ارشيف من :أخبار لبنانية
ماذا فعل ميشال سليمان؟
بعد صدور القرار الاتهامي عن المدّعي العام الدولي دانيال بلمار، وبعد إرجاء الاستشارات النيابية لتسمية رئيس جديد للحكومة، وبعد استقالة أكثر من ثلث الوزراء واعتبار الحكومة مستقيلة، وبعد تعطّل طاولة الحوار... بعد تلك التطورات كلها، يمكن ـــــ أو يجب ـــــ طرح السؤال: ماذا فعل ميشال سليمان من موقعه رئيساً للجمهورية، أو لهذا الموقع، أو حتى بهذا الموقع؟
بدأ مسلسل العثرات مطلع تشرين الثاني الماضي عندما طرح فريق حكومي مسألة بحث ملف شهود الزور على طاولة مجلس الوزراء، على أن يبتّ بالتصويت سلباً أو إيجاباً، لتُكمل بعدها الحكومة عملها العادي، رفض الفريق الحريري. وفي اليومين الماضيين صار رفضه مفهوماً. فالملف يعني إقرار الحريري نفسه بإدانة نفسه، إمّا بتهمة التورّط في تلفيق إفادات كاذبة، وإمّا ـــــ والأخطر ـــــ كتمان معلومات حيال جرائم وقعت على الأراضي اللبنانية في تاريخ لم يمر عليه الزمن...
لكن المفاجأة كانت اصطفاف ميشال سليمان إلى جانب الحريري في رفض تسيير أمور الدولة. هكذا طارت طاولة الحوار بدءاً من 4 تشرين الثاني الماضي.
بعدها استمر التجاذب حيال الحكومة وعملها. حصلت محاولة أخيرة لجمعها في 15 كانون الأول من العام المنصرم. عاد الملف نفسه، وعاد الطرح الدستوري السليم نفسه، وعاد الرفض نفسه من قبل الحريري، يؤيّده سليمان، فتعطّل مجلس الوزراء، بعد تعطيل طاولة الحوار.
بعد عشرة أيام، قال رئيس الجمهورية من بكركي إنه التزم هذا الموقف لأن لا أحد يملي عليه أو يقيّده، أو ينتقص من صلاحياته الدستورية، فيما كان قصره يوزّع اجتهادات مفادها أن امتناعه عن التصويت، وفق النص الدستوري الصريح، هدفه الحؤول دون انقسام الحكومة أو سقوطها، أو انشطار البلد...
ثمّ جاءت المحطة الثالثة. ذهب رئيس الحكومة إلى نيويورك، بلا تكليف حكومي ولا مَن يحزنون. سقطت مساعي التسوية من هناك، بمساهمة من مساعيه، واستعدّ بلمار لإصدار اتهام منبثق من المحكمة الدولية التي قال عنها سليمان نفسه إنها أصيبت في صدقيتها. عند هذا الحدّ ذهب أكثر من ثلث الوزراء إلى رئيس الجمهورية طالبين منه استخدام صلاحياته الدستورية الاستثنائية، إذا ما استُنفدت كل الوسائل والسبل الأخرى لعقد جلسة لمجلس الوزراء، وفق منطوق الفقرة 12 من المادة 53 من الدستور. مرّة جديدة، لا جواب، فحصلت الاستقالة، وسقطت الحكومة...
أما المحطة الأخيرة فهي الاتجاه حتى إلى العجز عن إجراء استشارات التكليف، فيما الملف اللبناني يبحث على بعد كيلومترات من بيروت بين ثلاثة مسؤولين غير لبنانيين يلتقون في دمشق ولا يوجّهون دعوة إلى نظيرهم اللبناني للانضمام إليهم للاستماع إلى رأيه والاستئناس بمشورته على الأقل...
هكذا، بمعزل عن تحديد المسؤوليات وتوزيع نسبها وتحميل النيات أو الأفعال سببيّة ما حصل، يبقى أن القراءة المنطقية لتطور الأمور منذ ثلاثة أشهر حتى اليوم، تظهر الآتي:
حاول رئيس الجمهورية التحصّن بقراءة خاصة لصلاحياته من أجل استمرار عمل الحكومة، فانتهت الأمور إلى شلل الحكومة. بعدها تسلّح بفهم خاص للظروف الاستثنائية حرصاً على بقاء الحكومة، فانتهت التطورات إلى استقالة الحكومة. عندها قيل إن تنسيقاً خفيّاً حصل مع وليد جنبلاط، لمحاولة تعليب الاستشارات مسبقاً على قاعدة التعادل السلبي لاكتساب مزيد من الوقت، فبلغت الأمور حدّ تأجيل الاستشارات، والبعض يكاد يقول إرجائها إلى إشعار آخر، إذا ما دُقّق في بيان دمشق أمس، لجهة الترحيب بالتأجيل «ريثما تتحرك الجهود السياسية لمساعدة اللبنانيين على إيجاد الحل...».
هكذا، بعملية قياس منطقي بسيط، يظهر للمراقب أن الأمور في كل مرة ومرحلة كانت تنتهي إلى عكس ما يقصده رئيس الجمهورية ويسعى إليه. لكن الأهم أن هذه السلسلة من الوقائع السببية تظهر أن موقع الرئاسة فقَدَ في كل مرة ومرحلة ورقةً أساسية من أوراق دوره الباقي فوق غربالَيْ الطائف والدوحة، فطارت طاولة الحوار، ثمّ طارت جلسات مجلس الوزراء، ثم طارت الحكومة، لتطير أول من أمس استشارات التوقيع الرئاسي الوحيد الباقي دستورياً، وليطير أمس دور الرئيس اللبناني في المشاركة حتى في دمشق في قمة دولية عن لبنان...
أي استنتاج يمكن الخلوص إليه؟ ماذا عن قاعدة عتيقة تقول بأن أسوأ الخيارات أحياناً هو ألّا تختار؟!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018