ارشيف من :أخبار لبنانية

ديكتاتورية الفقرة «ي»: لا استشارات، لا تكليف، لا تأليف

ديكتاتورية الفقرة «ي»: لا استشارات، لا تكليف، لا تأليف

نقولا ناصيف - "الاخبار"

لأنه لم يعد أحد يريد حكومة جديدة في الوقت الحاضر، ولأن طرفي النزاع قرّرا الاحتكام إلى لعبة إحراق الأصابع، لا استشارات نيابية ملزمة ولا تكليف ولا تأليف. الأهم في ذلك أن الصراع صار فوق قواعد اللعبة لا تحتها، وكل الخيارات مشرّعة ومشروعة


حتى إشعار آخر، تبدو الأبواب موصدة تماماً أمام أي تسوية وشيكة تخرج الموقف من المحكمة الدولية والقرار الاتهامي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري والحكومة الجديدة من مأزقه. ولم يُتح التحرّك القطري ـــــ التركي، المنبثق من القمّة الثلاثية في دمشق الاثنين، تسهيل توصّل الأفرقاء اللبنانيين إلى تفاهم الحدّ الأدنى.

أبرَزَت هذا المنحى المعطيات الآتية:

1 ـــــ حُمّلت وساطة وزيري الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو والقطري الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني في بيروت، في اليومين المنصرمين، أكثر ممّا ينبغي أن تحمل. لم يحملا معهما أي مبادرة ولا أفكاراً محدّدة، ولم يتوخيا سوى الاطلاع من المسؤولين والقادة اللبنانيين على وجهة نظرهم من الأزمة القائمة. سمعا سرداً طويلاً لمراحلها من موقعين متناقضتين قبل التسوية السعودية ـــــ السورية وبعد نعيها. وحمّل كل من الطرفين الفريق الآخر مسؤولية تعطيل مسعى الرياض ودمشق.

ضاعف من الخناق على التحرّك التركي ـــــ القطري تزامنه مع ما أعلنه وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل عن رفع المملكة يدها عن التسوية، فبدا بمثابة صبّ ماء بارد على مسعى حار. كذلك رفض سوريا فكرة مجموعة اتصال دولية لماقشة الأزمة اللبنانية، بعدما بلغتها معلومات دبلوماسية عن أن مجموعة الاتصال تلك ترمي إلى فصل الأزمة الحكومية اللبنانية عن المحكمة الدولية في اغتيال الحريري الأب.

2 ـــــ لم يسمع الوزيران التركي والقطري من قيادات المعارضة تأييداً لموقف مسبق حملاه معهما، ويحظى بتأييد عواصم عربية وغربية معنية بالجهود المبذولة في لبنان، وهو تسمية الرئيس سعد الحريري لرئاسة الحكومة. بل تركزت إجابة المعارضة على تأكيد إخراج لبنان من المحكمة الدولية عبر خطوات ثلاث نصّت عليها التسوية السعودية ـــــ السورية، وهي وقف تمويل المحكمة وسحب القضاة اللبنانيين وتجميد البروتوكول المعقود مع الأمم المتحدة. قالت المعارضة إنها لم تكن تمانع في وجود الحريري على رأس الحكومة الجديدة لتنفيذ ما كان قد تعهّد به، وهو وقف التعاون مع المحكمة الدولية. لكنها، بعد استقالة الحكومة وصدور القرار الاتهامي، لم تعد مؤمنة بالتعاون معه.

3 ـــــ لا استشارات نيابية ملزمة لتسمية الرئيس المكلف تأليف الحكومة الجديدة الاثنين المقبل. وسيصار إلى تعليقها إلى أمد غير منظور، في انتظار التوصّل إلى اتفاق داخلي يتيح إجراءها. وعلى غرار تأليف الحكومة، أي حكومة بعد اتفاق الطائف، أدخلت الاستشارات النيابية الملزمة في فخّ الفقرة (ي) من مقدمة الدستور القائلة بلا شرعية أي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك. وقف وراء هذا الإدماج قرار رئيس الجمهورية ميشال سليمان عدم الدعوة إلى استشارات نيابية ملزمة تقاطعها طائفة كبرى، وإن توافر لهذه الاستشارات الغالبية النيابية التي ترعاها المادة 53، وتمكّن الرئيس من تسمية الرئيس المكلف.

لم يعد الحساب رقمياً ولا الاستحقاق دستورياً، بل أضحى تقديراً سياسياً حمل رئيس الجمهورية، مذ أرجأ استشارات الاثنين الماضي بذريعة انتظار نتائج قمّة دمشق، على إرساء قاعدة ألزم نفسه بها، وهي أن لا يدعو إلى استشارات نيابية ملزمة في ظلّ انقسام داخلي، أو مقاطعة طائفة كبرى لها، ولا إلى إعلان تكليف يتناقض مع الفقرة (ي). ولا تأليف حكومة من ثمّ تناقض تلك الفقرة.

بل تجعل ديكتاتورية الفقرة (ي) الاستشارات النيابية النيابية الملزمة، كالتكليف والتاليف، تتوقف على موافقة الفريق الشيعي، كما على الفريق السنّي. من دون موافقتهما معاً، وانخراطهما فيه، فإن الاستحقاق الحكومي معلق إلى ما شاء الله.

الأبرز في ذلك أن سليمان لن يوافق على تكليف يتحوّل أزمة. وكما أن لا قيد دستورياً على الرئيس المكلف يُلزمه استعجال تأليف الحكومة أو الاعتذار، لا قيد دستورياً على رئيس الجمهورية يلزمه استعجال إجراء الاستشارات النيابية الملزمة. بذلك ساوى بين الدعوة إلى احترام خصوصية الطائفة المعنية باختيار الرئيس المكلف من أبنائها، وبين مشاركة سائر الطوائف في الاختيار في استشارات لا تناقض روحية الفقرة (ي).

4 ـــــ رغم الإيضاحات التي قدّمها رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط حيال موقفه من الاستشارات النيابية الملزمة، وتمسّكه بدعم ترئيس الحريري الحكومة الجديدة، والمحافظة على موقعه داخل الغالبية الموالية لقوى 14 آذار، فإن مقاربة دمشق وحزب الله هذا الموقف لم تنطوِ على ارتياح جدّي لتصرّف الزعيم الدرزي.

عندما استقبله السبت (15 كانون الثاني)، كان الرئيس السوري بشّار الأسد قد اطلع على فحوى الاجتماع الذي دار في الليلة السابقة بين جنبلاط ومعاون نائب رئيس الجمهورية اللواء محمد ناصيف، حينما أبلغ إليه جنبلاط أنه لن يسعه إلا تجيير أربعة نواب حزبيين ـــــ هو أحدهم ـــــ للمعارضة في الاستشارات النيابية الملزمة بعد 48 ساعة. كان هذا الموقف كفيلاً بحمل الأسد على عدم مفاتحة جنبلاط في الأمر ولا الطلب منه أكثر ممّا أفصح عنه لناصيف.

ومن غير أن يعكس ذلك بالضرورة خلافاً مع جنبلاط، فإن في أوساط دمشق وحزب الله مَن راح يتحدّث عن مراجعة جدّية للعلاقة معه تبعاً لمعطيات منها:

ـــــ رغم تأكيده، منذ مصالحته مع الأسد، تمسّكه بالخيارات الاستراتيجية لسوريا وحزب الله، فإن استحقاقين مهمين متتاليين نأى بنفسه عن اتخاذ الموقف الذي افترضت دمشق والحزب أنهما يعبّران عن الخيارات الاستراتيجية تلك: أولهما تفادي جنبلاط تأييد التصويت في مجلس الوزراء على إحالة ملف شهود الزور على المجلس العدلي، وثانيهما عدم انتقاله بنواب كتلته من قوى 14 آذار إلى قوى 8 آذار في الاستشارات النيابية الملزمة محتمياً بالدعوة إلى دعم التسوية السعودية ـــــ السورية.

ـــــ قبل ثلاثة أيام وجّه الزعيم الدرزي إلى دمشق وقيادة حزب الله رسالة، مفادها أنه يشعر بقلق على حياته من احتمال اغتيال الأميركيين أو سواهم له، إذا قلب الغالبية النيابية، متوجّساً من تهديد لحياته. وأرفق هذه المخاوف بالقول إنه لا يشعر بنفسه أهم من الرئيس رفيق الحريري كي لا يُستهدف. في المقابل بلغ إلى دمشق وحزب الله معلومات عن تلقي جنبلاط، قبل ثلاثة أيام مكالمة هاتفية من نائب الرئيس الأميركي جوزف بايدن تشجعه على البقاء في موقعه الوسطي.

ـــــ يعتقد المطلعون عن قرب على علاقة جنبلاط بسوريا أنه لم يلتقط تماماً مغزى السلوك السوري الجديد في مرحلة ما بعد عام 2005، وهو أن الأسد لن يوجّه تعليمات إلى أي أحد، ولا إلى أي حليف لبناني، ولن يهدّد، ولن يدخل في أي مشكلة مع أي طرف. تستقبل سوريا زائرها. تستمع إليه. تشرح موقفها. تأذن له بالانصراف وهي تتوقع أن يتصرّف تبعاً لما يقتضي، من غير أن تطلب منه، كي تتيقن أيضاً ممّن يمر في معبر التحالف معها إلى النهاية، أو يقع في منتصفه.

ذلك ما حصل على الأقل مع الأكثر عداء لها بين عامي 2005 و2008، وهما الحريري وجنبلاط اللذان استقبلهما الأسد. إلا أن أياً منهما لم يسمع مرة، على مرّ لقاءاتهما به، ما يشي بطلب أو توجّه معيّن. لم تلقِ دمشق بنفسها على أحد، وأفسحت في المجال أمام مصالحة مع الحريري بطلب سعودي، ومع جنبلاط برغبة من نصر الله. لكنها باتت تعتقد أن ما قدّمه لها جنبلاط حتى الآن، لا يمثّل جدّياً التزامه الخيارات الاستراتيجية، في أحسن الأحوال، وضع موقفه من المحكمة الدولية موضع التنفيذ.


2011-01-20