ارشيف من :أخبار لبنانية
الفيصل يدقّ المسمار الأخير في نعش الـ"س ـ س"
حسن عليق - "الاخبار"
تتعدد التفسيرات والنتيجة واحدة. وداعاً س ــ س هي خلاصة تصريحات سعود الفيصل التي حملت موقفاً حاسماً بـ«رفع اليد السعودية» وتحذيراً من «تقسيم لبنان وانفصاله»
مستوحياً القاموس السوداني الرائج هذه الأيام، حذّر وزير الخارجية السعودي، سعود الفيصل، من أنه «إذا وصلت الأمور إلى الانفصال وتقسيم لبنان، انتهى لبنان دولةً تحتوي على هذا النمط من التعايش السلمي بين الأديان والقوميات والفئات المختلفة».
وفي أول تعليق رسمي يصدر من بلاد الحجاز على انتهاء المبادرة السورية ـــــ السعودية، قال الفيصل إن بلاده رفعت يدها عن «الاتفاقات» التي كانت المبادرة تسعى للتوصل إليها. كلام أخذ أبعاداً خطيرة في الداخل اللبناني، وخاصة أنه صدر في اللحظة التي تقود فيها تركيا وقطر مبادرة «استلحاقية»، تحت مظلة المسعى السوري ـــــ السعودي، للتوصل إلى حل يضمن الاستقرار في لبنان. أضف إلى ذلك أن هذا الحديث صدر عن وزير خارجية بلاد يقول بعض عارفيها إن «الرسوم الجمركية لا تُفرَض فيها إلا على الحكي».
ورغم أن الأمير السعودي عاد وأوضح في اتصال أجراه مع رئيس حكومة تصريف الأعمال، سعد الحريري، أن بلاده تدعم «أي جهد يُبذل لتوفير الاستقرار في لبنان»، إلا أن ذلك لم يخفف من الوقع السلبي للتصريح السعودي. فالجالس على رأس الدبلوماسية السعودية منذ ثلاثة عقود، كان في بداية عدوان تموز 2006 قد أطلق عبارته الشهيرة عن «المغامرة التي أقدمت عليها» المقاومة. وهي عبارة يمكن التأريخ بها لمرحلة من الاشتباك السوري ـــــ السعودي على الساحة اللبنانية، لم ينته إلا في بداية عام 2009.
في بيروت، صدر أول ردّ فعل عن رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي أصدر مكتبه الإعلامي بياناً منسوباً إلى «أوساط الرئيس بري» استغربت فيه أن يكون «هذا الكلام صادراً عن وزير الخارجية السعودي»، وخاصة أن «رئيس وزراء قطر ووزير الخارجية التركي أكدا أثناء التشاور (أول من أمس وأمس) أنهما لم يتحركا إلى لبنان إلا بعدما تقرر ذلك في قمة دمشق، وبعد إجراء اتصال مع الجانب السعودي الذي أكد القرار بالتحرك إلى لبنان بموافقة سعودية كاملة».
لكلام الفيصل قراءتان: في الأولى، يرى أحد المطلعين على ما يدور في أروقة البيت السعودي أن تصريح الفيصل يعبّر عن «وجهة نظر متوترة، اختلط فيها الشخصي بالعام، لأنه كان بعيداً عما يجري بين الملك السعودي والرئيس السوري». وفي رأي المصدر ذاته، في كلام الفيصل «شيء من الشماتة بالدور الذي أدّاه الأمير عبد العزيز بن عبد الله، الذي انتهى بالفشل». لا يرى المصدر سبيلاً للمقارنة بين كلام الفيصل أمس، وحديث «المغامرة» الشهير: «الأول نابع من التوتر، أما «حديث المغامرة» فكان قراراً». ينفي المصدر أن يكون كلام الفيصل تعبيراً عن رأي رسمي سعودي، «إذ لا إدارة في المملكة حالياً، وهي بحاجة إلى نحو سنتين حتى تتبلور».
هذه القراءة تقابلها أخرى، يتبنّاها الأستاذ الجامعي السعودي، خالد الدخيل. يتوقف عند قول وزير خارجية بلاده إن الاتصالات بين الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس بشار الأسد كانت تهدف إلى «إنهاء المشكلة اللبنانية برمتها». وبرأي الدخيل، فإن هذه العبارة يُفهَم منها أن الأزمة المتصلة بالمحكمة الدولية في لبنان هي جزء من المشكلة اللبنانية الكبرى، التي لها عناوين عديدة، ليست المحكمة الدولية سوى واحدة منها. ومن هذه المشاكل، الأزمات التي يعيشها النظام اللبناني منذ ثمانين عاماً، والعلاقات اللبنانية السورية التي تريدها المملكة أن تكون متميزة، لا أن تبقى وفقاً للشكل الذي هي عليه الآن، إضافة إلى مشاكل سلاح حزب الله والسلاح الفلسطيني خارج المخيمات وغيرها. يعود الدخيل، في اتصال مع «الأخبار»، إلى الخطاب الأخير للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، الذي كان كل همّه تحييد لبنان في قضية المحكمة الدولية، من دون التطرق إلى المشكلات الأخرى، ومن دون الحديث عن أي مقابل.
يجزم الدخيل بأن الفيصل الذي يشغل منصبه منذ نحو ثلاثين عاماً لا يمكن أن يصرّح في شأن بهذه الحساسية، من دون أن يكون في إطار التعبير عن رأي القيادة السعودية. ويخلص الأستاذ الجامعي السعودي إلى القول إن كلام الفيصل تعبير عن رسالة سعودية موجهة إلى القيادة السورية، مفادها أن المملكة لن تقبل بأن يُستَخدَم اسمها غطاءً لحل مشكلة جزئية، من دون الحل الشامل للمشكلة اللبنانية.
وفي السياق عينه، ترى مصادر معنية بالمفاوضات الدائرة حول لبنان أن كلام وزير الخارجية السعودي إنما جاء تعبيراً عن قرار أميركي بقطع الطريق على أي مبادرة على شاكلة تلك التي كان يقودها النائب وليد جنبلاط (حكومة وحدة وطنية برئاسة الحريري تلبّي شروط المعارضة)، «ما يعني أن تصريحاته تمثّل المسمار الأخير في نعش س ـــــ س»، موضحة أنها إشارة إلى «بداية حرب مفتوحة نفسية وسياسية وأمنية على حزب الله».
أخيراً، هناك من يرى في تصريحات الفيصل دعماً للموقف التفاوضي للرئيس الحريري على قاعدة أنها تنزع من المعارضة ورقة التهديد بالنزول إلى الشارع تحت عنوان «لا نهتم ولو أحرقتم البلد، ما عاد يعنينا»، وأن«خطوة كهذه ستؤدي إلى التقسيم والانفصال»، في مقارنة بما حصل لورقة 14 آذار في شأن التلويح بالفتنة المذهبية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018