصدير الحروب ضد الشعوب والسيطرة على مواردها واستغلال ثرواتها ودعم الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية والسلالية عليها.
وبرهنت انتفاضة الشعب التونسي، من جهتها، على أن الديموقراطية هي في الشارع، تنتزع بالتضحيات والدم والإرادة ومعرفة الخصم. لا عُقَد هوية أو «أصالة» أو «ثقافة» هنا. نحن في البلد الذي أصدر أول دستور في المنطقة (1861) ونشر أول صحيفة حديثة (أسهم في تأسيسها اللبناني أحمد فارس الشدياق) يستلهم أفكار كبار مثقفيه أمثال أبي القاسم الشابي، ورائد تحرر المرأة، الطاهر حداد، ويستمد الزخم من نضاله الاستقلالي مرتكزاً على تقاليد دولة علمانية وقانون مدني تقدمي للأحوال الشخصية وخطوات كبيرة في احتلال المرأة مكانتها في الحياة العامة، وعلى دور تاريخي بارز للنقابات العمالية والمهنية في ربط النضال الوطني بالنضال من أجل العدالة الاجتماعية.
وليست انتفاضة تونس رمية من غير رام في مضمار النضال الديموقراطي الجماهيري المستقل. إنها مجرد الذروة في سلسلة من الانتفاضات الشعبية من أجل الخبز والعمل والحرية، هي وحدها التي فرضت ما تتمتع به دول عربية عدة من تعددية حزبية وصحافية وتوسيع للحريات العامة وزيادة في صلاحيات المؤسسات المنتخبة وتداول للسلطة. وهي سلسلة تضم حلقاتها الرئيسية «يناير 1977 المصري» وانتفاضة «الحيطيين» الجزائرية وانتفاضات الخبز في المدن المغربية، وانتفاضات الجنوب الأردني، والحبل على الجرار.
خبز، عمل، حريات، تنمية مناطقية متوازنة وعدالة اجتماعية. يخطئ كثيراً من لا يرى في هذه الشعارات الوحدة العميقة التي تجمعها مع ما هو جار الآن من تحركات مطلبية من الخليج إلى المحيط. تتشكل منها موجة ردود الفعل الاجتماعية الجديدة ضد العولمة النيوليبرالية وقد أنجزت ما أنجزته من وقف الدعم للمواد الغذائية، وإطلاق قوى السوق منفلتة من أعقلتها، وخصخصة الخدمات العامة كالماء والكهرباء والصحة والتعليم، والتحويل الريعي الخدماتي والاستهلاكي للاقتصادات، على حساب القطاعات الإنتاجية، في مقابل نظام تعليمي ينتج عاطلين عن العمل من حملة الشهادات الثانوية أو الجامعية. والحصيلة تنامي البطالة والتهميش وتفاقم الفوارق الطبقية والمناطقية.
الانتفاضة التونسية انتفاضة فقراء ومهمشين وعاطلين عن العمل. لن تنطلي عليها مصطلحات السيدة كلينتون للزعماء العرب عن ضرورة محاربة الفساد وتحقيق الإصلاحات. وهي حرفياً لغة الدجل النيوليبرالية تحوّل الفقر إلى آفة، وتدعو لمحاكمة صغار المرتشين وإعفاء كبار الفسادين والمفسدين في أنظمة الرأسمالية المافيوية أو النفطوية، تستخدم السلطة السياسية لبناء المصالح الاقتصادية ومراكمة الثروات المهربة إلى الخارج أو الموظفة فيه. لم تخطئ جماهير تونس في تعيين بؤرة الفساد فطالبت وتطالب بمحاكمة الرئيس السابق وعائلته وبطانته وملاحقة أمواله وممتلكاته الواصلة إلى الأرجنتين.
هكذا فالانتفاضة التونسية نقد بالممارسة لأجندة النيوليبرالية في بلادنا وإنذار صارخ للجمعيات غير الحكومية على أوهامها بإمكانية العمل خارج السياسة، وعلى تفتيتها قضايا الناس إلى قطاعات منفصلة (شباب، مرأة، بيئة، حقوق إنسان، تمويل فردي، ثقافة وتعليم وترجمة، ريادة في الأعمال، أمن وسلام، إلخ.)، وتفريغ معنى الحقوق والمواطنة عن طريق الخدمات والإحسان، وتنصيب حقوق الأفراد المسماة «حقوق إنسان» في وجه الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
وفي تونس، كما في سائر المنطقة العربية، ترهص الانتفاضة بإطلالة قوة اجتماعية سياسية ثالثة مستقلة تناضل ضد السلطات القائمة ولكنها لا تتعرّف على نفسها في الحركات الإسلامية العاجزة عن الخروج من النيو ليبرالية الاجتماعية الاقتصادية. هذا عندما لا تكون من دعاة هذه وتلك. تابٍعوا أخبارها تنمُ على الإنترنت وفي الشوارع. «اليوم بن علي غداً حسني مبارك». و«اليوم بن علي، وغداً علي عبد الله صالح». في الأردن تهدد تحركاتها بإطاحة رئيس وزراء ليكون كبش محرقة بديلاً عن احتراق مليكه. حتى أن التظاهرات ضد الغلاء ومن أجل العمل تطال ساحات جديدة غير مسبوقة مثل السلطة الفلسطينية وعاصمة العربية السعودية حيث اعتصامات العاطلين عن العمل.
هذه انتفاضة شبه عفوية، تمت في غياب أحزاب معارضة فعلية داخل البلد (الجدي والجذري بينها مثل حزب العمال الشيوعي كان مضطهداً وفي العمل السري) وحضور ضعيف للمنظمات غير الحكومية. كانت عفويتها مصدر قوتها الكبير. وهي تهدد الآن بأن تصير مصدر ضعفها الأكبر.
في تونس، سقط دكتاتور ولم تسقط الدكتاتورية. لا تزال قواه موجودة وإن تكن مزعزعة الأركان. لها مرتكزاتها في الأمن والجيش بنوع خاص، ناهيك عن سندها الخارجي في باريس أو واشنطن. ورهانها الفوضى.
لم تنته المعركة. بدأت معركة تحوّل الانتفاضة إلى ثورة.
أما الآن فهو أوان تحية الإجلال للشهداء والتربص بالتطورات وتحركات الخصوم والأعداء واستخلاص الدروس.
الآن أوان جرعات جديدة من الأمل بالياسمين تبشّرنا بها انتفاضة الياسمين في وطن الياسمين.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018